الرئيسية / أفكار / لا زال نخيل الأغوار يرتوي ويتنفس بقلم شذا محمد العزة

لا زال نخيل الأغوار يرتوي ويتنفس بقلم شذا محمد العزة

ذًبُلَ زهر الرمان في الأغوار وأصبح هواء الصيفِ المثقلِ بسنين الحنظلِ عاجز عن تلقيح حبوب لقاحه؛ لِيُصَبِّح على بيت لحم ونابلس والجولان. تشتد معركة الصراع المائي مع كلِ صيفٍ لكن بداياتها كانت منذ تأسيس شركة مياهٍ اسرائيلية تُدعى بميكوروت عام 1937، ومنذُ أن أعلنت الحركة الصهيونية بأن مستقبل فلسطين هو بين يدي الدولة “اسرائيل” التي تستطيع بسط سيطرتها على نهري اليرموك والليطاني ومنابع الأردن، واعتبار جبل الشيخ الأب الروحي للمياه في فلسطين. وعليها اندفعت دولة الاحتلال إلى تهيئة الأراضي والمستعمرات لاستقبال الملايين وبناء وطن قومي لليهود موزعين على مصادر ومنابع وأحواض فلسطين المائية، مُغلقين صنابير المياه وامداداتها عن الفلسطينيين. فبحسب الأمران العسكريان رقم (92) و(158) الصادران عن دولة الاحتلال في العام 1967. ان الجيش الاسرائيلي له الحق في السيطرة على جميع المسائل المرتبطة بالمياه، كما جاءت اتفاقية أوسلو لتخصيص 80% من المياه الجوفية لصالح “اسرائيل”. لقد أفضت هذه السياسة التمييزية من الوصول إلى الخزان الجوفي إلى نقص المياه المزودة للفلسطينيين وقد بلغت هذه المُعضلة مستويات أنذرت بوقوع أزمة خانقة بين التجمعات الفلسطينية.

ففي حدود سيادة أراضينا تعتري سطوح منازلنا خزانات مياه حديدية اجتاحها الصدأ وأخرى سوداء، تملؤُها مياه وأحياناً أبوذنيبة وبكتيريا مَعوية، وبعد معركةٍ بين السكان ودائرة المياه وانتظار أسبوعين فأكثر يَسْهُد الأهالي لسماع صوت أول ماتورَ مياهٍ ليوقنوا بأنها تتدفق في شبكات المياه المهترئة، فعلى كلِ فردٍ تقسيم احتياجاته منها بأن لا تتجاوز 70لتراً في اليوم وفي المعظم أقل من ذلك بكثير، فقد تصل إلى 50 أو حتى 20لتراً في اليوم بحسب تقارير البنك الدولي، وهي كمية غير كافية لضمان بقاء الإنسان تبعاً لمعايير منظمة الصحة العالمية. وهنا تتراتب الأولويات ليموت حوض النعناع في “الحاكورة” وليُصبح الإغتسال معدوداً إلى حين عودتها، لا زوّارَ في الصيف، وأعشاش العصافير تلتف عليها أغاريد ميته، آبار المياه الجوفية موحشة كالقبور يُمنع تنقيبها، صوت عويل من أمواج البحر حُرِمَ ابناءه من زيارته، لا يبقى سوى الصّبار يحتضر منذ النكبة، كل شيءٍ يتشظى بفعل المياه.

فلا رحمة لشظايا الجلاد حين تنصَب على ما تبقى من البلاد، لتحرق سلتها الغذائية “الأغوار” وتبخر مياهها السطحية والجوفية وتقضم مواردها الطبيعية. فعلى امتداد الأراضي من جبال شرق الخليل (شمال البحر الميت) إلى حدود بيسان شمالاً والتي تشكل 30% من مساحة الضفة الغربية أي ما يعادل 720 ألف دونم، يقطن فيها 65 ألف فلسطيني في 34 تجمعاً، تقع الآن تحت رحمة نيران الاحتلال وتهديداتهم بضمها وحرمان الفلسطينيين منها.

إن ضم الأغوار يعني حرمان الفلسطينيين من مصادر المياه ووفرتها، وفقدانهم لما يقرب 44% من أراضي الحوض المائي الشرقي وهو الأكبر في فلسطين، وخسارة 560 – 600 مليون متر مكعب من المياه، كما وستصل تبعات الضم لحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى البحر الميت وبالتالي فقدانهم الحق في الانتفاع من ثرواته الطبيعية المتمثلة بالمعادن كالبوتاس والبروم والمغنيسيوم وغيرها، والتي تتقاسمها “اسرائيل” والأردن وتصل ايرادات هذه المعادن إلى حوالي 4.2 مليار دولار سنوياً. كما وسيتم الحرمان من الينابيع المحاذية للبحر والمقدرة بنحو 70-90 مليون متر مكعب. اضافة إلى حصة فلسطين في نهر الأردن، فستصبح 270 مليون متر مكعب لصالح “اسرائيل” وخاصة بعد تحويلهم مجرى النهر عن مساره إلى النقب لاستصلاح الأراضي وبناء المستعمرات. إن سلب المياه في الأغوار يعني الانعكاس السلبي والمباشر على الانتاج الزراعي والزراعة المروية؛ كون الأغوار السلة الغذائية لكل المحافظات الفلسطينية ولانتاجها أكثرمن 50 بالمئة من خضراواتها وتمورها. وبالتالي فان عملية تأمين الأمن الغذائي ستتلاشى وستصبح الأغوار حديقة خلفية لمستعمرات العدو لا تكفي لإطعام السكان الأصلانيين؛ وبالتالي هي سياسة تجويع واعطاش لترحيلهم وعزلهم في “غيتوهات” لإعدامهم ضمن مساعٍ وشروط صهيونية.

إن سَعف النخيل في الأغوار يتعطش للحرية ويقاوم ليعلِّم الأعداء درساً في الزراعة والاقتصاد، رغم التقويض على قوميته وحقوقه المائية، ورغم تمزيق أراضيه لتجثم جيوباً متقطعة معزولة جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، ورغم انعدام تحقيق تنمية مستدامة في أراضيه. إلا أنه يتنفس بمزارعيه وأحواضه الجوفية التي تترسب في تكويناتها الجيولوجية لتهدي سلامها في الطرف الاخر من البلاد وتلعن سياسة الضم الاسرائيلية، معلنة ثورة فلسطينية.