الرئيسية / أفكار / نادية حرحش .. بين النقد البنّاء والمسبات المسيئة.. “وزيرة الصحة عذراً”

نادية حرحش .. بين النقد البنّاء والمسبات المسيئة.. “وزيرة الصحة عذراً”

منذ اندلاع أزمة الكورونا وفُتحت المنصات الاجتماعية لتعليقاتنا وردود افعالنا، وهذا امر بديهي في وقت نجلس جميعا في بيوتنا وتخرج علينا الحكومة من خلال متحدِّثيها لتوجز لنا حيثيات ما يجري من حولنا، فلم يعد هناك ما هو مهم أكثر من اعداد الإصابات والسيطرة على الفيروس من التفشي، وعليه بينما ننظر الى ما تقدّمه الحكومة، من الطبيعي ان يأتي نقدنا بصِيَغه المختلفة: المهني والاجرائي والتفصيلي، أي ما يتناوله الايجاز من فحوى أساسية، وما يصدر خلال الايجاز من تصرّفات تلفت انتباهنا.

تحوّل الايجاز الى عرض يشمل ما هو أبعد من الفيروس، وفرصة تعطي الحكومة من خلالها شرعية مرتجاة في وقت تغيب عنه الشرعية بسبب عدم وجود برلمان وما نعيشه من انقسام منذ سنوات. فحن نعيش في هذا الوطن مثل” غايب طوشة”، امر الحكومة وتشكيلها مجرد “لهْوٍ” نتسلى به للحديث والتفريغ، لأننا نعرف ان كل ما يجري تغيب عنه الشرعية، خصوصا بينما نشهد على تأصيل اكبر لقبضة الاحتلال من ضم أراضي وسيطرة.

ضمن كل ما جرى، إذا ما كان هناك شخص يجب تحيّته والعمل على دعمه منذ اندلاع الازمة هو وزيرة الصحة الدكتورة مي كيلة، وذلك طبعا بعد الانتهاء من جولات الشكر والتقدير والعرفان والالقاب التي ترددت في الأسابيع الأخيرة، والتشبيهات للبطولات الخارقة لشخصيات عديدة.

فإذا ما كان هناك معلومة مهمة نحتاجها في هذه الأوقات هو ما دأبت على تقديمه لنا وزيرة الصحة منذ أول الازمة، لم تتوان عن العمل بإصرار وتفاني حقيقيين وجليين في مواجهة هذه الازمة.

لم تلتفت لما يحتاجه الموقف السياسي من صناعة نجوم وترويج لأشخاص لفرصة لا يهتم لها الا رجال السياسة وتنظيماتهم، الا ان مهمتها بقيت بتركيز فائق على الشأن الصحي ومواجهة الكورونا.

في مقالات سابقة لي، توجهت بالمساءلة وطلبت استقالتها، وذلك في احداث ارتبطت بعجز وزارة الصحة عن مجابهة الأخطاء الطبية وسوء الإدارة لحوادث صارت قضايا رأي عام.

مما لا شك فيه، ان وزارة الصحة هي وزارة محورية، وكلنا نعرف ان الحقيقة المؤلمة هو فقر مقومات الإمكانيات لبناء نظام صحي مناسب، فالوزيرة ورثت وزارة متهالكة شأنها كباقي الوزارات، وكان سوء حظها ربما تحوّل العديد من قضايا العنف والقتل الى قضايا رأي عام، أو بالأحرى، بعد سنوات من الأخطاء التي صارت مميتة، لم يعد بالإمكان الا تصدر حوادث بين الفترة والأخرى للمشهد العام.

ولكن عند بدء أزمة الكورونا، او بالأحرى عندما تبين ان موضوع الكورونا لن يكون موضوعا عاديا وإعلان حالة الطوارئ، شمّرت وزيرة المرأة عن ساعديها ووقفت بإصرار ووعي وتفاني امام مهمتها.

في ظل كل ما رأيناه من شخصيات برزت أو حاولت البروز في هذه الازمة، بقيت وزيرة الصحة ثابته في خطواتها نحو هدف واضح: مواجهة الكورونا.

الحقيقة انه من الواجب ان ننحني احتراما لجهودها الجبارة في مواجهة الكورونا ،على الرغم من التحفظات على الأداء والآراء البناءة والجدية في الكثير من المواقف كذلك، حيث ان ما لا نراه من صراعات وضغوطات واضحة وجلية في التنظيم السياسي الحاكم، بالإضافة الى الحملات ضدها بطريقة مسيئة ومخزية.

قد يكون هذا قدر النساء اللواتي يحملن المراكز العليا في حكومات ذكورية وشعب ذكوري حتى النخاع، ولكنه يبقى الامر المؤسف، لأنه بالنهاية لا يحمي التنظيم السياسي المرأة من ذكورية مجتمع يعتش هو على ديناميكية الذكورية ليبقى متمسكا بقوته، فيكون من السهل ترك المجال لكل من يريد ان يهجم، وهذا على عكس ما يجري عندما يكون رجلا في نفس المكان.

وهنا لا نتكلم عن النجومية، التي من الممكن ان نرى سطوعها لأغراض تنظيمية أخرى، نتكلم هنا عن دور أساسي ومحور في ازمة الكورونا.

فليس المطلوب ان تخرج الوزيرة للإعلام وامام المستشفيات وليس المطلوب منها التأكد من حصولنا على معونات ومعدات طبية. هذا الاستعراض هو الاسهل. ولكنها اختارت وقررت الا تتواني عن دورها في إدارة الازمة كوزيرة صحة.

بعيدا، عن كل الانتقادات الشكلية، التي لا تشكل جوهر عمل الوزيرة، الا انها لفتات طبيعي الحديث عنها، فنحن كما قلت سابقا، نجلس لنشاهد، فنلاحظ وننتبه للتفاصيل غير الجوهرية والشكلية بقدر انتباهنا الى التفاصيل الجوهرية، ولكن بين انتقادنا للأداء الشكلي لأي مسؤول رسمي بصفته الرسمية الاعتبارية، وبين انتقادنا المسؤول لصفاته الشخصية فهذه وقاحة.

كنت ولا أزال اشدد على مبدأ ان العمل الرسمي هو عمل تكليفي لا تشريفي. ومن حقنا ان نتلقى أفضل الخدمات من هذه الشخصيات، كما هو واجبهم ان يعملوا لأجلنا. هذا هو البديهي الطبيعي.

ولكن، اود بهذه اللحظة ان أقدم شكري لوزيرة الصحة واعتذاري لكل كلمة مسيئة خرجت ضدها تحت مساحات حرية التعبير، لان حرية التعبير ليست هذه، وعليه بينما شكري لها ليس لواجبها الذي تقدمه فقط، ولكن لتفانيها وجهدها الواضح، بغض النظر عن الكثير الكثير من الملاحظات.

نعرف كذلك ان الأمور ليست بخير، ولكن ما لمسته من وقفات الوزيرة المشرفة في أداء دورها يجعلني اشعر بالثقة ان هناك خير لا يزال موجود.

قد لا تعجبنا الأشخاص وقد لا يصل المستوى الى توقعاتنا، ولكن بذل قصارى الجهد من اجل التعامل مع الازمة هو اعلى مستوى من الكفاءة.

إذا ما كان هناك قيمة حقيقية للايجازات الحكومية، فهي بالمعلومات التي تقدمها الوزيرة وتعليماتها وتوجيهاتها بهذا الشأن. حتى هذه اللحظة، هي الوحيدة التي تقف امام المنصة لتعلمنا بما نحتاج ان نعلم. واقعية، صادقة، ملتزمة وجدية.

شكرا للدكتورة مي كيلة على جهدها اللا محدود وتفانيها الجلي لما تقوم به من محاولات لاستيعاب الموقف ومحاربة الفيروس.