الرئيسية / أفكار / “صدمة” كورونا.. أي ثقافة جديدة تُحضر للشعوب؟ د. عبد الله عدوي

“صدمة” كورونا.. أي ثقافة جديدة تُحضر للشعوب؟ د. عبد الله عدوي

شكلت جائحة كورونا مرحلة مهمة ومحوية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإدارية وغيرها، حيث ألقت تأثيراتها بظلالها على مختلف مجالات الحياة، حتى وصفت بأنها بوابة مرحلة جديدة ستغير من مسارات الحياة البشرية في خلق أنماط جديدة وتلاشي أخرى، فقيل إن ما بعد كورونا ليس كما قبله.

كورونا ليس مجرد فيروس اقتحم البيئات البشرية مخلفا أعدادا كبيرة من المصابين والوفيات، بقدر ما استطاع هذا الفيروس حمل كمّ هائل من التغيرات للبشرية، حتى اتجه الكثيرون لافتراض المؤامرات كمرد لما آلت إليه الأمور؛ بين متهم للصين بافتعال الفيروس، ومتهم للغرب ومن ورائه حيتان الاقتصاد العالمي، وعلى الطرف المقابل من أعزى الأمر لتطور طبيعي لفيروس لم يتدخل البشر في تكوينه، ولن نقف كثيرا عند تلك الآراء ولا مدى صحة ودقة أي منها، بقدر ما يعنينا التفكير في مآلات الأمور التي ستنتج عن تلك الجائحة، حتى لو بنينا على أن المرض ناتج عن ظروف تطور طبيعية للفيروس، فإن التعامل مع التبعات يحمل الكثير من التدبير البشري الذي ينبغي فهمه. فهل يمكن صناعة المستقبل من جائحة؟

في التاريخ البشري شواهد تاريخية مهمة عن تمكن البشر من تغيير مجتمعات وصناعتها من جديد، ففي خمسينيات القرن العشرين عرفت نظرية الصدمة على يد عالم النفس دونالد كاميرون، نظرية قامت على أساس محو الذاكرة المجتمعية التي تشكل ثقافة المجتمعات، بتعريض المجتمع لصدمة كبيرة تنسيه الماضي وما احتوى مخزونه المعرفي من معلومات وتجارب وقيم وثقافة، ليصبح فارغا ومستعدا لتقبل المعلومات والثقافة الجديدة المجهزة لتحل مكان السابقة، هذه النظرية طبقت على أفراد بتمويل من وكالة الاستخبارات الأمريكية في سجونها في العراق وغوانتانامو وغيرها، فضلا عن تطبيقها على شعوب في المجال الاقتصادي بهدف السماح للشركات الأمريكية العابرة للقارات بالتحكم في اقتصاد بعض الشعوب، كما حصل مع تشيلي حين دعمت الولايات المتحدة الأمريكية انقلابا فيها تبعه فوضى عارمة وارتفاعا في الأسعار…، ما أوصل الناس لحالة من اليأس، وعندها وضعت الحلول لإنقاذ البلد من هذا الوضع بتحويلها إلى اقتصاد السوق الحرة، فسادت الشركات الأمريكية العابرة للقارات ورضي الشعب بها بعد رفض، النظرية طبقت على عدد من الدول الأخرى ونجحت في تطويع الشعوب بإرادتها لإرادات القوى الكبرى، فتحولت الرأس مالية إلى مخلص للبلدان المأزومة بعد صناعة أزماتها، لتكون السيف في حقيقة الأمر وطوق النجاة في نظر الشعوب المخدوعة وحكوماتها، فغرقت في ديون خارجية لا تنفك عنها.

فكرة الصدمة وإن كانت نفسية إلا أنها مهمة في علم الاتصال، فالصور الذهنية التي تغرس لدى الإنسان تشكل مرجعه في التفكير، وتتحكم في مواقفه وتصنع سلوكه، وعملية التغيير الاتصالي في سلوك الجمهور تكون بتغيير الصور الذهنية المخزنة لدية أو بالتشكيك بها بتعريضه لصور ذهنية جديدة، لتكون نتيجة هذه العملية التأثير الاتصالي في تشكيل عقلية الجمهور، وبهذه الطريقة استطاعت حكومات كثيرة تغيير مجتمعاتها وتشكيل ثقافة مجتمعية جديدة، وبأساليب ناعمة لا عنف فيها ولا إجبار.

شكلت الأشهر الست الماضية من جائحة كورونا نقطة تحول مهمة ولافته بما حملته من تغييرات، فأنماط الحياة الجديدة التي فرضها كورونا على المجتمعات التي عزلت في بيوتها واتجهت للتكنولوجيا لتلبية وتسيير شؤون حياتها، حتى عاد التعليم إلكترونيا من خلال برامج وتطبيقات خاصة، والعمل من البيت ملاذ الكثير من المؤسسات والشركات، بل إن مراكز التسوق الإلكترونية بات حاضرها مزدهرا، حتى أنها لم تعد قادرة على تلبية طلبات زبائنها من كثرتها، وقس على ذلك.. فما الجديد الذي تحمله هذه التغيرات؟

في خضم هذه الأزمة انتشرت تطبيقات اتصالية كثيرة وجد فيها الناس ضالتهم في تسيير أمورهم وتيسير تعاملاتهم، فهنا تطبيق ZOOM ضالة الطالب الذي فرضت عليه جامعته أو مدرسته استخدامه لتلقي دروسه، أو شركته ومؤسسته للاجتماع عبره، وهناك تطبيق للتسوق وجد فيه ملاذا آمنا يقيه شر الاحتكاك مع بيئته وقاية من المرض، تطبيقات محلية ودولية كان منها تطبيق من غوغل وآبل لكشف حالات الإصابة بكورونا في العالم، تسارع ظهور هذه التطبيقات أكثر من ذي قبل، فبات يحرص كل صاحب مصلحة على امتلاكها لتكون أداته في خدمة زبائنه، من هذه التطبيقات العالمية المملوكة لشركات عملاقة، ومنها القطرية المملوكة لدولة ما، ومنها الفردية التي تعود لأفراد عاديين، لكن النتيجة المهمة هي زيادة المخزون المعلوماتي للمستخدمين والمسمى بالبيانات الضخمة Big Data، فصحيح أن التطبيقات كانت منتشرة سابقا وبصورة كبيرة وأن الحديث عن البيانات الضخمة ليس بالجديد، إلا أن هذه الأزمة زادت من استخدام الناس للتطبيقات الإلكترونية مع اتساع وقت الفراغ، فضلا أن كثيرا ممن لم يكونوا يستخدمونها باتوا إما مجربين عليها لغرض العمل أو الدراسة أو أكثر تقبلا لها لعموم استخدامها ومجاراة لمجتمعهم.

من يملك البيانات يملك قوة هائلة على التغيير، فالبيانات وتحليلها يقود إلى الفهم، ومن يفهم المجتمعات يمكنه معرفة كيفية التعامل معها وتغييرها وصناعتها، لذا نجد بعض الدول قد تنبهت لصدمة كورونا واتجهت للحد من انغماس شعوبها بالتطبيقات الدولية، مسارعة لتوفير تطبيقات خاصة بها لضمات الخصوصية، فالتطبيقات وإن كانت مجانية الاستخدام إلا أنها تشترط مقابلا لخدماتها، كالسماح لها بالولوج لكاميرا الهاتف أو الصور المخزنة والأرقام المسجلة والميكرفون… فلا شيء مجانا في عالم الرقمية، فكل شيء له مقابل.. فبيانات المستخدمين هي مراد أغلب أصحاب التطبيقات والبرامج، والبيانات تسهل على مالكها تحقيق أهدافه الاقتصادية والترويج للإعلانات التي تشكل مصدر دخل مادي سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالإضافة لإمكانية الاستفادة من هذه البيانات لأغراض سياسية، وبين السياسة والاقتصاد تكون الثقافة مدخلا للتغيير الناعم، فالعقلية الاقتصادية تتطلب ثقافة منسجمة معها تحقق بغيتها وتتماشى مع ما تريد. لكن كيف كانت صدمة كورونا؟

هرعت مختلف وسائل الإعلام في مختلف دول العالم لبث الأرقام ونشر التقارير الطبية والإجراءات الوقائية والتنفيذية لحكومات الدول التي أصابها الفايروس، فكانت حديث الإعلام الذي تصدر المشهد الإعلامي منذ ظهر الفيروس في الصين نهاية العام الماضي، ففرض الحجر الصحي في مختلف دول العالم، حتى إن بعض البيئات التي لم يظهر فيها المرض بات سكانها منعزلين في بيوتهم طواعية أو جبرا، كما أن أنماط حياة الشعوب الجديدة وتوقف الحياة الطبيعية الاعتيادية من التعليم والعمل والعبادة .. تشكل صدمة تحجب المجتمعات عن ماضيها مدة من الزمن، وتحرمهم من ممارسة حياتها الطبيعية، وتهيئهم لمرحلة جديدة فرضتها طبيعة الحياة في الواقع الجديد، ليكون لها انعكاسها لاحقا على أنماط حياتهم مستقبلا، وكما أسلفنا فمن يملك البيانات يملك قوة صناعة الأنماط الثقافية الجديدة التي يراد لها تسيد المشهد الحياتي للمجتمعات.

الفترة الزمنية التي مرت علينا في ظل كورونا تخللتها مناسبات اجتماعية ودينية ووطنية كثيرة، رمضان وموسم العمرة ويتوقع الحج أيضا، أعياد وأفراح وأتراح، فهل نشهد تغيرات على صعيد عاداتنا وتقاليدنا العربية؟ وهل تحمل السنوات القادمة تحولات في تعاطينا مع هذه المناسبات والشعائر والعادات؟

تأخذ الثقافة الجديدة بعد الصدمة أبعادا سواء إيجابية أو سلبية، وذلك عائد إلى تأثيراتها على معتقدات وقيم وتقاليد الشعوب، فقد تشكل الصدمة فرصة حقيقة للتغير الاجتماعي، فليس بالضرورة النظر إلى نصف الكأس الذي تملؤه القوى العابرة للقارات بمصالحها المادية عبر بوابة الثقافة العالمية الجديدة فحسب، إذ إن لكل مجتمع القدرة على تطوير ذاته واستبدال ما لديه من عادات وتقاليد غير حسنة وتعزيز الإيجابية، فعلى صعيد العادات الاجتماعية رأينا كيف حطت المادية من قيمة الإنسان وجعلته آخر ما في حساباتها، فيما تجلت قيم مجتمعات أخرى في حفظ هذه القيم وتعزيز التعاون والتآزر في ظل الأزمة، فضلا عن النظافة والاعتناء بالبيئة، وبالرغم من ذلك فمجتمعاتنا العربية فيها من العادات التي يمكن الاستفادة من صدمة كورونا في تغييرها أو التنبه لأهمية تعديلها.

الصدمة بكورونا سواء بقصد أو بغير قصد خلقت للمجتمعات نموذجا كان أول من تجرع المرض وأول وأسرع المتعافين منه، بل والأقل تضررا، فالصين شكلت النموذج الناجح الذي استطاع بطبيعة نظامه الأمني والسياسي وتركيبته السلطوية والرقمية حفظ المجتمع من تطور المرض وامتداده لمآلات أخطر، خلافا لما حدث في أوروبا وأمريكا ذات النظم الديمقراطية، فهل يمكن أن تشكل هذه المفارقة غرسا ثقافيا متباينا مع الديمقراطية ومتناغما مع الديكتاتورية؟

ماذا عن الطبقة الفقيرة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تسببها أزمة كورونا؟ وماذا عن الطبقة الوسطى؟ وإلى متى تصمد هذه الطبقات في ظل فقدان ملايين الوظائف وتوقف الأعمال؟ وماذا يمكن أن تتمخض عنه مآلات هذا الوضع الجديد؟

الإنسان الذي مكث في بيته مدة طويلة لم ير فيها ضوء الشمس، لا سيما شريحة الأطفال الذين بات جلهم يقضون أوقاتهم بين دفات الألواح الذكية والهواتف، كيف سيؤثر ذلك على مستقبلهم وعلاقتهم بهذه التقنيات؟ علما أن هذه العلاقة تضاعفت تحت وطأة شح البدائل أمام الأهل، فكيف سيخرج الطفل من عالم كورونا إلى العالم الحقيقي؟ وهل سيرجع لماضي عهده، أم ان العالم الجديد بثقافته الجديدة ستكون خياره الذي لا مجال للانفكاك عنه؟ وهل ستسير المؤسسات والجامعات والشركات ويجاريهم بها الأفراد في ذات المسار نحو تعزيز ثقافة العمل والدراسة بهذا النمط؟ صحيح أن الأمر جوبه بصعوبة في بدايته، إلا أنها مع مرور الوقت صارت تأخذ منحى إيجابيا في التعاطي معها، ومع امتداد المدة زمانيا تزيد القناعة بنجاعتها لتتحول إلى مواقف تقود لسلوك داعم لمضامين الثقافة الجديدة.