الرئيسية / أفكار / “أطفال التوحد وكورونا”

“أطفال التوحد وكورونا”

الدكتور/ سامي باشا

لن يتعب قلمي ولا فكري من التوقف عن مساندة أطفال التوحد وذويهم، فهم كانوا وما زالوا وسيبقون أولوية لنا جميعا، فهم جزء هام من شرائح المجتمع الفلسطيني والدولي كله. تمر السنين ولا نريد أن نستهين بما يعانيه أطفال التوحد وأهاليهم بسبب تغيب السياسات الواضحة والتشخيص الدقيق والخطط العلاجية الناجعة، بالإضافة الى فقدانهم حق التعليم كتحصيل حاصل وعدم قدرتهم على الاندماج وكأن الذنب هو ذنبهم وكأنه توجب علينا القبول بالأمر الواقع دون تحريك ساكن. أعتقد أننا نستطيع وضمن التكافل الاجتماعي والقيم التي يتمتع بها المواطن أن نضمن مستوى يرتقي بهذا الإنسان الذي يحمل معه اضطراب لم يختره بل فرض عليه من قبل ما يحدث من خلل في طبيعتنا البشرية، كما أنه يمكن أن يحصل مع أي انسان دون آخر ونحن غير مُحَصَنُون من حدوثه في عائلاتنا.

لا شك بأن التغيرات الكثيرة والسريعة الحاصلة في المجتمع وعلى جميع المستويات وبالأخص انتشار فيروس كورونا أبطأ التفكير والتركيز بجميع الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وعلى رأسهم أطفال التوحد. فالتعليمات الصادرة لتجنب انتشار الفيروس غير مناسبة لأطفال التوحد ولذويهم ولجميع فئات الإعاقة.أعتقد أنه من واجب دوائر التربية الخاصة والتي تعمل في إطار التوحد أن تقوم بعمل مثل هذه المبادرات وتساعد الإطار الحكومي على مواجهة هذا التحدي بتقديم التعليمات التي يمكن أن تقلل من تعرض أطفال التوحد وذويهم الى هذا الخطر القاتل. فالفيروس لا يفرق ما بين الطفل الطبيعي ومن لديه اضطراب، بل يضرب دون رحمة وبالتالي توجب علينا حماية جميعا فئات المجتمع وبالأخص من هم اقل حظا ومن لا يملكون أدوات الدفاع الأساسية.

من هنا أردت مشاركة بعض التوجيهات في هذا المناسبة لجميع أهالي أطفال التوحد وكل العاملين في هذا القطاع الهام، ولمنيتابعهم من بعيد وعبر الاتصالات التلفونية او من خلال شبكات التواصل الاجتماعي:

(1) إن كنت من أحد العاملين في القطاع التربوي وتتابع أطفال التوحد، سيكون من المشجع والفاعل القيام باتصال مع عائلة الطفل والحديث معهم وسماع تخوفاتهم ومشاركتهم هذه اللحظات الصعبة. أضف الى ذلك ان طفل التوحد سيكون سعيدا برؤية المربي الذي يتابعه من خلال الفيديو وسماع صوته. توجب عدم ترك العائلات مثقلة بتخوفات وأسئلة دونة مساندة فهذا واجب وطني.

(2) العمل على تبسيط التعليمات التي قامت بإصدارها السلطات المحلية من خلال تحويلها الى صور او مناقشتها مع الأهل واتباع ما يمكن اتباعه بناء على ما يتم الاتفاق عليه مع الأهل وبمساعدتهم. أتفهم بأنه يصعب إبقاء الأطفال داخل البيت لكن من المهم اخبار الأهل بأهمية هذه اللحظات للتمكن من التعرف على طفلهم بشكل أفضل، بالإضافة الى إمكانية اعطائهم بعض التدريبات والألعاب التي يمكن أن تكسب الطفل بعض المهارات خلال تواجده في البيت.

(3) أظهرت بعض الدراسات وخصوصا المرتبطة بنظرية ماريا مونتيسوري وتطبيقاتها العملية، بأن أطفال التوحد ينشغلون ويستمتعون بما يرتبط بالإعمال اليدوية، وبالتالي فإن القيام بتقسيم السلطة باليد (الخس) او طوي الأوراق والعجين داخل البيت بمساعدة الأهل يخفف من ازمة البقاء بالبيت ويمكن أن يساعد في تعزيز اكتساب مهارات جديدة. فيمكن القيام بذلك من خلال ادخال محادثة بسيطة مع الطفل خلال القيام بأي عمل منزلي مشابه. ويمكن تطبيق هذه النظرية على جميع النشاطات المنزلية التي يمكن القيام بها مع الطفل.

(4) ستكون فرصة مميزة للأهل إن تمكنوا وبمساعدة المربي وضع برنامج يومي لأنفسهم، وذلك حرصا على تقليل القلق الحاصل والتركيز على بعض النشاطات وإبقاء الأمور بشكلها الإيجابي والبناء (وقت الأكل / وقت اللعب / ووقت المرح والنشاطات / ووقت التلفاز والحاسوب إن توفر….. الخ). من المهم التأكيد للأهل بأن لديهم مساندة عن بعد ويمكنهم التواصل معهم عند الحاجة.

(5) مساعدة ألأهل والتأكد من حفاظهم على الهدوء مؤكدين لهم بأنها فترة عصيبة ولن تبقى الى الأبد ويمكنهم تخطي المرحلة هذه بمساندة وبمساعدة المربين عن بعد. يمكن خلق وحدة مساعدة وطنية ورقم تلفون مجاني لتقديم التوجيهات والإرشادات للأهالي، وهذا ابسط ما يمكن عمله حيث سيكون له الأثر الإيجابي الكبير على نفسية الأهالي والتي ستنعكس بشكل مؤثر على أبنائهم.

(6) التأكد من أن البيئة والمناطق المحيطة في البيت يتم تغييرها وتطويعها لمساعدة أطفال التوحد على الشعور بمزيد من الراحة في محيطهم. قد يكون هذا تغييرًا في البيئة المادية بحيث يمكنك إنشاء مساحة صديقة خاصة بهم تعطيهم خصوصية. فكما يعرف الكثيرين فإن أطفال التوحد يعانون من مشاكل حسية، ويمكن أن يؤثر هذا على كيفية تجربة عيش الطفل للبيئة البيتية.

دعونا نتذكر اليوم كل طفل واهله وما يعانوه وما يخبئه لهم المستقبل، اشيد بأصحاب القرار وذوي الإرادة الصالحة لتبني توجهات واضحة ورفع حالة التأهب لمرحلة جديدة يمكننا من خلالها وضع لوائح تنفيذية وتعليمات وسياسات وقوانين تحمي كل طفل توحد من وحشية الأدوية القاتلة لقدراتهم، والتدخلات الوهمية تحت مسميات العلاج التي تزج بالطفل الى مسارات غامضة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

إن اخلاقنا ومسؤولياتنا الوطنية هي ما تلزمنا، وليست الاتفاقيات الدولية التي يتم التوقيع عليه، فمن هنا أشيد بكل البلاد العربية وبالأخص فلسطين التي تستحق ان تكون رائدة في خلق نموذجاً من الإبداع والمهنية والبدء بعمل ريادي بعيد عن نمطية وتكرار المناهج القديمة.

نتذكر اليوم هذه المناسبة لنكون قريبين من ذوي أطفال التوحد وأبنائهم وخلق بيئة مساندة لهم، وخلق توجه وروح تطوع ومهنية ووضع سياسات تضمن حقوق الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام وأطفال التوحد بشكل خاص.