الرئيسية / أفكار / الخنزيرُ البري…سلاح إسرائيل الموجه نحو المزارعين بقلم سعد داغر

الخنزيرُ البري…سلاح إسرائيل الموجه نحو المزارعين بقلم سعد داغر

زرعنا القمح والشعير والحمص، زرعنا الفقوس والبامية والكوسا والبندورة، كانت كروم العنب والتين واللوز والمشمش. فبقيت الزيتونة مهملة وذهبت البقية. توقف الفلاحون عن زراعة الأرض وهجروها عجزاً عن حمايتها منه، ولأسباب أخرى، لكنه كان من أهم الأسباب لترك الزراعة وإهمال الكثير من الفلاحين والمزارعين للحقول. وهكذا هم نجحوا، فالأرض البور يستولون عليها بقوانين عثمانية، أو قوانين الإستعمار البريطاني، وإن لم ينجحوا باستخدام تلك القوانين يُصدرون قانوناً أو أمراً عسكرياً صهيونياً عنصرياً، فنخسر الأرض.

إننا نواجه أخبث منظومة إستعمارية عرفها التاريخ البشري، المنظومة الأشد خبثاً وذكاءً، وتعرف كيف تتعامل مع خبايا نفوسنا البسيطة لتقتنص منا ما تريد، منظومة تدرس علوم النفس البشرية وعلوم برمجة البشر، تتسلح بأعتى عتاة العارفين بالقانون، منظومة درست كيف تُفسد العقول وكيف تكسب القلوب فنجحت في الكثير، استعمار عرف كيف يدفع بمن يخدمونه من بعضٍ من بني يعرب فلسطين نحو المقدمة. نواجهها كناس بسطاء لم ندرس علوم النفس البشرية ولم نتسلح بفنون المواجهة والانتصار، بدليل أننا لم نحقق هذا الانتصار منذ عام ١٩١٧، فالإنتصار هو تحقيق الهدف، والهدف هنا ليس أقل من فلسطين حرّة من الاستعمار. لم نتسلح بعلوم وعي الذات لنقدر على وعي “وعي” الآخر، لنواجه وعي العدو المستعمر بوعي فردي وجمعيٍ أعلى لننتصر عليه، كونه مستعمرٌ لأرضنا مهما تكن روايتهم، حتى وإن استخدموا كل الكتب السماوية لدعم تلك الرواية، فنحن الكنعانيون هنا بالضبط؛ قبل كل الأديان.

لكن …. أفعالنا لا تغدو عن كونها ردّات فعلٍ عاطفية نقدح خلالها كالشرر ونصرخ: إغضبوا، فيغضب البعض ثم نخبو، نواجهها بلا نصير أو مساعد، فبعض أمرنا يمسك به بعضُ من تلتقي كثيراً مصالحه ببقاء المستعمر على هذه الأرض، والزوار المدمنين الظهور على الفضائيات في مسرحية عواء لشجبٍ هنا واستنكار هناك ولربّما عواء إدانة، هؤلاء منشغلون في اختيار مكان عشاء الليلة أو الليلة القادمة، وخلفهم من يصفق، فربما يطوله من بقايا الكأس شفة، أو يملأ كرشاً ببقايا عظم صحنِ أحدهم.
لكنه الخنزير البري ……

جاء دخيلاً على البيئة الفلسطينية، لم يكن في التاريخ الحديث موجوداً في أرضنا، فجدي قارب المائة عام من العمر قبل وفاته ووالدي عاش لأكثر من سبعة عقود وأنا قضيت من العمر خمسة عقود، لم نرَ يوماً له أثراً في حقل، لم يدخل في حديث الناس، غير بما يوصف به في الجوامع من تحريمٍ للحمه وتقبيحٍ لشكله. كنا نتمنى ونحن صغار أن نزور قرية عين قينيا في رام الله لزيارة مزرعة خنازير داجنة، كنا نسمع بوجودها هناك لنرى ونتعرف على شكل الخنزير. فإن قال البعض أن له رسوم من التاريخ على صخور، ليقول أن الخنزير جزء أصيل من بيئتنا فهذا كلام تدحضه الحقائق التي عاشها الأجداد والآباء وجيلنا، نحن الفلاحون أبناء الأرض وحُراثها ورعاة أغنامها، الذين لم نرَ له أثر ولم تتضرر يوماً حقول القمح منه، ولم نجد الأرض محروثة بأنيابه حول أشجار الزيتون المسمدة بأسمدة طبيعية.

كنا نرى الأرنب البري يزين الأرض والغزلان في البراري، غزلان فلسطينية معروفة لنا ولآبائنا وأجدادنا من قبل. وهذا المستعمر حاول أن يزيد من أعدادها لتخريب ما كان يُزرع من أشتال الزيتون في السبعينات من قبل المجموعات التطوعية لحماية الجبال الفلسطينية من المصادرة، يوم كان للتطوع معنىً وقيمة. ولأن الغزال حلال أكلهُ، شهدت تلك الفترة نصباً كثيراً للأفخاخ، وإبداعات كثيرة في طرق صيد الغزال، فبقي تحت السيطرة وبالأعداد الطبيعية. أدرك المحتل أن الغزال ليس الوسيلة الأنجع لدفع الفلاح كي يترك أرضه أو لمواجهة المد الوطني بالزراعة التطوعية للجبال، فهل يستكين هذا المستعمر؟! إنه الاستعمار الخبيث الذي لا يكل في ابتداع وسائل قهرنا، فَتَفَتَّكَ ذهن هذا الخبيث ليأتي بوسيلة جديدة هي الخنزير البري.

الخنزير وانقراض المحاصيل الإستراتيجية

شهد الكثير من الناس كيف جاءت شاحنات إسرائيلية وألقت بما فيها من عشرات الخنازير في بدايات التسعينات من القرن الماضي، واستمرت العملية خلال فترة بناء الجدار الاستعماري ولعل البعض وثق ذلك بالكاميرات.
فشل منذ ذلك الوقت في الكثير من المناطق، كل فلاح حاول زراعة المحاصيل، فتدمير الخنزير لتلك المحاصيل شامل ولا يبقي ولا يذر، وتوقفت القرى عن إنتاج القمح والشعير، ولم يعد فلاحٌ قادر على زراعة الحمص والخضار، فتوقف الكثيرون عن تربية المواشي لأنهم لم يعودوا ينتجون لها العلف، وتكلفة شراء الأعلاف أعلى من طاقتهم، بل إن شراء الأعلاف أمرٌ دخيل على حياة الفلاح كما هو الخنزير البري دخيلٌ على بيئتنا، حيث كان الفلاح ينتج التبن والبيقا وشبيهاتها لتربية المواشي.

عندها، لم يعد أبناء الفلاحين يعرفون أين تقع أرضهم، ففقدت الأرض قيمتها المعنوية والروحية، وعندها جاء زوار الفضائيات ليتسلموا مقاليد حكم أعطي لهم من المستعمر وحارسه الأمريكي، فحولت منظومة الفساد الفلسطينية الأرض إلى سلعة مغرية لمن يمتلكها، ليتنازل عنها مقابل دنانير تكفيه لشراء طقم كراسي، أو تجديد أثاث غرفة نوم أو سيارة يكمل ثمنها بقرض بنكي!!

هكذا نجح من تصدح مكبرات الصوت في الجوامع بوصفهم بأبناء القردة والخنازير في تجنيد الخنازير ضد مساكين الفلاحين وأبعدونا عن الأرض، وأصبحنا لا ننتج من الأرض محاصيلاً لها أبعاد إستراتيجية إلا قليلاً مما تجود به شجرة الزيتون، التي لم يطالها تخريب الخنزير البري.
تنمية ناقصة

جهود كثيرة مبذولة في “تنمية” القطاع الزراعي بجهود حكومية وإنجيؤزية (من NGOs)، ومئات الملايين التي صرفت تحت هذا المسمى، وتتراجع قيمة الإنتاج الزراعي عاماً بعد عام، وهذه النتيجة تفضحها الأرقام والدراسات والإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، فهل للخنزير البري دور في ذلك؟؟؟

كل الجهود المبذولة وكل “مشاريع التنمية”، إن لم تأخذ في الاعتبار إيجاد حلٍ يساعد الفلاح في التعامل مع الخنزير البري وحماية الأرض منه، جهود مبتورة، وكل الخطط “الاستراتيجية” والتخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي ناقصة، إن لم يكن الهدف الاستراتيجي الأول فيها هو “مساعدة الفلاحين في التعامل مع مشكلة الخنازير البرية”، لأن هذه الخنازير هي بالضبط، أكبر مصيبة لحقت بالفلاح في أماكن انتشارها. فهي تمنعه من زراعة أرضه والعناية بها، وأوصلته إلى حالة اليأس التام وحالة “اللاحول واللا قوة”، وما عاد يفكر في إنتاج الغذاء، وبقيت الزيتونة تقف وحيدة، فغاب العنب والتين.

وضرر الخنازير لا يتوقف على تدمير المحاصيل والخطر على الفلاح في أرضه، حيث هاجمت الناس في عدة حالات، بل إن الضرر الذي تحدثه يتعدى ذلك بكثير، فتدمير السناسل يشكل واحداً من أكبر الأضرار، إذ أنها تقوم بذلك لعدة أسباب، لكن النتيجة هي تشكل قنوات بفعل مياه الأمطار تؤدي إلى انجراف التربة وضياع خصوبتها وفقدانها، يفقد الحقل القدرة على تخزين المياه، التي تتسرب للأودية حاملة معها التربة إلى البحر، وبذلك تضعف إنتاجية الأرض ويتأثر مخزون المياه في باطن الأرض على المدى البعيد. الخنازير البرية ستكون أحد أسباب التصحر في العديد من مناطق فلسطين على المدى المتوسط والبعيد أيضاً، فتوقف الفلاح عن العناية بأرضه وعدم إعادة بناء السناسل، سيؤدي لمزيدٍ من انجراف التربة وهذا بدوره سيقود إلى حالات تصحر في العديد من المناطق.

التعامل مع الخنزير

عودة الفلاح للاعتناء بالأرض ولإنتاج الغذاء أو بعض منه له ارتباط وثيق بإيجاد الحلول المتنوعة للتعامل مع الخنزير البري، ومنعه من الوصول إلى البساتين، لكن المبادرات التي تتسم بردات الفعل المؤقتة من خلال حملات إطلاق النار لقتل الخنازير أو مبادرات توزيع السموم لتسميمه لن تصل بنا إلى الهدف المنشود، بل إنها فشلت جميعها في الحد من أعداده وآثار نشاطه على المزارع، فالخنزير كما غيره من الكائنات لديه استراتيجيات الحفاظ على جنسه، من أجل البقاء والاستمرار.

ورغم أن نشاط الخنزير ذو التأثير المتعدد الجوانب يؤذينا كفلاحين، لكن ذلك لا يعني أن يولد في نفوسنا حالة من العداء المطلق لهذا الكائن، بل النظر إليه كعنصرٍ أصبح من عناصر البيئة عندنا، وعلينا أن نستخدم الذكاء البشري للتعامل معه، بحيث لا يشكل عنصر تهديد لمحاصيلنا، فإن لم نستطع، فإن ذلك يعني أن المستعمر بوعيه الخبيث، نجح مرة أخرى في استخدام الخنزير البري بوعيه الفطري واستطاع إخراجنا من الأرض، وساعد المستعمر في نجاح استراتيجيته لإبعادنا عن الفلاحة، فهل نسمح للخنزير البري بوعيه الفطري أن يتفوق على وعينا البشري؟

 

الكاتب : مهندس زراعي في مركز العمل التنموي/ معا