الرئيسية / ثقافة وفنون / “صندوق النذور” للمصري أحمد سعيد سالم.. قصص واقعية بنهايات صادمة

“صندوق النذور” للمصري أحمد سعيد سالم.. قصص واقعية بنهايات صادمة

القاهرة/PNN- يستثمر الكاتب المصري أحمد سعيد سالم الأحداث الواقعية اليومية، مقدما تحليلا مراوغا حولها، في مجموعته القصصية ”صندوق النذور“ الصادرة عن دار عصير الكتب للنشر 2020.

والملفت في أسلوب سالم، اعتماده في حبك لغته الحكائية على الحدث السريع الخاطف، فتتوالى كلمات سهلة التركيب، دون أي محطات تدعو للتوقف وإعادة التأمل.

لكن هذه اللغة السهلة تحيل قصته إلى معيار آخر، ألا وهو: تكنيك حياكة القصة، فسالم يستمر في السرد كأنه حكواتي بسيط، لكنه يخفي آخر الخيط إلى نهاية القصة التي غالبا ما تصدم القارئ.

وعملية تركيز الأحداث، هذه، وحشرها في مكان ما، ومن ثم القفز من السياق، تعد جمالية، ضرورية للسرد، إذ يقول الكاتب الأمريكي باولو باسيجالوبي: ”تبدو القطع السردية القصيرة أقرب إلى قنبلة يدوية من الأفكار، موجّهة جيدا نحو هدفها، عندما تفلح فإنها تضرب، تنفجر، ولا يمكنك نسيانها بالمرة“.

طريقة كلاسيكية

ويتضح ميل سالم لفكرة استدراج القارئ، إلى مكان هو يريده، في طريقة القص والسرد، بلغة بسيطة، وهو ما يؤكد على ميله للطريقة الكلاسيكية في الطرح، التي لا تزال تحتفظ بجمهورها، على عكس السرد الحداثي الذي يأتي غالبا معقدا ومتشابكا.

انقلاب

في قصة ”الحفل“ يبدو الحدث بسيطا للغاية، وتنساب اللغة دون أي شيء طريف يمكن التقاطه، لكن سالم يضع في الآخر سوار دهشة السرد، بانقلاب التوقع عن خط سيره، وبدء طريق جديد، لكن القصة تكون انتهت، وهذا من أدوات صنع الصدمة للقارئ، وقد نجح سالم في ذلك.

أما الرسالة القصصية، وهي ما لا يتم تبنيه في السرد ما بعد الحداثي، فكانت كما يكتب: ”بالرغم من كل هذا النعيم المقيم، فإن الدنيا لا تعطي إلا إذا أخذت بنفس مقدار ما أعطت“.

ويذهب الكاتب المصري في قصة ”المتهم العاشر“ إلى تفرعات الواقع في حياة الإنسان، بوضع خطة، منشأ الأحداث فيها دائما الصدفة، وكأنه يلمح إلى تراكب كل الأشياء من حولنا يأتي من باب تصادف بحت، فشخصية بطله هنا تصنعها الصدفة، وتسير في دور اللص، وتغتني، وتأخذ الصيت والنجومية في كتابة الشعر، أيضا، عن طريق الصدفة والانسياق مع الحدث.

والغريب أنه كلما قارب خزان الحظ لديه من النفاذ، جاءه حظ آخر، لتستمر العجلة في الدوران.

ويكتب سالم:“شعوري أيضا باللصوصية يؤرقني تماما، فأنا النشال الذي يعيش على حوافظ جيوب غيره، أنا اللص، أنا الذي يحب أن يحمد بما لا يفعل، أنا النذل الذي لم ينسب الفضل إلى أهله“.

ويبحث سالم في قصة ”السجود“ عن معنى آخر لكل شيء، فهو يلغي فكرة الصيغة الواحدة للشيء، ويؤكد على أن أي تركيب، قابل للصهر، وإنتاج غيره.

ويلعب الكاتب المصري على ترسيخ وجود أكثر من وجه للحقيقة، باختراع بذرة شك كبيرة، في نصه، من خلال صدمة أحدثها، كعادته، في آخر سرده.

ذلك الشك الذي يكبر كلما دحرج الإنسان أفكاره، ويصير مثل كرة ثلج، تعاني من ضخامتها.

وتدفع مشاكسة القصة للقارئ إلى حثه على الإمساك بأكثر من احتمال باليد، وهو ما قد يجعل المرء يدور مع عجلة الحيرة، لكنه يؤجل لحظة العنف، وبالتالي اتخاذ القرار المناسب، وليس كما فعل بطل القصة باتهام معلمه القديم بسرقة محفظته.

هرمونات

ويكتب سالم في قصة ”مشروع تفريخ الإناث“: ”عشقه لها، جعل ضعفه يستمر؛ فليس الأمر كامنا في المال، أو القدرة على السيطرة، ولكنه الحب، هو الذي لم يشعره بالضعف أمامها، ولم يجعله يثور لكرامته“.

وحديثه هنا عن أب يخضع لعاطفته لامرأة أحبها، تزوجها، وكان أحد ولديه، يعاني من نقص هرمونات الذكورة، واختار طريقه في التحول أخيرا لأنثى.

وهذا الموضوع مطرز بالشوك في المجتمع الشرقي، كون فكرة التحول الجنسي مرفوضة.

وتأتي محاولة الأخ الأصغر ووالده بالزج بالابن في عالم الرجولة عنوة، لتلمح إلى الضغط الاجتماعي الرهيب على مثل هذه الحالات، إلا أن الأم كانت سندا لابنها، وساعدته لأن يصير على هيئة تعينه على العيش.

وفي المقابل، لم تساعده نسبة هرموناته الذكورية ليكون رجلا، إنه كان أقرب لطبيعة الأنثى بالملامح والتكوين الداخلي.

ضمن هذه المناخات يواصل سالم في قصصه العشر، التقاط يوميات الحياة الواقعية، ويدخلها بنفس مساراتها، دون تعديل لكنه يضفي عليها حسه الفني، ورؤيته الجمالية.

هذه القصص تكشف عن زيف الواقع، وخشونة مفاصله، وكأنك تسمع احتكاك الناس ببعضهم البعض، في تقلبات حياة قائمة على الخديعة، يكتب سالم: ”انتبه جيدًا لما أنت مقبل عليه! وتمهل قليلًا فكل ما بين يديك زائف.. فلا تصدق ما يروى لك، فإياك أن تثق في أحد، فكلهم مخادعون.. نعم، سيتلاعبون بذكائك وسينجحون في ذلك.

سيبحرون بك إلى محيطات العالم لترتطم رأسك باليابسة دون سابق إنذار.. ستنبهر بأقوالهم وستبكي من أجلهم لتسمع في الخلف ضحكاتهم من سذاجتك.. فكن يقظًا فإنهم حقًا خطرون.. ها أنت قد انتبهت الآن؟ حسنًا ولكنني على يقين من أنك ستقع في الفخ… ولكن تذكر أني حذرتك“.