الرئيسية / قناديل من بلدي / الشيخ جمعة شرارة… ذاكرة متقدة عن قريته “المالحة” رغم تقدم السن

الشيخ جمعة شرارة… ذاكرة متقدة عن قريته “المالحة” رغم تقدم السن

بيت لحم/PNN- نجيب فراج – يتجنب اللاجيء الشيخ جمعة شرارة أن يتناول قضية لجوء الشعب الفلسطيني جراء نكبته المستمرة منذ 72 عاما، من جانب حزين لإستدرار العطف، وإنما يتناوله من باب تحليلي علمي منطقي، لأخذ الدروس والعبر من هذه القضية الأكبر في التاريخ البشري حسبما يقول.

المالحة وموقعها

تعود جذور الشيخ شرارة الى قرية المالحة المدمرة الكائنة الى الجنوب من مدينة القدس المحتلة، والتي اصبحت أحد ضواحيها الهامة مع مرور السنين والعقود، إذ تبعد عن مركز مدينة القدس 5 كيلو مترات، وتقع على ظهر تلة جبلية مرتفعة، يحدها من الشرق بيت صفافا، والقطمون، ومن الغرب قريتا “عين كارم” و”الجورة”، ومن الشمال اراضي لفتا ودير ياسين، ومن الجنوب اراضي بيت جالا وشرفات.

فيما كان عدد سكان القرية وقبل النكبة نحو الفي نسمة، أما اليوم فارتفع العدد الى 15 الف نسمة، معظمهم يقطنون في محافظة بيت لحم، وجميعهم ترنو عيونهم نحو قريتهم التي لا تبعد عنهم أكثر من خمسة كيلو مترات، ولكنهم محرومين من الوصول اليها، حيث حولها الإسرائيليون الى مركز اقتصادي وسياسي، اذ يوجد فيها العديد من المباني الحكومية، هذا عدا عن المساكن الفاخرة، إضافة الى مؤسسات ربحية أخرى، كحديقة الحيوانات وهي الأكبر في اسرائيل.

ويؤكد الشيخ شرارة أن كل هذه التغيرات والإجراءات في القرية وحولها، لن يجعلنا أن ننساها على الإطلاق، وكل سنة تمر نتعلق بها أكثر نحن أهالي القرية شيبا وشبانا، واطفالا، فهي أرض الآباء والأجداد الذين ماتوا في القرية ودفنوا فيها، حيث المقبرة لا زالت هناك رغم أن “إسرائيل” جرفت القسم الأكبر من هذه المقابر، وبقي عدد أصابع اليد فيها، “ولكن كل ذلك لا يمكن أن يمحو التاريخ والذاكرة، فأرواح موتانا وإن جرفت قبورهم فهي تحلق في المكان تحرسه وتبعث الرسائل للأجيال القادمة، ومفادها لا تنسوا هذا المكان ولاتجعلوا عيونكم تبعد عنه فملاذكم الأخير فيها أيها الأبناء وأيها الأحفاد”.

الهزيمة للجيوش العربية

يقطن الشيخ جمعة في مخيم “الدهيشة” للآجئين منذ لجوئه وعائلاته من قريته ومسقط رأسه، ويبلغ من العمر 93 عاما، ولازال يتمتع بصحة وذاكرة جيدة، ويقول إنه قد غادر فلسطين في العام 1940 الى القاهرة، وهناك درس علوم القرآن الكريم، وبعد خمس سنوات عاد الى قريته، أي في العام 1945، ليعيش النكبة الحزينة، حيث يعتبر ما حصل هو هزيمة للجيوش العربية التي دخلت في حرب خاسرة، وكان الأفضل أن لا تدخلها، لأن شعبنا الفلسطيني أركن على هذه الجيوش، فخسرنا الحرب بهذه الصورة المذلة، ولو لم تكن هذه الدول في الصورة، لكانت بسالة الشعب الفلسطيني وثواره قد اختبرت بإمتياز إذ أن الثوار والشعب باكمله قد أركن على الجيوش العربية فكان ما كان.

يؤمن الشيخ جمعة ايمانا راسخا على ان الشعب الفلسطيني سيبقى متشبثا بحقوقه بغض النظر عن الظروف الحالية الصعبة حيث الاحباط والياس والانهاك وغياب حل جدي وحقيقي في الافق لقضيتنا التي لا يمكن ان تجد الحل الامثل الا من خلال حصول هذا الشعب على كافة حقوقه الغير مجزوءة على الاطلاق مهما طال الزمن او قصر، صحيح ان الشعب الفلسطيني قد تعب وارهق وتحمل الكثير من الاعباء ويواجه اليوم مصيرا مجهولا لان الحل المتوفر هو حل هزيل ولكن لا يمكن ان يضيع حق ورائه مطالب وكل هذه الاجيال المتعاقبة لن تنسى حقها حتى لو ان جيل النكبة قد انتقل الى رحمته تعالى بحكم مرور الزمن الا ان القضية الفلسطينية لا تموت لانها قضية شعب وقضية امه وقضية جيل وراء جيل يحمل الراية حتى تحقيق كافة الحقوق.

يستذكر الشيخ جمعة الأيام والسنين في قريته الوادعة، مؤكدا على أن عائلته كانت تملك جبلا بحاله اطلق عليه “جبل شرارة” نسبة الى عائلته التي اشتغلت في الزراعة، فعمرت الأرض وزرعتها بالعديد من الثمار، حيث كانت الزراعة مصدر الرزق الأساس، وتعيش العائلات بسهوله ويسر وبكرامة لا يمكن وصفها، ويعتز الأهالي بهذا النمط من الحياة وسط علاقات اجتماعية قوية بدون مصالح شخصية، يخافون على بعضهم البعض، ويفكر القوي بالضعيف، ويقف الغني مع الفقير ليسنده ويسانده.

لقد جائت العصابات الصهيونية لتقتلع الشعب من أرضه، وتبدد هذا الإستقرار والأمن والهدوء والطمأنينة، ولا يمكن أن تعود الأمور الى مجراها، إلّا إذا عاد اللآجئون الى قراههم ومدنهم التي هجروا منها، ولذلك فلا يمكن لشعبنا أن ينسى هذا الحقأ ولذلك فهو قد علم أبنائه وأحفاده الذين يتجاوز عددهم الـ60 فرداأ على التمسك بحق العودة مهما طال الزمن أو قصر.

لا يترك الشيخ جمعة شرارة مناسبة إلّا ويشارك بها في حدود المخيم الذي لجأ اليه منذ النكبة المشؤومة، فعندما جاء الراب المتطرف موشي ليفنغر وعسكر قبالة المخيم قبل نحو ثلاثة عقود، هو ومجموعة من المستوطنين على مدى عدة أشهر بدعوى التظاهر ضد عمليات رشق الحجارة باتجاه سيارات المستوطنين والطلب من جيش الاحتلال توفير الأمن لهم، وقد ظل هذا العنصري متمركزا هناك تحت حماية قوات الاحتلال، فكان الشيخ جمعة من بين المواطنين الذين تصدوا لقطعان المستوطنين وهو يستذكر جيدا تلك الاحداث ويقول:” لقد أجبر ليفنغر على الرحيل وهو يجر اذيال الهزيمة خلفه جراء الوقفة الوحدوية لسكان المخيم برمتهم، فكانت هذه الوقفة وقفة عز وفخار لا يمكن نسيانها وستبقى في سجل المخيم المشرف، حيث لم ترهبنا قوات الاحتلال واجراءاتها المتمثلة بالاعتقالات ومنع التجول والملاحقة الدائمة.