الرئيسية / أسرى / فرص مبادرة “حماس” للإفراج عن الأسرى إعداد: وسيم حنونة

فرص مبادرة “حماس” للإفراج عن الأسرى إعداد: وسيم حنونة

قدّم يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة، بتاريخ 2/4/2020، مبادرة لإطلاق سراح الأسرى، جاء فيها “جاهزون لتقديم تنازل جزئي في قضية الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية مقابل إفراج الاحتلال الإسرائيلي عن الأسرى من كبار السن والمرضى كمبادرة إنسانية في ظل أزمة كورونا”.[1]

جاءت مبادرة السنوار بعد يوم على تصريح لنفتالي بينيت، وزير الأمن الإسرائيلي، ربط فيه بين الحاجات الإنسانية لإسرائيل ولغزة، وقال فيه “عندما يكون هناك نقاش حول المجال الإنساني في غزة، فإن إسرائيل لها أيضًا احتياجات إنسانية”، مشيرًا إلى أن “حماس” تحتفظ بجثتي ضابط ومجند تقول إسرائيل إنهما قتلا في حرب العام 2014.[2]

من جهته، غرّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على حسابه في موقع تويتر، باللغة العربية، ردًا على مبادرة السنوار، قائلًا: “إن يارون بلوم، منسق شؤون الأسرى والمفقودين، وطاقمه، بتعاون مع هيئة الأمن القومي، والمؤسسة الأمنية، مستعدون للعمل بشكل بناء من أجل استعادة القتلى والمفقودين، وإغلاق هذا الملف، ويدعون إلى بدء حوار فوري من خلال الوسطاء”.[3]

في ضوء مبادرة السنوار وتصريحات نتنياهو وتفشي وباء فيروس كورونا، هل هناك فرصة لإتمام صفقة تبادل أسرى قريبة بين “حماس” وإسرائيل؟

يبدو الحديث عن إتمام “صفقة تبادل” إنسانية أو في إطار سياسي، بين “حماس” وإسرائيل، متناغمًا مع التوجه العالمي للإفراج عن الأسرى في ظل انتشار كورونا، ما من شأنه ترجيح كفة الميزان لصالح تعزيز فرص إتمام صفقة التبادل بين الطرفين.

إسرائيل وحماس وملف الأسرى

بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام 2014، أعلنت “حماس” أسر جنود إسرائيليين بغزة، وبقي الحديث بشأن مصير الجنود بين مد وجز، دون تحرك سياسي يذكر. لذا، أقدمت “حماس”، بتاريخ 2/4/2019، على نشر فيديو باللغة العبرية عن الأسرى الإسرائيليين لديها[4]، كان الهدف منه إعادة إحياء ملف الأسرى، والضغط على إسرائيل للتفاوض بشأن الأسرى وملفات أخرى. وأعلنت أيضًا عن وجود أربعة جنود لديها وليس اثنين، دون الكشف عن التفاصيل المتعلقة بهم مجانًا.[5]

لم تسفر محاولات “حماس”، وتهديدات إسرائيل لها بشأن الأسرى طوال تلك السنوات عن شيء، فقد رفضت إسرائيل دفع ثمن مقابل الأسرى إن كانوا جثثًا أو أحياء، أو دفع مقابل معلومات عن الأسرى، كما جرت العادة، على شكل إطلاق أسرى لقاء توضيح لوضع الجنود، وما تصريحات بينيت التي أخذت طابع الابتزاز (المساعدات مقابل الجنود)، إلا جزء من عملية ما قبل التفاوض، لفرض الشروط التي تريدها “إسرائيل” في حال تطورت الأمور إلى صفقة تبادل.

تتمسك “حماس” بإحراز صفقة وإنجاز سياسي، وحمّلت الحركة إسرائيل المسؤولية عن أي تداعيات تترتب على تفشي الوباء في غزة لأنها تحاصر القطاع منذ 13 عامًا، مشيرة إلى أن إعادة الجنود تتطلب التفاوض على صفقة لتبادل الأسرى.[6]

وباء كورونا والمطالبة بالإفراج عن الأسرى

تأتي مبادرة السنوار في ضوء واقع مرير يعيشه الأسرى الفلسطينيون قبل أن ينتشر الوباء، والضغط الفلسطيني على كافة المستويات لإطلاق سراح الأسرى بعد انتشاره. فمنذ انتشار كورونا في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، تتزايد المخاوف مما يمكن أن يلحقه بالأسرى الفلسطينيين الذين يعيشون واقعًا صحيًا صعباً، ما أدى إلى مطالبات السلطة الفلسطينية بالإفراج عن الأسرى.

فمن جهته، طالب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتحرك الفوري لزيارة الأسرى، وحمايتهم، وإجراء الفحوصات اللازمة للأسرى المشتبه بإصابتهم بفيروس “كورونا”، وتطبيق البروتوكولات الدولية الخاصة بتوفير سبل الحماية للأسرى. وجدد اشتية خلال استقباله دانيال دوفيلار، رئيس بعثة الصليب الأحمر في القدس، بتاريخ 24/3/2020، المطالبة بالإفراج عن جميع الأسرى، خاصة المرضى وكبار السن والأطفال والنساء، لحمايتهم من وباء قد لا يمكن السيطرة عليه.[7]

كما أوضح قدري أبو بكر، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، أن الأسرى بينهم مرضى ونساء وأطفال، يواجهون خطرًا حقيقيًا يهدد حياتهم بفعل “سياسة الإهمال الإسرائيلية”، متهمًا سلطات الاحتلال بممارسة “القتل البطيء” بحقهم.[8]

في ذات السياق، أعلنت جامعة الدول العربية على لسان أحمد أبو الغيط، الأمين العام، ، عن مدى خطورة الأوضاع التي يتعرض لها نحو خمسة آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية في ظل تفشي الوباء في إسرائيل، من بينهم عدد كبير من كبار السن والمرضى وأصحاب المناعة المتدنية، وهي الفئات الأكثر عُرضة للإصابة بالفيروس.[9] وجاء ذلك بعد حجر إدارة سجن “عوفر”، بتاريخ 2/4/2020، ستة أسرى فلسطينيين خالطوا الأسير المحرر نور الدين صرصور، الذي ثبتت إصابته بفيروس كورونا بعد إطلاق سراحه.[10]

مبادرة السنوار

قال السنوار في لقاء على قناة الأقصى الفضائية إن هناك احتمالية كبيرة بأن تحرك المبادرة ملف الأسرى، بحيث يطلق سراح المعتقلين الفلسطينيين المرضى والنساء وكبار السن، مقابل تنازلات معينة، موضحًا أن هناك ثمنٌ كبيرٌ يجب أن يدفعه الاحتلال مقابل ما تملكه “حماس”، دون مزيد من التفاصيل.[11]

من جهته، أكد فوزي برهوم، المتحدث الرسمي باسم حركة حماس، في بيان صحفي بتاريخ 3/4/2020، أن مبادرة السنوار جاءت بسبب الأوضاع الصعبة والمعقدة داخل سجون الاحتلال، وخشية وصول الفيروس إلى الأسرى، لا سيما بعد انتشار الوباء بشكل واسع في دولة الاحتلال. وأضاف: تعكس المبادرة الإنسانية جدية “حماس” في التعامل مع هذا الملف، خاصة في ظل تفشي وباء كورونا، وعدم وجود أي اهتمام من قبل الاحتلال بجنوده.[12]

وفي هذا السياق، أبدت “حماس” مرونة عالية في التعاطي مع ملف الأسرى في مبادرتها الجديدة، بعد أن اشترطت، في السابق، الإفراج عن الأسرى الذين أعيد اعتقالهم بعد أن أفرج عنهم في صفقة التبادل بوساطة مصرية في العام 2011 (صفقة جلعاد شاليط). في المقابل، هناك موافقة إسرائيلية ضمنية على إجراء حوار عبر وسطاء لإتمام “صفقة تبادل”، أو الوصول إلى تفاهمات من شأنها أن تفضي إلى إطلاق سراح أسرى.

وبالإضافة إلى احتمال إطلاق عدد من الأسرى، تسعى “حماس” إلى تحقيق إنجاز سياسي، فالفيديوهات التي تبثها عن الجنود المفقودين تهدف من خلالها إلى إعادة الاعتبار لملف الأسرى والتبادل، فهي تهدف إلى تحريك المجتمع الإسرائيلي وعائلات الأسرى للضغط على حكومة إسرائيل، للوصول إلى صفقة أسرى في ظل الأوضاع الحالية.

الفرص والاحتمالات

تربط إسرائيل أي مساعدة إنسانية أو صحية لقطاع غزة بمصير الجنود، ومنذ انتشار فيروس كورونا، أصبحت إسرائيل تربط بين واقع غزة وجثث الجنود معًا، خاصة بعد زيادة المطالبات بالإفراج عن الأسرى، وما يمكن أن يتحمله الاحتلال بشأن حياتهم.

قدّر عسكريّون وسياسيّون إسرائيليّون أنّ أزمة “كورونا” فتحت “شباك فرص” للتقدّم في صفقة تبادل أسرى مع “حماس”، فقد أوردت صحيفة “معاريف”، أن “الأجهزة الأمنية والسياسيّة الإسرائيليّة عقدت “اجتماعات مهمّة” حول التبادل مع مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الأمن، والفكرة الأساسيّة هي محاولة التقدّم في ملف الأسرى عبر رزمة مساعدات إنسانيّة لقطاع غزّة ومبادرات أخرى”.[13]

يبدو احتمالية التوصل إلى صفقة تبادل أسرى سياسية أو إنسانية مرتفعة، ويتضح ذلك من خلال استعداد إسرائيل للتفاوض بشأن الأسرى من خلال وسطاء، ما يتناغم مع مبادرة السنوار بشأن الأسرى. ورغم اشتراطات الجانبين إلا أن “حماس” قد تستجيب لأي عرض إسرائيلي يضمن إطلاق سراح أسرى فلسطينيين. هذا بالإضافة إلى كثرة الدعوات الأممية على كافة المستويات للإفراج عن السجناء والمعتقلين في كافة أنحاء العالم، ما من شأنه أن يوفر بيئة حاضنة لصفقة تبادل كهذه.

ترفض إسرائيل بشكل قاطع، حتى الآن، المساومات بشأن المفقودين لديها على المستوى السياسي والعسكري، وهو السبب الرئيس وراء اعتقال غالبية من أطلق سراحهم في صفقة شاليط، ورغم ذلك هي بحاجة إلى صفقة التبادل بصورتها الإنسانية لتحقق ما يأتي:

رفع المسؤولية الصحية التي أقرتها كافة الاتفاقيات الدولية بشأن الأسرى بعد انتشار كورونا.
تحقيق انتصار سياسي بعودة الجنود المفقودين بإطار إنساني، ما يعدّ إنجازًا سياسيًا لصالح نتنياهو، دون دفع ثمن الانتقاد المؤسسي أو الشعبي.
تحسين صورة الاحتلال عالميًا، واستجابة لواقع الأسرى الصحي في ظل انتشار الوباء.
بالرغم من ذلك، قد تحدث تطورات تمنع إسرائيل من عقد صفقة قريبة مع “حماس” بشأن الأسرى، خاصة في ظل عدم تشكيل حكومة جديدة والذهاب إلى انتخابات رابعة، فتصبح القضايا الداخلية أكثر أهمية من التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس.

خاتمة

تبدو البيئة السياسية والصحية مهيأة لعقد صفقة تبادل ذات بعد إنساني بين “حماس” وإسرائيل، في ظل انتشار الوباء وما قد يتعرض إليه الأسرى، بعد أن أبدت “حماس” مرونة عالية في مبادرتها، وموافقة إسرائيل على عقد لقاءات عبر وسطاء، حتى وإن لم يشهد ملف الأسرى أي تحرك رسمي حتى اللحظة، أو تسمية الوسيط، الذي من المتوقع أن تلعب دوره جمهورية مصر العربية لأهميتها الجغرافية والسياسية بين الطرفين.

رغم المطالبات الفلسطينية والدولية بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وما يشهده العالم من مبادرات إنسانية للتبادل وإطلاق الأسرى في ضوء تفشي فيروس كرونا، إلا أن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال أصبح يخضع لـ “صفقة تبادل” أكثر منه استجابة مطلبية لواقع الأسرى، فالاحتلال ينتهك القانون الدولي الإنساني الذي يوجب الرعاية الصحية للأسرى، إضافة إلى وجود 700 أسير بحاجة إلى رعاية صحية لم يتلقوها داخل السجون، حتى قبل تفشي هذا الوباء.