الرئيسية / أفكار / نميمة البلد: التداعيات السياسية لفيروس “كورونا”

نميمة البلد: التداعيات السياسية لفيروس “كورونا”

بقلم/ جهاد حرب

إن بيان منظمة الصليب الأحمر الخاص بتداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد في منطقة الشرق الأوسط، الذي يهدد حسب وصفها بتدمير حياة ملايين الأشخاص ممن يعانون بالفعل في مناطق الصراعات وقد يفجر اضطرابات اجتماعية واقتصادية، يثير الاهتمام خاصة إذا ما تم ربطه بالتحليلات السياسية التي تتنبأ بتحول النظم السياسية على المستوى العالمي من نظم ديمقراطية تشاركية الى نظم شمولية تهيمن الدولة على الحيز العام من خلال التدخل الاقتصادي سواء بضخ أموال كبيرة في محاولة لمعالجة التداعيات الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا، أو من خلال إعادة الهيمنة الأمنية التي رفقت الحجر المنزلي في أغلب البلدان على الحيز العام وتراجع فاعلية القوى المدنية السياسية منها أو المجتمعية.

هذا الأمر لن تكون دولة فلسطين في منأى عن هذه التحليلات أو بعيدة عن هذه التخوفات والتوترات التي قد تنشأ نتيجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لتفشي هذا الفيروس. تشير توقعات البنك الدولي إلى انكماش في الاقتصاد الفلسطيني خلال العام الجاري قد يصل إلى 7% في حال تفاقمت الأزمة الناتجة عن تفشي فيروس “كورونا”، وأن الاقتصاد الفلسطيني يواجه وضعا بالغ الخطورة مع توقف مختلف القطاعات عن العمل في وقت يفتقر إلى أية أدوات للتحفيز المالي، أو ضخ السيولة، او الاقتراض الخارجي.

إن الخشية من التأثيرات هذه بتحول النظام السياسي الفلسطيني الى نظام شمولي تتوفر فيه عوامل دافعة في المقابل فإن العوامل الطاردة لمثل هذا التصور أيضا كامنة في النظام ذاته. في ظني أن العوامل الدفعة لهذا التحول تتمثل أولا: في طبيعة الاعتماد على الاستثناء لمعالجة تفشي فيروس كورونا؛ بإعلان حالة الطوارئ ومن ثم تمديدها، على الرغم من وجود نصوص واحكام قانونية تنظم بشكل واضح حالة الانتشار الوبائي في القوانين العادية. وثانيا: مخالفة عملية التمديد لحالة الطوارئ لأحكام المادة 110 من القانون الأساسي، ولعرف رئاسي قائم على عدم المساس بقرارات أو تشريعات أو اجراءات تحتاج إلى اغلبية الثلثين في المجلس التشريعي لتمريرها.

أما ثالثا: فيتمثل بامتلاك الحيز العام من قبل القوى الأمنية بغاية تطبيق الإعلان الخاص بحالة الطوارئ وتنظيم إجراءات الحجر الصحي وفقا لقرارات الحكومة المعلنة لمواجهة الانتشار الوبائي لفيروس كورونا. ورغم هذا التواجد “الكثيف” للقوى الأمنية في الشارع الا أنه لم يُلمس تجاوزات من قبلها على حرية التعبير أو الحريات العامة الا في نطاق ما هو متخذ من إجراءات لتطبيق الحجر الصحي. لكن الخوف في هذا السياق يتمثل بامتلاك هذا الحيز بمعناه الثقافي أي غياب أية معارضة أو حتى نقد جدي للسياسات الحكومية من قبل منظمات المجتمع المدني أو التنظيمات السياسية.

ويتمثل العامل الرابع بإمكانية حدوث اضطرابات اجتماعية ناجمة عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، كما أشارت توقعات البنك الدولي، التي يواجهها الفلسطينيون ناجمة عن ضعف القدرات الاقتصادية نتاج للسياسات الاستعمارية للحكومات الإسرائيلية الدافعة لإفقار الفلسطينيين واضعاف حكومتهم والحد من قدرتهم على استثمار الثروات المحدودة في الأراضي المحتلة عام 1967 من ناحية، ولسياسات الحكومات المتعاقبة على مدار أكثر من ربع قرن من ناحية ثانية.

في المقابل هناك عوامل طاردة لإمكانية التحول لنظام شمولي تسلطي في البلاد منها؛ أولا: تأكيد رئيس الحكومة في اجتماعه مع ممثلي المجتمع المدني الفلسطيني على أن ” حالة الطوارئ هي فقط من أجل مواجهة كورونا وليس هناك أي نوايا لتقييد الحريات العامة أو حقوق الإنسان” وهي ما حصرها المرسوم الرئاسي بإعلان حالة الطوارئ وتمديدها. وثانيا: غياب تجاوزات أو اعتداءات ملموسة من قبل قوى الامن على الحريات العامة في الممارسة العملية، وبقيت تصرفات قوى الامن منضبطة في حدود الاجراءات المعلنة لتطبيق الحجر الصحي ومنع تفشي فيروس كورونا، فيما بقيت بعض الهنات حالات فردية معزولة. وثالثا: بقاء تماسك البنى الاجتماعية في البلاد والتضامن المجتمعي بالإضافة الى عامل العصبوية المناطقية والتفتت الجغرافي التي تضع عقبات أمام الهيمنة الفئوية. ورابعا: ما زالت البنى الثقافية في الحزب الحاكم تحفظ التاريخ النضالي لكوادره ومناضليه الأكثر تمردا، وهي أيضا متشابكة بحكم مرحلة التحرر مع القوى السياسية الأخرى الشريكة في مرحلة التحرر الوطني. والامر الأخير يتعلق بضعف إمكانيات الدولة الاقتصادية وعدم توفر موارد مالية لضخها في السوق أو التحكم في الاقتصاد أو نية السيطرة من خلاله.

إن هذه القراءة الأولية للعوامل الدافعة والعوامل الطاردة للتحول نحو النظام الشمولي تحاول أن تستقرأ ملامح ما بعد جائحة كورونا، وهو أمر لا ينطبق على فلسطين فقط، في محاولة للتحسب والتفطن ولفت الانتباه للتفاعلات في الممارسة العملية وتدارك ما يمكن لوقف السقوط أو الانزلاق إلى الهاوية ” النظام الشمولي والاضطراب المرافقة واللاحقة له” في ظل أوضاع غاية في التعقيد وأكثر صعوبة من أي بلد آخر من ناحية، وللحفاظ على المشروع التحرري من الاستعمار من ناحية ثانية.