الرئيسية / أخبار إقليمية ودولية / ساندرز “يصيغ” قواعد السياسة الخارجية الامريكية

ساندرز “يصيغ” قواعد السياسة الخارجية الامريكية

واشنطن/PNN- أظهرت النتائج الجزئية للانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية آيوا، صعودا لافتا للسناتور الأميركي عن فيرمونت والمرشح الرئاسي، بيرني ساندرز، المعروف بكونه الأكثر تمسكا بالمبادئ التقدمية في حزبه، ما قد يغيّر شكل الحزب، بل وحكومة الولايات المتحدة في حال انتصر الديمقراطيون في الانتخابات الرئاسية المُقبلة.

أعدت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية المحافظة، تحليلا في هذا الصدد أشارت فيه إلى أنه بات من غير الممكن للديمقراطيين التغاضي عن قوة ساندرز والمقربين منه في الحزب والذين وصفتهم بـ”فائقي التقدمية”، وذلك على ضوء نتائج الانتخابات التمهيدية في آيوا، والتي يتفوق فيها حتى الآن، المرشح الديمقراطي للرئاسة، بيت بوتجيج، ليأتي بعده ساندرز في المرتبة الثانية.

واعتبرت المجلة أن الأداء القوي لساندرز وزميلته المحسوبة على التقدميين، السناتور إليزابيث وارين، في الانتخابات التمهيدية، مقابل التخلف الواضح للمرشح جو بايدن، بمثابة دليل على أن الأمور لن تكون كما كانت في السابق بالنسبة للحزب الديمقراطي، بعد الانتخابات الرئاسية المُقبلة في تشرين الثاني/ نوفمبر المُقبل، بغض النظر عمن سيفوز بالسباق الرئاسي.

وينصب التحليل الذي أعدها نائب رئيس تحرير الأخبار في المجلة، مايكل هيرش، على مدى تأثير صعود نجم ساندرز لدى الناخبين، في السياسة الخارجية (وهو المعنى الحرفي لاسم المجلة) تحديدا. والذي أشار إليه بقوله إن الولايات المتحدة في طريقها للانتقال لعصر جديد في هذا المضمار أطلق عليه وصف “عصر ما بعد بعد الحرب الباردة”.

ما الذي تغيّر؟

بدأ التحليل بالتطرق إلى انتهاء “إجماع واشنطن” تقريبا، والذي نص على التجارة الحرة، والانضباط في الميزانية، والخصخصة، وإلغاء قيود السوق، كإجراءات لإنعاش “الدول الفاشلة”، أي تلك التي تعاني من حكومات مركزية ضعيفة أو غير فعالة، وهي جميعها سياسات خارجية للولايات المتحدة، بدأ الاقتصاديون على مر السنين، يقرون بأنهم أساؤوا تقدير آثارها، والتبعات المدمرة لـ”العولمة المفرطة” على الطبقة الوسطى الصناعية في الولايات المتحدة.

وطرح الكاتب هذا الموضوع ليوضح بعض نتائجه والتي تمثلت بشعور الكثير من الديمقراطيين والناخبين المستقلين المقربين، بأن الحزب الديمقراطي تخلى عنهم، عبر تأييده الواضح للعولمة وإلغاء القيود على مستثمري وول ستريت، دون اهتمام بدعم الطبقة الوسطى، والتعليم، وإصلاح قطاع العمل، وغيرها من السياسات المصممة لتحسين فقدان الصناعة للمنافسة في الخارج. وكثير من هؤلاء من الناخبين الساخطين أيدوا دونالد ترامب لاحقًا.

وقال الخبير الاقتصادي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذي وثّق تأثير “صدمة الصين” على العمال الأميركيين، إن “التجارة الحرة أصبحت سامة بالنسبة للحزبين، وقد أوصل فوز ترامب في عام 2016 هذه الرسالة لأولئك الذين لم يدركوها”، مشيرا إلى أن دعم أعداد هائلة من العمال وأبناء الطبقة الوسطى لترامب، جاء ردا على التبني المفرط لمفاهيم العولمة من قبل الحزب الديمقراطي.

وذكر الكاتب أن هذا الغضب الصاخب داخل قاعدة الديمقراطيين التقليدية، تسبب قبل 4 أعوام بصعود نجم جديد بعد أن كان يُنظر إليه لعقود من قبل المؤسسة الحزبية على أنه اشتراكي هامشي، وهو ساندرز الذي كان غير محبوب إلى أن وَجد اليوم أن تقدميته الجريئة تحظى بدعم منقطع النظير.

وهنا أشار أيضا إلى أن المرشحة السابقة للرئاسة، هيلاري كلينتون، وبندم شديد اليوم، لم تكترث بتاتا لساندرز وأفكاره في الانتخابات السابقة، رغم أنه كاد أن يفوز عليها في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب، لتتفاجأ بأن الرئيس الحالي دونالد ترامب، والذي انتصر عليها، تبنى بعض هذه الأفكار أيضا. وخصوصا في مجال التجارة.

الحرب التجارية

اعتبر الكاتب أن ساندرز وزميلته وارين قدما نسخة خاصة بهما لـ”الحرب التجارية”، والتي تتلخص بفرض رسوم جمركية على البلدان التي لا تحترم حقوق العمال أو تدعم تدابير للحد من تغير المناخ، فقد قال ساندرز في مقابلة صحافية عام 2018، مثلا: “نحن بحاجة إلى إعادة تفكير جوهرية في سياساتنا التجارية والانتقال إلى التجارة العادلة بدلا من مجرد التجارة الحرة غير المقيدة” مقرا، بحسب الكاتب، أن “ترامب ميّز مشكلة” ما، عندما شن حربه التجارية على الصين في العام ذاته، وإن كانت دوافعه مختلفة تماما.

لكن الكاتب أشار أيضا إلى أن ساندرز انتقد حرب ترامب التجارية على الصين مرارا، باعتبارها “غير عقلانية”، وانتقد أيضا الاتفاقية التجارية الجديدة التي أبرمها الرئيس الأميركي مع المكسيك وكندا، بسبب أثرها الكارثي المتوقع على المناخ.

أما بوتجيج، العمدة السابق لمدية ساوث بند في ولاية إنديانا، فقد اتخذ موقفا أكثر مركزية في التجارة من ساندرز أو وارن، لكنه أشار إلى أنه سيستخدم “استراتيجية من شأنها أن تشمل الرسوم الجمركية كرافعة مالية”.

وحذر الكاتب من أن الجزء الأكثر ميلا للسياسات المركزية في الحزب الديمقراطي لا يزال تقليديا في طرحه، فقد كتب نائب الرئيس السابق، بايدن، المحسوب على الجناح التقليدي في الحزب الديمقراطي، في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز”: “كرئيس، سأتخذ خطوات فورية لتجديد الديمقراطية الأميركية وتحالفاتها، وسأحمي المستقبل الاقتصادي للولايات المتحدة، وستقود أميركا العالم مرّة أخرى”، لكن بايدن يعتمد في نهجه إلى حد كبير على إصلاح المشاكل التي أوجدها ترامب، إذ استخدم كلمات مثل “استعادة”، “وإعادة التأكيد على”، بشكل كبير في مقاله، دون أن يشرح تفاصيل ذلك.

ولفت الكاتب في هذا السياق، إلى أن بايدن، الذي يعمل في أروقة السياسة الأميركية المختلفة منذ نحو خمسة عقود، لم يعد يملك أفكارا جديدة.

وبينما يحظى باستحسان بعض التقليديين مثله في الحزب الديمقراطي، لا سيما لدعمه للاستثمار في البحث والتطوير، والتعليم، والابتكار، كوسيلة للتغلب على الصين، إلا أن جميع خطته تفتقر إلى تفاصيل موضوعية.

طفرة ساندرز

قال الكاتب إن التأييد المتزايد لساندرز (وبجانبه وارن)، في الحزب الديمقراطي، يوازي إلى حد ما صعود ترامب في الحزب الجمهوري، إذا أن كليهما غريبان انتقدا بحدّة، وعلانية، إخفاقات حزبيهما، كما أن كل منهما وجد له أتباعا اقتنعوا أن الحزبين خاناهم في موضوع التجارة الحرة، وتوقفا عن تمثيلهم (أو تمثيل مصالحهم) بشكل صادق.

وتحدث ترامب عن الحصول على صفقات “أفضل” مع دول العالم، فيما يدعو ساندرز إلى صفقات أكثر عدالة معها.

وقال الكاتب إن أفكار ترامب وساندرز، وصلت إلى قواعد الحزبين التي رفضت النموذجين القديمين والتقليديين للتجارة الحرة، و”إجماع واشنطن”، اللذين تبناهما كل من القاعدتين التقليديتين للحزبين، الديمقراطي والجمهوري، بدرجات متفاوتة بعد الحرب الباردة، في فترة لم يشكك أحد بها، بتفوق الرأسمالية. كما أن كليهما رفضا الصفقات التجارية التقليدية مع دول العالم.

ويذهب الكاتب إلى حد القول إن هناك مواءمة بين وجهات النظر بين ترامب وساندرز، في ما يتعلق بالترويج العنيف لما وصفه بـ”القيم الأميركية”، للعالم؛ ففي حين أن التوجه الانعزالي للأول، والتوجه المعادي للإمبريالية للثاني، لا يتشابهان، إلا أن كليهما لا يريدان أي علاقة بالترويج لـ”القيم الأميركية”، منذ فشل الولايات المتحدة في إرسائها، عند غزو العراق وأفغانستان.

ونوه الكاتب إلى أن ساندرز، مثله مثل وارن، سيعامل حلفاء الولايات المتحدة بطريقة أفضل من تلك التي تعامل بها ترامب معهم خلال فترة حكمه، لكن هذه السياسات، وبكلمات الكاتب، ستكون “مجرد نوع آخر من التوجه الانعزالي اللطيف والرقيق”، إذ يسعى هو ووارن إلى تقليص الوجود الأميركي في العالم بشكل كبير وسحب القوات من أماكن كثيرة بقدر الإمكان، وخاصة أفغانستان والشرق الأوسط.

ورغم أن بوتجيج يختلف اختلافا حادا عن ساندرز ووارن، في طرحه المتعلق بالقضايا المحلية مثل الرعاية الصحية، وغيرها من الحقوق الاجتماعية، إلا أنه اتخذ موقفا شبيها لطرحهما في السياسة الخارجية. ما يعني أن جميع المرشحين الأوفر حظا (من بايدن)، سيتبعون سياسات خارجية تختلف عما اعتاد ديمقراطيو المركز على إرسائها في حكوماتهم، وذلك بسبب التحدي الذي يقدمه ساندرز للمؤسسة.