الرئيسية / أفكار / ردا على عرّابي شروط الاتحاد الاوروبي بقلم نضال العزة 

ردا على عرّابي شروط الاتحاد الاوروبي بقلم نضال العزة 

بنشر موقف شبكة المنظمات الاهلية (بينغو) الذي يرحب برسالة التوضيح الصادرة عن مفوض عام مكتب الاتحاد الاوروبي في القدس بشأن الشروط السياسية المذلة، ويشرعن التوقيع على الشروط ويمنح الغطاء للموقعين، اندفع عرّابو وعرّابات الشروط للترويج بان رسالة الاتحاد التوضيحية تحمل جديدا مميزا وتوفي بالحد الأدنى من المعايير الفلسطينية. والعرّابون هنا هم من لا يكتفون بالتوقيع، بل يروجون له كما قال السيد عمر نزال في مقاله المنشور أمس على وطن. وبلا شك، فان هذا الترويج يتطلب بثّا مضللا لما يوصف بإنجاز الشبكة لحواراتها مع الاتحاد. لن أقف عن كل المغالطات والتفسيرات المضللة التي يبثها العرّابون، فهذه سيتم تناولها في ورقة تفصيلية تفند ادعاءات شروط التمويل قانونيا وسياسيا وستصدر خلال أيام، انما سأكتفي بإبراز أهم ثلاثة أمور يتم تسويقها كإنجاز وتصور رسالة الاتحاد الاوروبي كتحول نوعي.

بداية، لا بد من التأكيد على امرين: الاول ان رسالة الاتحاد الاوروبي التوضيحية قد وضعت من خبراء قانونيين وسياسيين متمرسين في فن الصياغة وتورية المعاني والالتفاف عليها على نحو يعطي معنى مغايرا تماما للظاهر. الثاني، ان رسالة التوضيحات هذه بالمعنى القانوني لا أثر لها على الالتزامات الصريحة المدرجة في بنود عقود المنح الاوروبية. فالمبادئ والقواعد القانونية الناظمة للعقود، بما فيها العقود الدولية، واضحة بهذا الشأن، بل وقاطعة. حتى في مسألة تفسير البنود للعقود والاتفاقيات الثنائية عند الاختلاف لا مكانة قانونية للرسائل التوضيحية ما لم تكن بإقرار الأطراف جزءا من العقود وملاحقها. وهذا الرأي ليس شخصيا، بل مسند بقرارات محكمة العدل الدولية، ولجنة القانون الدولي، ووثائق دولية عديدة، لا مجال للخوض فيها هنا.

يركز عرّابو وعرّابات شروط التمويل في حملتهم التسويقية على ثلاث مسائل هي:

أولا: دعم تقرير المصير للشعب الفلسطيني واستخدام عبارة “كافة الوسائل” لتحقيقه:

صيغ البند الأول من رسالة الاتحاد على نحو مقصود بطريقة “ذكية”، غامضة ولكنها مضللة. فبينما يؤكد الاتحاد الأوروبي دعمه لـ “سعي” الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير، يربط ذلك بتأييده لاستخدام “كافة الوسائل” المسموح بها بموجب القانون الدولي لتحقيق “حل سلمي”. الجملة لا يمكن فصلها عن جملها لاستجلاء المعنى المقصود. بالنظرة الاولى يبدو النص وكأنه تأييد لحق الشعب الفلسطيني في النضال بـ “كافة الوسائل” المشروعة، بما فيها الكفاح المسلح، كما قررها القانون الدولي ودأبت على تأكيده الامم المتحدة. وبتدقيق النص يمكن الجزم بان هذه مغالطة جسيمة ومضللة وتحايل للأسباب التالية:
1- رغم ان الاتحاد صرح بدعمه لـ “سعي” وليس (حقّ) الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والفرق شاسع بين السعي والحق، الا ان أهمية هذا الامر ترتبط بما يراد لمعنى “كافة الوسائل” الواردة في نفس الفقرة. تجدر الإشارة هنا، ان الاتحاد الاوروبي له تصريحات علنية تؤيد حق تقرير المصير بالعموم، هي أفضل من الصيغة الواردة في رسالة التوضيح. الغاية واضحة، ذلك ان الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والتحرر من الاستعمار والهيمنة الخارجية، ونظام الابرتهايد يترتب عليه التزامات دولية أخرى لم يشأ الاتحاد الاوروبي ان يورّط نفسه فيها.
2- بالتدقيق في صياغة الفقرة يتبين ان مصطلح “كافة الوسائل” مرتبط بأمرين: “السعي إلى تقرير المصير” كما بينا اعلاه، والثاني أن هذا السعي المعترف به يكون لتحقيق “حل سلمي” بموجب القانون الدولي. وبناء على ذلك، فأن “كافة الوسائل” هنا تعني ما يعرف بالوسائل السلمية لحل النزاعات الدولية، وهو أمر محدد بدقة لتنظيم العلاقات الدولية بين الدول. هذه الوسائل هي: الجهود الحميدة، والوساطة، والتفاوض، والتقاضي، والتحكيم. هذه كلها آليات ناظمة للعلاقات بين الدول وهي آليات دبلوماسية وقضائية تتخذ شكل اتفاق متبادل بين الدول المعنية و/ أو بين الدول بمساعدة المجتمع الدولي، و/او عبر الهيئات الدولية (المحاكم ولجان التحكيم).
3- بموجب القانون الدولي، الحق في تقرير المصير له إطار ناظم مختلف كليا، يشمل حق الشعوب في النضال بـ “كافة الوسائل” بما فيها الكفاح المسلح”. لا يقتصر هذا الإطار الراسخ دوليًا على تنظيم العلاقات بين الدول بالوسائل السلمية المعينة حصرا تلك. هذا الفهم يميز بين الإطار القانوني الذي يحكم حل النزاعات الدولية بين الدول بالوسائل السلمية وحق الشعوب في المقاومة والنضال بكافة الوسائل المشروعة المعترف بها بموجب القانون الدولي. يترتب على ذلك ان إدراج “السعي” من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير “بكافة الوسائل” في صيغة الاتحاد الأوروبي هو عبارة مضللة وصياغة لا تماثل في معناها عبارة “كافة الوسائل” في الإطار القانوني الناظم لحق الشعوب في النضال والمقاومة كما هو معترف به في القانون الدولي.

ثانيا: شروط الاتحاد لا تشمل الأشخاص أصحاب الانتماء السياسي من المشاركة في أنشطة المؤسسات:
بالرجوع الى النصوص والتفسيرات المقدمة من الاتحاد نفسه، وبصرف النظر عن التفاصيل الخطيرة المتعلقة بتعريف الأشخاص والمجموعات والكيانات في وثائق الاتحاد واستحالة التمييز بين الفصيل السياسي واعضائه والمتعاطفين معه من الناحية العملية، يتبين ان الاتحاد يتحدث عن إمكانية المشاركة على أساس الصفة الشخصية. فبحسب المراسلات الموثقة مع الاتحاد الاوروبي، وتوضيحات مسؤول التواصل والمعلومات في الاتحاد الاوروبي في مكتب القدس الواردة في صحيفة “المونتير” الالكترونية (٢٩ أذار)، ” لا يوجد في قائمة الاتحاد الاوروبي للعقوبات اسم أي شخص فلسطيني … واي شخص طبيعي يمكن دعوته للمشاركة في انشطة المؤسسات، حتى إسماعيل هنية، ولكن ليس باعتباره حماس، ذلك ان هذا سيخلق مشكلة”. وعليه، فان المشاركة في أنشطة ممولة من الاتحاد يكون على أساس الصفة الشخصية، وليس الانتماء الوطني السياسي. هذه الكلمات تبطل الادعاء بان الاتحاد “لا يتطلب التمييز بين الفلسطينيين”، إذ ان الفصل ضمن هذا السياق بين الصفة الشخصية والصفة الوطنية السياسية بحد ذاته يشكل تمييزا سافرا. هذا الامر يعني من الناحيتين العملية والقانونية إدانة للمقاومة، والمقاومين/ات، وعزلا للمناضلين والمناضلات، و”غربلة” للمؤسسات وانشطتها ومن يعمل فيها. والغاية هنا واضحة: فكّ علاقة مؤسسات العمل الاهلي الطبيعية بحركة التحرر الفلسطينية. وهذا بالضبط ما عمل عليه الممولون وسلام أوسلو واسرائيل؛ أي صهر الوعي بـ “اللاتسييس”، و “تعزيز الفردانية”، و “التغريب” للوصول الى الفلسطيني القابل للخضوع طواعية!

ثالثا: الادعاء بان الاتحاد لا يطلب تغيير الانتماء السياسي، وكل ما يريده الاتحاد من فرض الشروط هو عدم تحويل الاموال الى جهات سياسية:

بخصوص عدم التدخل في الانتماء السياسي وحرية الاعتقاد/الانتماء، هذا التزام على الاتحاد الاوروبي، وليس منحة يتصدق فيها علينا. كما ان صيغته لا تعني شيئا في ظل انه يصرّ على اجراء المسح على أساس التمييز ما بين الصفة الشخصية والصفة السياسية والوطنية كما ورد أعلاه. هذه الصيغة لا تعني أكثر من: للمؤسسات الفلسطينية وافرادها والمشاركين ان يؤمنوا بما يشاؤون ولكن عليها ان تفعل ما يريده الاتحاد الاوروبي.

اما بخصوص القول ان غاية الاتحاد من الشروط هي فقط عدم تحويل الاموال للأحزاب، فهذا النص لم يرد في رسالة الاتحاد اولا، وهو اجتهاد من العرابين وتفسيراتهم/ن، او مستقى من لقاءات ثنائية وتصريحات أوروبية هنا وهناك لا قيمة لها. لو كان صحيحا ان غاية الاتحاد الاوروبي هي عدم تحويل الاموال للأحزاب، كما يدعون، فلماذا لم يقبل الاتحاد عرض المؤسسات صيغة بديلة تتفق مع القانون الفلسطيني تمثلت في التالي: “تلتزم المؤسسة المتعاقدة بعدم اتاحة أيا من أموال المنحة الاوروبية الى أية جهة سياسية”؟ رفض هذه الصيغة التي قدمت للاتحاد بشكل رسمي رفضا كليا، يعكس غايات أخرى تكمن وراء الإصرار على تضمين الصيغة المتصلة بقائمة الإرهاب والإجراءات التقييدية.

خلاصة الامر، إذا كنتم غير قادرين على رفض الشروط لأسبابكم ومصالحكم الخاصة، فهذا نفهمه ولا نتفق معه. ولكن من العيب تسويق رسالة الاتحاد على انها انجاز وتحول نوعي يبطل مفعول الشروط الملزمة قانونيا والماسّة بحقوق شعبنا وكرامته. ان اللغة المواربة المستخدمة في رسالة الاتحاد الاوروبي لا يفترض ان تضللنا، لان الأصل: لا للشروط السياسية وخصوصا تلك التي تجرم نضال شعبنا وقواه وتمسّ بكرامته. للاتحاد الاوروبي ان يصنّف كما يشاء، ولكن ليس له ان يفرض علينا القبول بتصنيفاته واجراءاته التقييدية. وإذا كان لا بد من حماية المؤسسات وعملها وتجنب سطوة السلطة الفلسطينية، فان ذلك بالتأكيد لا يكون بالخضوع للشروط الاوروبية التي تُفرض علينا الان وكأننا طالبان او داعش، استجابة لحملات التشهير والضغط الصهيو- إسرائيلية.