الرئيسية / أفكار / قراءة قانونية متعلقة بندب القضاة على ضوء التشريعات الفلسطينية

قراءة قانونية متعلقة بندب القضاة على ضوء التشريعات الفلسطينية

بقلم/ د. عصام ملحم

محامي وأستاذ القانون الخاص بجامعة الخليل

تضمن القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م بشأن تشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي وفي المادة (2) منه ما يلي:-“يشكل مجلس قضاء أعلى انتقالي من سبعة أعضاء، ويناط بهم إصلاح وتطوير السلطة القضائية والنيابة العامة على نحو يكفل سيادة القانون…،وله في سبيل ذلك:… 3- التنسيب لرئيس الدولة بعزل أي قاض وفقاً لأحكام قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م وتعديلاته، أو إحالته للتقاعد المبكر أو ندبه لوظيفة أخرى وفقا للقانون،إذا وجد مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بأن في استمرار اشغاله للوظيفية القضائية ما يمس بهيبة القضاء ومكانته وثقة الجمهور به.. “.

في حين وعلى العكس بما تضمنته أحكام المادة (2) من القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019 المذكورة أعلاه فقد جاء في قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م وتحديداً ما جاء في أحكام المادة (22) منه ما يلي: ” لا يجوز نقل القضاة أو ندبهم أو إعارتهم إلا في الأحوال والكيفية المبينة في القانون”، وجاءت المادة (23) من ذات القانون المذكور لتكمل القاعدة القانونية الآمرة الوارد ذكرها في المادة (22) من ذات القانون والتي جاء فيها ما يلي :- “1- لا يجوز نقل القضاة أو ندبهم لغير الجلوس إلا برضاهم،2-يكون نقل القضاة أو ندبهم بقرار من مجلس القضاء الأعلى،ويعتبر تاريخ النقل أو الندب من تاريخ التبليغ بالقرار 3-استثناء مما ورد في الفقرتين أعلاه يجوز ندب القاضي مؤقتا للقيام بأعمال قضائية غير عمله أو بالإضافة إليه أو للقيام بأعمال قانونية متى اقتضت ذلك مصلحة وطنية بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى”.

وعليه وبناء على ما ورد أعلاه، وبعد التدقيق القانوني بالنصوص الواردة أعلاه، وبعد الوقوف على المعنى القانوني المراد من القواعد القانونية المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م، يتبين لنا وبما لا يدع مجالاً للشك أو التأويل من أن نقل القضاة أو ندبهم أو إعارتهم لا يمكن أن يكون إلا وفق الأحوال المبينة في قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م على اعتبار أن هذا القانون وتعديلاته الخاص بتنظيم كل ما هو متعلق بالوظيفية القضائية، سواء المتعلق منها بطريقة تعيين القاضي أو بندبه أو بإعارته بالوظيفة القضائية سواء المتعلق منها بطريقة تعيين القاضي أو بندبه أو بإعارته أو حتى بغيرها من المواضيع الأخرى المرتبطة بهذا الخصوص، وبالتالي فإن ما ورد في المادة (23) من قانون السلطة القضائية من مقتضيات قانونية تعتبر قواعد تشريعية تمتاز بالسيادة والسمو عن غيرها لصدورها عن السلطة التشريعية المختصة. وهذا يعني بالضرورة أن أي تعديل على مضمونها لا بد وأن يكون وفقا للشكلية القانونية المقررة بالقانون الأساسي المعدل لسنة 2005.

وبالتناوب، وبالوقوف على القرار بقانون رقم (2) لسنة 2006م بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م، وعلى الرغم من تحفظنا الشديد على مدى صحة صحة إجراء أي تعديل على أي قاعدة تشريعية عادية من خلال اللجوء قصرا إلى استخدام الأدوات القانونية الاستثنائية المقيد نطاق تطبيقها بموجب القانون- إلا أننا نجد وفي هذا الصدد أن القرار بقانون رقم (2) لسنة 2006 بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م- لم يلغ المشرع من خلاله ولم يعدل أي من الأحكام الواردة بموجب المادتين (22) و (23) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2001م، وبالتالي فإن كل المحددات والقواعد والأبجديات القانونية الواردة فيهما سواء تلك المتعلقة بنقل القضاة أو بندبهم أو حتى بإعارتهم تبقى هي النافذة والملزمة بهذا الخصوص، في حين أنه وعلى عكس ما ذكر، وبالرجوع إلى مضمون القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م بشأن تشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي- فإنه يتبين لنا وللقارئ ولكل مشتغل في القانون أن هذا القرار بقانون الذي جاء إبتداءً بناءً على توصيات اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة قد تضمن وفي المادة (2) منه تحديدا عبارة بالغة الخطورة ان لم تكن داكنة السواد تتمثل هذه العبارة بعبارة:-“…. إذا وجد مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بأن في استمرار إشغالة للوظيفية القضائية ما يمس بهيبة القضاء ومكانته وثقة الجمهور به”، هذا بالإضافة إلى أن ذكر هذا العبارة وحدها تعتبر خروج واضح عن المألوف وعن كل الموجبات والقيود القانونية المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م فيما يتعلق بالفصل الخاص منه المتعلقة “بتنظيم مساءلة القضاة تأديباً”، والآليات المتبعة بهذا الخصوص وكيفية إقامة الدعوى التأديبية وضمان حقوق القاضي الخصم في دعوى المساءلة التأديبية بالدفاع عن نفسه أو تقديم ما لديه من بينات وفقاً لما هو منصوص عليه بالقانون.

وحيث إن ما ورد في المادة (2) من القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م، وتحديدا العبارة التي عبر عنها المشرع بقوله “بأن في استمرار إشغاله للوظيفية القضائية ما يمس بهيبة القضاء ومكانته وثقة الجمهور به، إنما هي عبارة فضفاضة مشوبة بعيب مخالفة القانون والتعسف وبعيب عدم الدستورية طالما وأن ذكرها على الشكل الوارد فيه لم يراعي ضوابط ومحددات إعمالها وتطبيقها وبما لا يخالف أحكام القانون الأساسي وأحكام قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002 المتضمنة هذه الأخيرة العديد من الضوابط الآمرة، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن القضاء الدستوري المقارن قد استقر ومنذ زمن على أن ” فضفاضية” النص القانوني وخاصة في نطاق القواعد الآمرة يجعله بالضرورة مشوب بعيب عدم الدستورية، وذلك لأن من شأنه أن يجعل القاعدة القانونية لا تتمتع بجزم المراكز القانونية المرتبطة بذات النص.

وعليه،وبالعودة إلى المفهوم القانوني للدعوى التأديبية أو حتى للتنظيم القانوني المنظم لآلية التظلم أو الطعن بالقرارات الصادرة عن دائرة التفتيش القضائي بحق أي من السادة القضاة، فإننا نجد أنه من الجميل بمكان أن نرى وجود تطبيق أي سياسة غايتها الإصلاح في كافة الميادين، إلا أنه ومن غير المتصور قانوناً ولتبرير ذلك أن يتم إجراء تعديلات على قوانين هامة من حيث نطاق التطبيق، في محاولة بائسة لإلغاء أدوات أو آليات قانونية راسخة بموجب القانون الأساسي المعدل الذي ضمن المشرع من خلاله المكانة الوظيفية لكل من يشغل منصب قضائي تحت حجة “المساس بهيبة القضاء ومكانته وثقة الجمهور به”.

ومن جهة ثانية فإن من شأن إجراء تلك التعديلات الواردة الدخيلة على القانون- ومنح صلاحيات واسعة للجهات الإدارية المسؤولة عن هذا القطاع- تجريد القاضي الطبيعي من مكانته فإننا نكاد نجزم بأن هذه التعديلات ستعود بآثار سلبية على الصعيد العملي لأن الأمن الوظيفي الذي يسعى إليه الموظف ويبتغيه قد أصبح سلاحا يستخدمه البعض لمحاربة من يشاء، هذا بالإضافة إلى أن استقرار الموظف مادياً ومعنوياً له أثر كبير سينعكس حتماً بالإيجاب ليس على أداء الموظف لعمله فقط بل سيشمل ذلك مرافق الدولة كافة بما فيها مرفق القضاء.

وتبقى الإشارة واجبة إلى أن الأخذ بتوصيات اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة وحدها ومع الاحترام لشخوص أعضائها لتبرير إصدار القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م، إنما يشكل خروج عن مبررات الحاجة الوطنية لإعادة هيكلة جهاز السلطة القضائية بهدف إصلاح ما يعتريه من شوائب،ومع تحفظنا على عبارة شوائب، وفي هذا الصدد نرى بأن روح الأحكام والقواعد الواردة في القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م قد خرجت تماماً عن الغاية التشريعية التي وضعت من خلال أحكام الفقرة (3) من المادة (2) من القرار بقانون خصوصا وأنها لم تضف أي تعديل على تلك الإجراءات أو القواعد التي سبق وأن تم النص بموجب أحكام المادة (23) من قانون السلطة القضائية، ولا حتى على أحكام المادة (22) من ذات القانون وتعديلاته، إذ لم يرد في نصوص القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م أي مادة قد يشار فيها إلى إلغاء أي من تلك المواد المذكورة الآمرة.

وأخيراً، وبعد استعراض الفقرة (3) من المادة (2) من القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م، فإننا نجد بأنها قد تضمنت أيضا عبارة لا تقل خطورة عن سابقتها إذ تضمنت:- “…إذا وجد مجلس القضاء الأعلى الانتقالي..”، وهذا بدوره سيفتح الباب واسعاً أمام الجمهور لطرح تساؤل مشروع عن صفة القاضي الذي اختاره مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لندبه لدى مؤسسات الدولة، كما وسيدفع ذلك العديد من المتقاضين والأساتذة المحامين الذين كان لديهم دعاوى منظورة أمام أي من القضاة الذين طبقت عليهم أحكام الفقرة المادة (2) من القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019م إلى التساؤل فيما إذا كان أي من الدعاوى التي كانت تخصهم أو تخص موكليهم قد تم فيها أي من الإجراءات التي مست بهيبة القضاء ومكانته وثقة الجمهور به، وبالتالي سيكون من حقهم الاطلاع على تلك المبررات التي دعت مجلس القضاء الانتقالي إلى تطبيق أحكام الفقرة (3) من المادة (2) المشار إليها ليتبين لهم فيما إذا كانت أركان المسؤولية التقصيرية قد توافرت أم لا، ومن ثم توافر مسؤولية السلطة القضائية عن تلك الأعمال على أساس قاعدة “مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع”، لكي يتبين لهم أيضا فيما إذا كان أي منهم قد ارتكب خطأ قضائي يعطي الحق لمن تضرر منه باللجوء للقضاء للمطالبة بالتعويض من مجلس القضاء الأعلى لتعويض الضرر الذي تحقق بحقه استناداً لأحكام المادة (30) فقرة (3) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل. ليبقى هذا التساؤل معلقا برسم الإجابة حتى يتبين الدخان الأبيض من الأسود…