الرئيسية / أفكار / لاستراتيجية الصهيونية للاحتلال في الضفة الغربية وآليات مواجهتها بقلم د. سنية الحسيني كاتبة وأكاديمية فلسطينية

لاستراتيجية الصهيونية للاحتلال في الضفة الغربية وآليات مواجهتها بقلم د. سنية الحسيني كاتبة وأكاديمية فلسطينية

لم تعد استراتيجيات الاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية خفية على أحد، فالسيطرة على كامل أرض فلسطين بما فيها أراضي الضفة الغربية هي هدفها النهائي. ولا تخرج تصريحات قيادات دولة الاحتلال حول الضم عن كونها مرحلة من مراحل تلك السيطرة. وقد وفرت دولة الاحتلال في الضفة الغربية الظروف المناسبة التي سمحت لها بالمضي قدما لتنفيذ سياستها، ونجحت في تحقيق تقدم مشهود. الا أن وصولها إلى المرحلة التالية من مراحل تنفيذ ذلك المخطط بات يشكل خطورة على الوجود الفلسطيني برمته، وباتت هناك حاجة فلسطينية ملحة لمواجهة وردع سياسات دولة الاحتلال.

أعلنت الحركة الصهيونية منذ اليوم الأول لتأسيسها عن هدفها المتمثل بالسيطرة على كامل أرض فلسطين، والتي حددتها الحركة “من البحر إلى النهر”. ولا زالت دولة الاحتلال تضع ذلك الحلم أساسا لمخططاتها في فلسطين، وترفض ترسيم حدودها وتركت دولتها ضمن حدود مفتوحة. ووضعت الحركة آليات لتحقيق ذلك الهدف بتكثيف السيطرة على الأرض لبناء مستعمراتها، وتكثيف الهجرة الصهيونية لاحلال المهاجرين اليهود مكان السكان الفلسطينيين الأصليين، الذين طردهم من ديارهم. وأعاد الكيان الصهيوني استخدام نفس استراتيجية الحركة الصهيونية، لاحكام سيطرته على الضفة الغربية بعد احتلالها عام ١٩٦٧، ومهد السبل في سبيل تحقيق ذلك.

بعد احتلال الكيان الصهيوني لأراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، بدأ بتطبيق سياسته بمصادرة الأراضي وبناء المستعمرات ونقل المستعمرين اليهود اليها. وبعد أن كانت الضفة الغربية خالية تماما من المستعمرين اليهود عام ١٩٦٧ بات يسكن مستعمراتها قرابة المائة ألف يهودي في النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن الماضي. وفي عام ١٩٩٣، ورغم توقيع دولة الاحتلال على إتفاق أوسلو، الا أنها استمرت على نهجها وتحقيق غايتها في الضفة الغربية، واستكملت مخططاتها لاحكام سيطرتها على تلك الأراضي.

فتخطى عدد المستعمرين في الضفة الغربية ٣٦٥ ألف يهودي عام ٢٠٠٠، وبات عددهم ٦٦٥ ألف يهودي عام ٢٠٢٠، ولا تخفي دولة الاحتلال نيتها لرفع عددهم ليصل إلى مليون مستعمر قريباً. وطرح (ايهود باراك) رئيس وزراء دولة الاحتلال عام ١٩٩٩ في مفاوضاته مع الفلسطينيين ضم ٩٪؜ من أراضي الضفة الغربية في اطار عملية تبادل للأراضي، بينما جرى الحديث عن ضم حوالي ٦٪؜ منها في عهد (أيهود أولمرت) رئيس وزراء إسرائيل عام ٢٠٠٨، وبات الحديث اليوم يدور حول ضم ٣٠٪؜ من تلك الأراضي. فضم أراضي من الضفة الغربية قضية جوهرية بالنسبة لإسرائيل، بغض النظر عن الحزب الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء.

وسعى الكيان الصهيوني لنزع سلاح الضفة الغربية، وشل حركة الفلسطينيين الامنية بشكل كامل، وردع بعنف أي حراك مقاوم. فرسخ القتل أداة لعقاب الفعل المقاوم في الذهنية الفلسطينية، وباتت المقاومة تعني الشهادة. فلم يكتف الاحتلال باللجوء لاستخدام سياسة الاغتيالات، ضد قيادات العمل الوطني والعسكري، بل وجه نيران حقده لقتل أطفال تترواح أعمارهم ما بين ١٢-١٦ عام. ومن منا يمكنه أن ينسى المشهد المتكرر في فلسطين لاطفال تركوا ينزفون حتى الموات أمام أعين وكاميرات العالم.

وروج الاحتلال لضرورة نزع سلاح الدولة الفلسطينية الوليدة، في حال قيامها، رغم أن سيطرة الدولة أمنيًا على أراضيها وحدودها يعد مظهراً أساسياً من مظاهر السيادة. وكان (ايهود باراك) قد اقترح في مفاوضاته مع الفلسطينيين نشر لقوات الاحتلال على طول الحدود الشرقية مع الأردن، بالإضافة إلى زرع مواقع أمنية إسرائيلية في انحاء متفرقة من أراضي الدولة الفلسطينية المحتملة. كما اقتراح (أيهود أولمرت) رئيس وزراء إسرائيل عام ٢٠٠٨ استئجار منطقة غور الأردن لمائة عام، مع بقاء مواقع أمنية عسكرية منتشرة في أنحاء الضفة. ودعت خطة ترامب، التي وضعها الخبراء الإسرائييليين، الى سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة على مجمل أراضي الضفة الغربية.

إن انتزاع الأرض من الفلسطينيين واستعمارها، واحكام السيطرة الأمنية عليها، ونزع أي مظهر للقوة الفلسطينية، لا يحقق وحده الهدف الصهيوني النهائي. فالحركة الصهيونية لم تخف رغبتها في الاستيلاء على الأرض دون السكان، فهجرت أكثر من ٧٥٠ الف فلسطيني لتتمكن من بناء دولتها عام ١٩٤٨. فتهجير السكان الفلسطينيين، يعد خطوة مهمة تالية لتحقيق المخطط الصهيوني.

وهناك العديد من الشواهد التي تؤكد أن اخلاء الأرض من سكانها هو الضلع الثالث في مخطط الاحتلال لضم الضفة الغربية، ضمن تكتيكاتها المتدرجة. فإسرائيل فرضت قانون ضد السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية، يحكم بسحب هوياتهم ويمنعهم من الإقامة في بلادهم، إن تغيبوا عن القدس لمدة محددة. وضيقت دولة الاحتلال على سكان قطاع غزة الحياة في ظل حصار خانق، وحروب دموية مدوية، دفعت الاف الفلسطينيين للرحيل عن موطنهم، بحثا عن مظاهر العيش الكريم.

وترعى دولة الاحتلال جماعات يهودية مسلحة إرهابية، تنتشر في جميع أنحاء الضفة الغربية، وتعيش في مستعمراتها، وتشن غارات مبرمجة على الفلسطينيين العزل، في اطار مخطط خطير. ودعت خطة ترامب، والتي استعانت بفكرة طرحها (افيجدور ليبرمان) وزير الدفاع والخارجية السابق، لطرد ٣٠٠ ألف فلسطيني يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨، خارج حدود إسرائيل، في إطار عملية إعادة رسم الحدود المستقبلية مع الفلسطينيين.

تأتي تلك السياسات الإسرائيلية في ظل وجود توجه شعبي يهودي إسرائيلي داعم لفكرة الترانسفير أو تهجير الفلسطينيين. فما بين ثلث ونصف اليهود الإسرائيليين يؤمنون بضرورة رحيل الفلسطينيين الاسرائيليين عن إسرائيل. وفي استطلاع أجراه العام الماضي المركز الديمقراطي الإسرائيلي، اكد غالبية المشاركين اليهود في إسرائيل على ضرورة ترحيل الفلسطينيين عن المناطق التي من المتوقع ضمها لإسرائيل. يأتي ذلك في ظل محافظة الشارع الإسرائيلي على انحداره نحو اليمين، فحافظ (نتنياهو) اليميني المتطرف على مقعده كاطول رئيس وزراء عمراً في دولة إسرائيل، في ظل توجهاته المعادية لحل الدولتين وقبول الفلسطينيين عموماً.

يحتاج الفلسطينيون في هذه اللحظات الصعبة لاستراتيجية عمل وطني مؤطرة وموحدة، للوقوف في وجه المخطط الصهيوني، الذي يسعى لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية. ومن المفيد الاستثمار في الأوراق الإيجابية التي لا يزال يمتلكها الفلسطينيون، وتسخير أوراق الضعف لتصبح أدوات قوة. فالفلسطينيون رغم كل ما أصابهم من ضعف وترهل، لا يزال نصفهم يسكن في دياره فوق أرضه، بما يشكل أسطورة من أساطير الصمود. ويبلغ عدد الفلسطينيين داخل أرض فلسطين نفس العدد الذي يشكله الإسرائيليون اليهود فيها، رغم كل ما أقدمت عليه سلطات الاحتلال بحقهم لاجبارهم على الرحيل.

ورغم نجاح الاحتلال في تقسيم الفلسطينيين، ما بين فلسطيني الضفة وفلسطيني غزة وفلسطيني القدس وفلسطيني ال ٤٨ وفلسطيني الشتات، الا أن هذا الانقسام يمكن أن يشكل إضافة لسياسة فلسطينية متكاملة محددة، تعمل في اتجاهات عديدة ضمن هدف واحد وباستراتيجيات مختلفة. فتمكين المقاومة في غزة ضرورة. ونضال فلسطيني ال ٤٨ من أجل تحقيق العدالة والمساواة يصب في المصلحة والهدف الفلسطيني. ودعم صمود المقدسيين ضد إجراءات التهويد والتضييق واجب ومسئولية قصوى. وتصدي فلسطينيو الضفة الغربية لإجراءات وسياسات الاحتلال يعد استراتيجية أساسية في تحقيق الهدف الفلسطيني الموحد. ودور فلسطينو الشتات في الترويج السياسي والإعلامي للهدف الفلسطيني مكمل ضروري، في ظل قرار المواجهة. ولكي تتفعل المقاومة الموحدة المتكاملة من الضروري تفعيل الاطار الوطني الجامع والمخطط، فمتى ستكون منظمة التحرير جاهزة لتحمل مسئولياتها؟