الرئيسية / بيئة نظيفة / مركز معا: أزمة كورونا كشفت مدى الحاجة لإحياء الزراعة والصناعة المحلية بهدف خلق اقتصاد مقاوم

مركز معا: أزمة كورونا كشفت مدى الحاجة لإحياء الزراعة والصناعة المحلية بهدف خلق اقتصاد مقاوم

بيت لحم/PNN- ناقش تقرير أخير لمجلة آفاق البيئة والتنمية/ مركز معا مفهوم “الاقتصاد المقاوم” للتكيف مع جائحة كورونا التي أصابت العالم بالشلل. في الحالة الفلسطينية، وفي بلد يرزح تحت الاحتلال، تعالت أصوات محلية بضرورة اعتماد نهج الاقتصاد المقاوم والعودة مجددا إلى الأرض والزراعة كخيار استراتيجي وليس كملاذ وقت الأزمات. فتغير نمط معيشة الناس من الإنتاج إلى الاستهلاك على مدار العقدين الماضيين، خلق اقتصادا هشاً فاقم من المعاناة، وجعل تعايش الناس مع الأزمات أمراً صعباً.

خبير اقتصادي: يجب إحياء الزراعة والصناعة المحلية

جاء في التقرير الذي أعده الصحفي فراس الطويل، “في منطقة معرضة للأزمات بشكل مستمر، يجب إعادة الاعتبار لقطاعين مهمين، وهما الزراعة والصناعة المحلية، وذلك من أجل التحرر من الهيمنة الاسرائيلية والانكشاف للعالم، وزيادة الجباية المحلية، وزيادة اعتماد الناس على إنتاجهم”. هذا ما يراه الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم. الذي أشار إلى ضرورة تشجيع الزراعة مجددا ليس بشكل عشوائي؛ وإنما بطريقة مدروسة، بحيث تتحقق الفائدة وليس الزراعة من أجل الزراعة. وبالتوازي مع ذلك؛ يجب إعادة الاعتبار للمهن الفلسطينية التقليدية التي شارفت على الاندثار ودعمها من أجل خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج المحلي، بدلا من الاعتماد شبه المطلق على الاستيراد.

وبخصوص الأفراد، نصح عبد الكريم، وهو استاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الأميركية، بالزراعة المنزلية التي اعتبرها واجباً وطنيا وغير مكلف بالمطلق. وأضاف: “أي شخص لديه حتى لو 5 أمتار مربعة عليه زراعتها بأي شيء، لإنها ستساهم في سد جزء من احتياجاته”. إلى جانب الزراعة المنزلية؛ لا بد من قيام الأفراد بالادخار ولو بجزء بسيط من دخلهم، حتى يكون ملاذا لهم في الأزمات.
لكن ما يخشاه عبد الكريم هو عدم استخلاص العبر من أزمة كورونا، كما حدث في أزمات سابقة وآخرها أزمة احتجاز الاحتلال الإسرائيلي لأموال المقاصة الفلسطينية. مضيفاً أن مباردات عدة طرحت لتأسيس صناديق للطوارىء لكنها لم تنجح وكانت تدفن مع انتهاء الأزمة التي تطرح في وقتها. وتساءل عبد الكريم عن عدم قيام السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها برصد احتياط مالي سنوي، خصوصا في الفترات التي كانت فيها المساعدات الخارجية غزيرة، لو فعلت الحكومات المتعاقبة ذلك، لكان لدينا احتياطي ينقذ الاقتصاد والفئات الفقيرة في ظل الأزمات الشديدة كأزمة فيروس كورونا.

داغر: الزراعة خيار استراتيجي وليست ملاذاً في الأزمات فقط

من وسط أرضه في مزارع النوباني بمنطقة بني زيد الشرقية شمال رام الله، تحدث المهندس الزراعي سعد داغر الخبير في الزراعة البيئية لـ”آفاق البيئة والتنمية” عن سبل إعادة الاعتبار للأرض والزراعة، كملاذات آمنة في وجه أي أزمة تواجه الفلسطينيين. فلا يمكن مواجهة أي أزمة أو أي ظروف طارئة، وفق داغر، دون توفير جزء رئيس من الاحتياجات بشكل ذاتي، وذلك بالاعتماد أولا على مصادر محلية، لتجنب أي انتكاسة في عجلة الانتاج في حال الاعتماد على المدخلات من الخارج، ويرى داغر أن أزمة فيروس كورونا خير دليل على ذلك، فالعالم أصيب بالشلل، وحركة تدفق البضائع لم تعد سهلة. يتحدث داغر عن جملة من النقاط من شأنها إعادة الاعتبار للأرض والزراعة:

وقال داغر:” نحن بحاجة لإعادة التفكير بنمطنا الزراعي وإعادة الاعتبار للحيازات الصغيرة، ففي آخر 20 عاماً، كان التركيز على الحيازات الكبيرة التي تزود العالم بــ 25% من غذائه، والباقي يأتي من الحيازات الصغيرة (الأراضي الزراعية أقل من 10 دونم)، وهي تشكل في الأراضي الفلسطينية 83% من الملكيات، وبإمكانها أن تكون المرتكز للصمود وتوفير فرص عمل لأصحابها أو المستأجرين لها؛ فعلى الأقل فإنها توفر للأسرة جزءا من احتياجاتها”.

يؤكد داغر افتقاد السلطة الفلسطينية لإستراتيجية صمود في حالات الطوارىء في المدن خاصة. ففي الأزمة الحالية، كان من الممكن أن يظهر أثر الريف في إمداد وإنتاج الغذاء، لكن هذا الدور تم مسحه وتغييبه وفق داغر، حيث أصبحت المدينة وكأنها مصدر غذاءٍ للريف وهذا شكل خللاً في المنظومة من وجهة نظره.

وأضاف: ” داغر الذي عُرف فلسطينياً كمزارع مناصر بشدة للزراعة البيئية، ينتقد تحول كل قطعة أرض في المدينة كان من الممكن أن تكون مصدراً للغذاء إلى قطع من الإسمنت، حيث اقتصر النشاط الزراعي في المدن على نباتات الزينة، التي يفترض أن تكون لإنتاج الغذاء. “كل مساحة مهما صغرت ممكن أن توفر جزءا من الاحتياج. حتى لو كانت 100 متر مربع، أو 50 مترا، فمن شأنها أن توفر احتياج أسرة مؤلفة من 6 أفراد اذا ما تمت زراعتها بأصناف متعددة حسب الموسم”.

ودعا داغر الذي يملك قطعة أرض أسماها “المزرعة الإنسانية” في قريته ويدعو لها المهتمين لتعلم مبادئ الزراعة البيئية، إلى ضرورة تبني تفكير استراتيجي يركز على المدينة كجزء مهم من إنتاج الغذاء المنزلي، وعلى المواطن البحث عن كل متر مربع تصله أشعة الشمس لزراعته، كالأسطح والشرفات والساحات، وكذلك الصناديق الخشبية، فهي توفر جانبا من الاحتياج عدا الجانب الجمالي.
“العملية أصبحت معكوسة، فإبن الريف أصبح يشتري كل احتياجاته من المدينة، كالبيض والخبز والدجاج، مع العلم أن الريف كان ينتج كل ذلك سابقا، فهنا انعكست المفاهيم والأدوار. ونتيجة للأزمة التي خلقها تفشي فيروس كورونا بدأت الناس في الأرياف بالعودة إلى زراعة الأرض، وهذا جيد، ولكن لا يجب أن تكون الزراعة ملجأً وقت الأزمات، بل مسألة استراتيجية، ويجب أن يأخذ الريف دوره”. يؤكد داغر الذي يقيم بين المدينة والريف.

وفق داغر، هناك دول بدأت بإعادة الاعتبار للريف كالصين، من خلال رصد 18 مليار دولار للاستثمار فيه. مشدداً على أن هذا التفكير والتنفيذ هو المنقذ في وقت الأزمات. منزعجاً من الواقع الفلسطيني، الذي لا يرصد شيئاً للريف “الدعامة الأساسية للصمود”، مطالباً بضرورة إعادة التوازن بين الريف والمدينة والخروج من حالة الوهن والفقاعات، فالأغلبية أصبحت مقترضة من البنوك، وأضحى النمط الاستهلاكي هو السائد مع الاعتماد على الاستيراد وعدم الاعتماد على النفس إلا في جوانب ضيقة.

مدير مجلس الزيت والزيتون: “الأمن الغذائي” للأسرة هو كلمة السر

يشدد مدير عام مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني فياض فياض على مسألة تحقيق “الأمن الغذائي” للأسرة الفلسطينية، باعتباره المفتاح للمساهمة في تحقيق الاكتفاء الذاتي في بلد تحت الاحتلال. مستذكرا أيام جده وجدته حينما كانت الأسرة تتزود بكامل احتياجاتها من الأرض. ويستعرض فياض لآفاق البيئة والتنمية أهمية إعادة الاعتبار للأرض، كما يطرح الخبير الزراعي مسائل عدة في حديثه، داعياً إلى ضرورة التفات الأفراد والحكومات إليها.

يقول فياض: “لنعد قليلا وندقق في حياة الأسرة قبل 60 عاما، أي في عهد جدي وجدتي، كانت الأرض ملك رجلٍ واحد، وكانت مصدر العيش الوحيد للأسرة كاملة، ويعمل بها كافة أفراد الاسرة، ونفس الأرض اصبحت اليوم ملك 60 شخصا، لا تستطيع تأمين متطلبات الحياة لهم جميعا، وليس باستطاعتهم التفرغ للعمل بها جميعا، فأُهملت الأرض وتم الابتعاد عنها وعدم زراعتها، إلا بتلك الأشجار التي زرعها الأجداد في حياتهم”.

وأضاف فياض أن جده كان يزرع بها كل احتياجات الأسرة من الحبوب، القمح والشعير والكرسنة، والبقوليات بكل أصنافها، الحمص والفول والعدس والبازيلا والذرة إلى جانب السمسم والقزحة والحلبة والعصفر، وكل أصناف الخضار والفواكه من البندورة والخيار والملوخية والبصل والثوم والباذنجان والكوسا والبطيخ والشمام، فيما كانت الأرانب والدجاج البلدي والزغاليل والبيض هي مصدر اللحوم والبروتينات، كما لم يخلو منزل واحد من وجود غنمة أو شاة، وكان موسم الزيتون سيّد مونة الأسرة.

حنين للماضي الجميل

وذكر فياض كيف كان يتم تجفيف البندورة ليُصنع منها إما “صلصة البندورة” أو “الشرائح” للعام كله، كانت شرائح البندورة تجفف ليتم استخدامها في الأشهر التي لا يكون هذا الصنف متوفرا فيها. وقد علقت مع قلائد البامية والملوخية ومخزون البصل للعام كله وكذلك الثوم، ولا ينسى فياض كيف كانت الأسرة تحتفظ باحتياجها من زيت الزيتون والرصيع للعام كله، وتجفف العنب ليصبح زبيبا، وتصنع منه ومن السفرجل، ومن أصناف الفاكهة الأخرى تعدّ أشهى أصناف المربيات، ومن تجفيف التين القطين، ومن طحن القمح الخبز.

لكن هذه الذاكرة، أصبحت من الأطلال وفق فياض حيث يقول: “في زمني وأنا أعيش مع والدي ومن ثم مع أسرتي واولادي معي قبل زواجهم، تبدل معظم ما ذكر أعلاه، فلم يعد القمح والطحين ضروريا، إلا لعمل قالب من الكيك، لم يعرفه جدي ولا جدتي، والذي تحول في أسرة أولادي واحفادي لـ “قالب جاتوه” يتم شراؤه جاهزا. ولم نعد نزرع الأرض، إلا بشكل تجاري، وليس بغرض تخزين المونة السنوية. ولم تعد صناعة المربيات في المنزل ضرورية، حيث من على رف السوبرماركت تشتري كل احتياجك. لكن ما بقي وما زالت بعض الأسر محافظة عليه، هو تأمين الأسرة لحاجتها من زيت الزيتون والزيتون في الموسم، لتوفير الاحتياج السنوي. وكذلك الجبنة البلدية”.

وربط فياض بين هذا السلوك وعدم قدرتنا على تأمين احتياجات الأسرة لمدة اسبوعين في عهد الكورونا. داعياً إلى عودة كل مالك أرض، وكل صاحب منزل حوله قطعة أرض أو حديقة، إلى زراعتها بالممكن من احتياجات الأسرة، كالبصل والثوم ، والبقدونس والنعناع والجرجير والزعتر والملوخية، الأصناف التي لا تحتاج زراعتها إلى ذلك الفن والتكنولوجيا، وكذلك زراعة الحديقة أو الارض بالفول والحمص والبازيلا، عملية بسيطة لا تحتاج لمهندسين وخبراء.

وتساءل فياض: “ما الذي يمنع ان يكون في أرضك إلى جانب الزيتونة، شجرة تين وشجرة لوز وشجرة برقوق وشجرة ليمون؟ ما الذي يمنع أن يكون في الحديقة بين الاشجار ثلاث شتلات من الباذنجان او الكوسا والقرع؟ وعلى جدار المنزل تتسلق نبتة ليف تنتج في السنة الواحدة 50 ليفة نستخدمها للحمام وجلي الأطباق والصحون؟”

في المصطلحات الحديثة يُطلق على الزراعة بين الأشجار: “الزراعية البيئية” وهي زراعة كل ما هو قابل للزراعة. وفي الصراع القائم بين المدرستين المختلفتين حول العناية بكروم الزيتون إحداها تقول : “أحرث ارضك”، والمدرسة الأخرى تقول: ” لا تحرث أرضك”. ظهرت مدرسة ثالثة تقول: ضع حول أرضك سياج ملائم و آمن، ثم انثر أرضك بالبرسيم، قم باقتناء العدد المتناسب مع مساحة الارض بالدواجن، يقوم البرسيم بحفظ التربة من التشقق ويكثف الرطوبة داخلها، ويقوم الدجاح بأكل البرسيم كاملا، فلا تحتاج لإطعامه، ويكون عضويا، ويعطيك الدجاج اللحم والبيض والسماد للتربة، وتضمن موسماً ماسياً من الزيتون سنويا.

ما زالت بعض القرى في وطننا، تزرع أراضيها بأصناف معينة من المزروعات، بل أصبحت تُنظم لها المهرجانات، مثل مهرجان الفقوس، التين، المشمش، الصبر، البتيري..الخ. ما يذكرنا بأن الأرض معطاءةٌ ومنتجة ولا تقدّر بثمن.