أخبار عاجلة
الرئيسية / بيئة نظيفة / تقرير: تصاعد الجدل حول مصنع الأسفلت في بيرزيت.. كيف ستكون النهاية؟

تقرير: تصاعد الجدل حول مصنع الأسفلت في بيرزيت.. كيف ستكون النهاية؟

رام الله/PNN-مركز معا- ناقش تقرير أخير لمجلة آفاق البيئة والتنمية/مركز معا حالة الجدل الشعبي التي ارتبطت بمنح ترخيص لإقامة مصنع للأسفلت في بلدة بيرزيت شمال رام الله والذي اثار احتجاج سكان البلدة والقرى المجاورة في جفنا وعين سينيا ودورا القرع. حيث طالبوا بوقفه ونقله إلى منطقة أخرى بعيدة عن السكان نظرا لمخاطره الصحية والبيئية كما يقول المحتجون.

وأشار التقرير الذي اعده الصحفي فراس الطويل، إلى أن المصنع حصل على التراخيص والموافقات اللازمة من كل جهات الاختصاص في بداية الأمر، إلا أن بعض الوزارات تراجعت عن موقفها وطالبت بوقف العمل. في حين أخلت البلدية ساحتها من الاتهامات الموجهة إليها بتسهيل عملية الحصول على التراخيص وأكدت أنها قامت بذلك بعد استيفاء كل الشروط وموافقة الوزارت ذات العلاقة. وبين موقفي الحراك والبلدية، يهدد أصحاب المصنع بالتوجه للقضاء ضد أي جهة تطالب بوقف العمل.

التطور الأبرز في القضية، هو تقرير أعده خبراء من جامعة بيرزيت لدارسة الأثر الصحي والبيئي للمصنع وخلص إلى أن هناك أضرارا صحية وبيئية جسيمة ستنجم عن بناء مصنع الأسفلت في المكان الذي يتم فيه البناء حاليا. فما هو موقف سلطة جودة البيئة؟ وكيف ستكون نهاية القضية؟

بدايات القصة

في تاريخ التاسع والعشرين من حزيران 2019، وافق مجلس بلدية بيرزيت على طلب ترخيص مصنع للأسفلت لشركة “هوت بليند”، شرط إحضار تصميم الشوارع المحيطة وموافقات الصحة والبيئة. كان المصنع قد حصل على توصية وزارة الصحة بالموافقة على ترخيص المصنع ضمن الشروط الصحية والبيئية قبل موافقة البلدية على الطلب بشهر ونصف الشهر، ثم حصل على موافقة سلطة جودة البيئة بعد ستة أشهر بالضبط من موافقة البلدية.

وورد في الكتاب الموقع باسم رئيس سلطة جودة البيئة عدالة الأتيرة أن “الموافقة لا تغني من الحصول على موافقات الجهات المختصة الأخرى، وهي مشروطة بعدم إحداث أضرار صحية أو بيئية جسيمة، وإذا تبين وجود أية مخالفات أو أضرار لشروط هذه الموافقة يحق لسلطة جودة البيئة إعادة النظر في الموافقة الممنوحة وفقا للمعطيات المستجدة وطبقا للقانون”.

وفي مطلع عام 2020 حصل المصنع على ترخيص إقامة منشأة صناعية من قبل وزارة الاقتصاد الوطني حملت إسم “شركة هوت بلند لصناعة الأسفلت والموارد الإنشائية”، ثم حصل على رخصة البناء من قبل بلدية بيرزيت في مطلع شهر آذار بعد دفع الرسوم البالغة 32902 دينارا أردنيا.

ما أن شرع مالكو المصنع بالبناء على الأرض الواقعة في المنطقة الشرقية من بيرزيت، حتى بدأت أصوات معارضة تطفو على السطح، نظرا لقرب المشروع من المناطق السكنية. وفي منتصف شهر أيار، تبلور حراك رافض لإقامة المصنع ومطالب بنقل المنطقة الصناعية في بيرزيت إلى مكان بعيد عن المناطق المأهولة. نظّم الحراك أولى فعالياته الرافضة أمام بلدية بيرزيت وسلم رسالة للبلدية يؤكد فيها على رفض المشروع بالمطلق نظرا لأنه “ملاصق لمنطقة سكنية وقريب من قرية سياحية (جفنا)، ولما فيه من أضرار صحية وبيئية واقتصادية واجتماعية”.

وتقول هالة كيلة في الخمسينيات من عمرها إنها ترفض إقامة المصنع نظرا للأضرار التي ستنجم عنه على الصحة العامة والبيئة، وأكدت أنها ستستمر في المشاركة في أي فعاليات رافضة حتى صدور قرار بسحب ترخيص المصنع. وجاءت كيلة برفقة العشرات من بيرزيت وقرى جفنا ودورا القرع وعين سينيا حاملين لافتات كتبت عليها شعارات رافضة للمصنع.

حينها خرج رئيس بلدية بيرزيت إبراهيم السعد للمحتجين وقال إن البلدية ستعمل ما بوسعها ضمن الإطار القانوني، وأعلن عن اتفاق لتشكيل لجنة مؤلفة من خبراء في جامعة بيرزيت والجهات ذات الاختصاص لدراسة الأثر الصحي والبيئي للمصنع، وبعدها ترفع التوصيات إلى وزارة الحكم المحلي للبت في القضية. لكن اللجنة تألفت من خبراء في الجامعة فقط وأصدرت تقريرها في أواخر شهر أيار.

تقرير جامعة بيرزيت: أضرارٌ صحية وبيئية جسيمة ستنجم عن بناء مصنع الأسفلت

أصدرت لجنة جامعة بيرزيت تقريرها بعد تسعة أيام من تنظيم الحراك أمام البلدية، وجاء فيه: “تكونت لدى اللجنة مجموعة من الأدلة العلمية والموضوعية تدلل على جسامة الأضرار الصحية والبيئية التي ستنجم عن بناء مصنع الأسفلت في المكان الذي يتم فيه البناء حاليا بجميع أصولها من مناولة ونقل وإنتاج وتخزين والتخلص من آثارها السلبية المحتملة في الحيز البيئي المقترح للمشروع في بلدة بيرزيت”.

واعتبر التقرير أن “مصانع الأسفلت من الصناعات الثقيلة، ولا يجب انشاؤها في مناطق مخصصة للصناعات الخفيفة كما هو الحال في المنطقة الصناعية في بيرزيت التي تصنف للصناعات الخفيفة والحرفية. وبالتالي، بغض النظر عن التصنيف الحالي لاستخدام المنطقة، فإن إنشاء مصنع الاسفلت في بيرزيت في هذه المنطقة يشكل خطورة على الصحة والبيئة”.

وبالاستناد الى التعليمات الدولية أوضح التقرير وجوب “توفر مسافة لمنطقة آمنة بين موقع المصنع والمناطق المأهولة بالسكان، وتختلف هذه المسافة حسب نوع الصناعة والمواد الكيميائية الناتجة عنها وسرعة ومدى انتشار انبعاثات الهواء الملوثة في الجو، حيث تتراوح ما بين 3-3.5 كم هوائي”.

وحذر التقرير من أن “مصنع الاسفلت يبعد 150 مترا عن أقرب منزل يعيش فيه الناس في بيرزيت وجفنا، كما أنه يقع على بعد حوالي 1.5 كيلومتر من بلدية بيرزيت وحوالي 2.5 كيلومتر من حرم جامعة بيرزيت. إضافة إلى زيادة انبعاثات ملوثات الهواء وتراكمها في المنطقة بوجود المصنع وقربه لمصانع موجودة كمسلخ بلادي للدواجن، ومصنع للرخام والطوب والاسمنت الجاهز في ابعاد لا تزيد عن 150 مترا”.
تساؤلات عن دراسة تقييم الأثر البيئي.

انتقد تقرير جامعة بيرزيت دراسة تقييم الاثر البيئي المقدمة من قبل صاحب المصنع واعتبر أنها “لم تقم بشرح وتغطية الجوانب المختلفة للآثار الصحية والبيئية لهذه المنشأة الصناعية الثقيلة؛ المنوي انشاؤها في منطقة قريبة ومحاذية لمناطق مأهولة بالسكان”.

بالإضافة إلى عدم مناقشة الدراسة للتأثيرات البيئية للتخفيف من أنواع الأخطار الأخرى وهي: التلوث المروري، والضوضاء من عمل الآلات ونقل المواد. ناهيك عن أن خطة الإدارة البيئية لمقترح المشروع منقوصة ويعتريها عيوب جدية للمقترحات والتدابير لتخفيف الاثار البيئية والصحية المحتملة عن إقامة وتشغيل المصنع في الموقع المقترح في بيرزيت وفق معدي التقرير، الذين اعتبروا أنه لن يكون لبناء الجدار بارتفاع مترين أو زراعة بعض الأشجار أثر كاف لتخفيف الآثار البيئية والصحية السلبية لتشغيل هذا المصنع.

وشملت الانتقادات لدراسة الأثر البيئي عدم مراعاة الآثار الاقتصادية والمجتمعية والزراعية والسياحية الناجمة عن إقامة المصنع.

مواقف متناقضة

مع تصاعد الحراك الشعبي، وتداول وسائل الاعلام لقضية الاحتجاجات، برزت مواقف متناقضة في القضية، فوزارة الصحة مثلا، كانت قد أعطت موافقة على ترخيص المصنع في بادئ الأمر، إلا أنها تراجعت بعد أربعة أيام من تنظيم الحراك الشعبي وقفته الأولى. وجاء في الكتاب الموقع باسم د. وائل الشيخ مدير مديرية صحة رام الله ” يرجى وقف العمل في المنشآت الصناعية قيد الإنشاء والجديدة، لحين تشكيل لجنة وطنية ممثلة لكافة الجهات الرسمية ذات العلاقة لدراسة واقع المنطقة الصناعية الحالية واحتياجاتها التأهيلية، ووضع لوائح خاصة لتلك المنطقة وتحديد ما هو مسموح وغير مسموح إقامته فيها بعد أخذ كافة العناصر الصحية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية والزراعية والسكانية، كون المنطقة الصناعية غير مؤهلة حاليا وبحاجة لبنية تحتية وتنظيم للصناعات الموجودة فيها”.

موقف مشابه صدر عن وزارة السياحة والاثار التي كانت عضوا في اللجنة القانونية لمراجعة دراسة تقييم الأثر البيئي. وورد في كتاب الوزارة أنها بصدد إعادة دراسة المنطقة الصناعية الحرفية لأسباب تتعلق بالمشهد الثقافي، وإمكانية تأثيرها على الحالة السياحية في المنطقة.

ماذا بعد تقرير جامعة بيرزيت؟

اعتبر الحراك الشعبي أن تقرير جامعة بيرزيت أكد على مخاوف السكان في المنطقة من الآثار الصحية والبيئية الناتجة عن المصنع. وشدد “إميل عبدو” منسق الحراك على أن الخطوات الاحتجاجية ستبقى مستمرة لحين سحب التراخيص. مضيفا “نخطط للنزول إلى الشارع بشكل سلمي مرة أخرى لرفع صوتنا، وإذا لم تتم الاستجابة لمطالبنا سنتوجه إلى القضاء لاستصدار قرار بوقف عمل المصنع، ونحن الآن بصدد دراسة الخيارات القانونية”.

من ناحيته، أكد رئيس بلدية بيرزيت إبراهيم السعد أنه أرسل تقرير الجامعة إلى وزارة الحكم المحلي وسلطة جودة البيئة للبت فيه. مشيرا إلى أن إلغاء أي رخصة لا يتم إلا بقرار قضائي أو بوجود خلل في إجراءات الترخيص. وأضاف: “سلطة جودة البيئة يجب أن ترد وتوضح أن دراسة الأثر البيئي التي وافقت عليها كانت صحيحة وخالية من العيوب، أو أن تقول بأن هناك قصورا معينا وبالتالي الإعلان عن تصويب الوضع”. لكن المشكلة الأكبر بنظر السعد هي التبعات المالية التي ستترتب في حال إلغاء الترخيص ووقف عمل المصنع.

بدورها، اعتبرت سلطة جودة البيئة أن تقرير جامعة بيرزيت يفتقر للأسس العلمية ولا يعتبر سببا كافيا للتراجع عن الموافقة. وبين المستشار القانوني للسلطة مراد المدني أنه “في اللحظة التي تتولد لدى سلطة البيئة قناعة بأن هذا النشاط يؤثر على البيئة، فلن تترد في وقفه بموجب الصلاحيات القانونية التي منحها إياها القانون”.

وأوضح المدني أن دراسة تقييم الأثر البيئي للمصنع مرّت على لجنة قانونية مختصة مؤلفة من 10 مؤسسات ووزارات، وأخذت قرارها ضمن شروط مقيدة صارمة، كأن يكون التصنيع مغلقا وآليا، ويضمن عدم وجود انبعاثات ويلزم بوجود نظام لمعالجة النفايات الصلبة وشروط أخرى تضمن سلامة الصحة والبيئة.

ما لدى سلطة جودة البيئة حتى اللحظة لا يشكل حجة أو مبررا للتراجع عن الموافقة، قال المدني. وأضاف: “نحن منفتحين على أي ملاحظة أو رأي علمي متين، وإذا تبين أن هناك مشكلة ما على الصحة والبيئة؛ فلن نتردد في إلغاء الموافقة لحين تصحيح المخالفات الموجودة”.

وكشف المستشار القانوني في سلطة جودة البيئة عن أن دراسة تقييم الأثر البيئي لمصنع هوت بليد عرضت على السكان من خلال جلسات استماع سبقت عرض الدراسة على اللجنة القانونية المختصة.

أما مالكو المصنع فيرفضون الدعوات لوقف العمل، ويؤكدون أنهم حصلوا على التراخيص اللازمة من الجهات ذات العلاقة حسب الأصول. واتهم إياد النبالي أحد الشركاء في المنشأة أيادٍ خفية بتحريك القضية، قاصدا بذلك منافسين سيتضررون من إقامة مصنع جديد.

ووجه النبالي انتقادا لتقرير جامعة بيرزيت واعتبر أن ما ورد فيه غير دقيق، حيث أن المصنع لا يقوم بإنتاج المادة الأساسية المكونة للأسفلت وإنما يستوردها من إسرائيل ويقوم بخلطها وتجهيزها في مصنع بيرزيت فقط. وتابع: “دراسة الأثر البيئي التي قمنا بها استغرقت ثمانية أشهر، وقمنا بالتعديل عليها عشر مرات بناء على طلب سلطة جودة البيئة، أما تقرير بيرزيت فصدر خلال أقل من أسبوع”.

وأبدى النبالي وهو شريك من ضمن ثلاثة أشخاص في “هوت بلند”، الاستعداد لإجراء أي تعديلات أو اشتراطات، أما وقف العمل نهائيا فهو مرفوض بالنسبة له. وهدد باللجوء إلى القضاء ضد أي جهة منحته الترخيص ثم قامت بسحبه تحت ضغط من الحراك.

معضلة مصنع الأسفلت، والجدل الدائر حولها، تعيد للأذهان تحقيقا نشرته مجلة آفاق البيئة والتنمية في عام 2017 (دراسات تقييم الأثر البيئي في فلسطين…هل أضحت جسر عبور المستثمر على حساب البيئة؟) وكشف ثغرة في قانون تقييم الأثر البيئي الفلسطيني من شأنها تغييب وجود مواصفات محددة لشركات تقييم الأثر البيئي، الأمر الذي يؤدي لدخول شركات غير متخصصة في هذا المجال تقدم دراسات غير مكتملة تقود لمشاريع ضارة بالبيئة. لذلك؛ لا بد من معالجة الثغرة المذكورة لعدم تكرار سيناريو بيرزيت وتنفيذ مشاريع تلحق الضرر بجميع الأطراف.