كبسة زر

بقلم : الرائد لنا مخللاتي
منسقة الشرطة المجتمعية في نابلس / العلاقات العامة

في ليلةِ شتاءٍ ماطرة كنتُ جالسةً وحدي أتأمّلُ تساقطَ المطرِ وحدي أنا وعالمي الجديد الذي صنعتهُ بيدي ،عالمي الذي أبعدَني عن نداءِ أمّي لكي أساعدَها في إعدادِ الطعامِ ،عنْ صوتِ أبي وهو يناديني لأناولهُ حبّاتِ البرتقالِ لكي يقشّرها لنا ، صوتُ إخوتي الصغار وهم يلعبونَ ويمرحونَ ،اشتقتُ لضحكاتِهم لجلساتِهم

نعمْ اشتقتُ لهم .ماذا حصلَ لي، كيفَ بعدتُ عنهم ،أصبحت ُفي عالمٍ غريبٍ سمحتُ له أنْ يخترقَ حياتي ويدمّرها ،أصبحتُ أجلسُ وحدي ساعاتٍ طويلةٍ،ينتابُني شعور التعلق بالشي ، نعم أصبحتُ مدمنةً ،نعم مدمنة بمواقعِ التواصلِ الاجتماعي ،لااتركُ جوالي أبدا، فهوَمرافقٌ لي في كلِّ مكانٍ، فهوبالانترنت أصبح لغة الحوارحتى بيني وبين أمي على (الماسنجر) ،ناوليني كأسا من الماءِ اعملي كذا وكذا …فأصبحتُ لاأراها ولا أجلسُ معها ولا مع أهلي ،زادَ القلقُ والتوترُ عندي، أبدأ صباحاتي بالفيس و(الواتس أب) وصورة في (السناب شات) ،وحالتي على (الانستجرام) .فأنا أفكرُّ بالفيس دائماً حتّى أصابني هوسٌ وأصبحتُ أضيفُ أصدقاءً دونَ أنْ أعلمَ عنهم شيئا ، فقط للتباهي بأنّ عددَ المعجبين بي يفوقُ المعجبينَ بصديقاتي الأخريات .أقدّمُ خصوصيتي عبر تلك المواقع. إنّ جلوسي وحدي لساعاتٍ طويلةٍ مع عالم الإنترنت أبعدني عن عالمي الحقيقي …وكلّما وضعتُ صوري الجميلة على مواقع التواصلِ الاجتماعي انهالت عليّ طلبات الصداقة وزاد هوسي معها ،فقبلت تلك الصداقات ،وشدّني هذا العالم إليه دونَ وعيٍ ..وفي تلكَ الليلةِ الظلماء، ومع تعوّدي كلّ ليلةٍ وكلّ لحظةٍ أن أجلسَ وحدي وإذ بطلبِ صداقةٍ جديدٍ يأتيني فوافقتُ كالمعتادِ ولكن هذه المرة كبسه زر دمرت حياتي،ناهيك عن الوقت الذي ضيعته عبر مواقع التواصل الاجتماعي ،وبُعدي عن أهلي ،وهدفي الذي أصبحَ مبعثراً فحاولتُ أن أجمعَ أوراقي المبعثرة على صفحات أشعر بالمحبة ،وأنتظر النتيجة من الفيس بوك فهي التي تحدّدُ مصيري إلّا انّهُ آنَ الأوانُ لكي أتعلمَ من درسي ،تذكرتُ وقتها ضابطَ الشرطةِ في محاضرتِها عن مخاطرِ الانترنت عندما قالتْ: لاتثقوا بالأشخاصِ عبر مواقع التواصلِ الاجتماعي فهم غير حقيقين ،وعالمُ الإنترنت هو عالمٌ وهمِيٌ، فقلتُ بيني وبينَ نفسي ياليتني كنتُ قدْ أدركتُ وقتها أهميةَ ذلك القول ،إلا أنّني الآن نادمة نادمة …نادمة … كبسة زرٍّ وصديقٍ جديدٍ باسمٍ مستعارٍ وموافقةٍ جديدةٍ ورابطٍ جديدٍ منه بكبسه زر وبموافقة مني أجد صوري عنده !كيفَ ولماذا ومتى لاأعلم .صوري وأنا بمنظر لايليقُ بمنظر سيءٍ بمقاطع لاأقبلُها على نفسي …يهدّدُ ويطلبُ مبالغَ ماليةً كبيرة … تذكرتُ أبي الذي ينهمكُ في عملهٍ ليحصلَ على راتبهِ الشهريِّ وأمّي التي تسهرُ الليالي وأصواتُ ماكنة الخياطة وإبرتها التي توخزُ بقلبي … شعرتُ بالبردِ في ليلةٍ حالكةٍ والقلب يزدادُ ظلمة ًوقهرا وألما وينهشُ بجسدي المتوجع برداً وحسرةً ..ماذا افعل ،هل أردّ عليه ؟فكيف لي ذلك ! …زاد الخوفُ والقلقُ … سهرتُ الليالي ليلةً تلو ليلة أموتُ كلَّ ثانيةٍ .. وهو يهدّدُ إن لم تدفعي لي سوف أنشرصورك ،وزادُ الخوفُ عندي ولكن لم أستسلمْ وأعودُ بذاكرتي إلى صوت تلك الضابط وهي تقول ماالحل ؟الخوف وتنفيذ طلبات الشخص المبتز أم اللجوء الى الشرطة؟ الكل بصوتٍ عالٍ.. نعمْ.. الشرطة ثم الشرطة ثم الشرطة فهي حارسة لأمننا، فذهبتُ إليهم فوجدتٌ عندَهُم الحلَّ والأمانَ فلولاهم لكنتُ أنا الآن مستسلمة ضعيفة

… أمننا بأيدينا نحنُ فلماذا جعلتُ نفسي تموتُ في اليوم ألف مرة؟.. فدرهمُ وقايةٍ خيرٌ مِنْ قنطار علاج والاعترافُ بالمشكلة جزء من الحلّ …. والآن رجعتُ لنفسي التي أصبحت تتبادل الضحكات معَ الأحبةِ وأدركتُ وقتَها كمْ أنا كنتُ مغفلة وساذجة … هذهِ قصّتي أرويها لكُمْ حتَى تسيطروا على أنفسِكم وإلّا ستندمون ستندمون ستندمون …

Print Friendly, PDF & Email