الرئيسية / أفكار / السلطة والتحديات

السلطة والتحديات

بقلم/ سمير عباهرة

تطورات وتحولات متسارعة في المنطقة تركت تداعياتها بشكل خطيرعلى المشهد السياسي الفلسطيني والقضية الفلسطينية من خلال عوامل كثيرة وفي مقدمتها موجة التطبيع الجارية بين اسرائيل وبعض الاطراف العربية التي تخلت عن دورها القومي واحدثت انقلابا في موازين القوى وعملت على اضعاف الموقف الفلسطيني.

فبعد ان كان الدعم العربي لفلسطينن انقلبت المفاهيم واختفت فكرة فلسطين من الخطاب الرسمي العربي واستغلت بعض البلدان العربية القضية الفلسطينية ليس في تعزيز شرعيتها فحسب بل عملت على شرعنة إسرائيل دوليًا. هذه المواقف المستجدة زادت من حصار السلطة الفلسطينية بفقدانها الحاضنة العربية واصبحت تواجه مصيرها منفردة وسط كل هذه التحولات. هذا الموقف العربي الطارئ سيعطي اسرائيل مجال التفرد بالفلسطينيين وتمرير سياساتها دون اي رد فعل وسط صمت دولي حيث ان بعض المواقف الدولية ايضا اصبحت محكومة بسياسات الوفاق مع الولايات المتحدة ومرهونة بالحرص على تعزيز المصالح المتبادلة معها على حساب قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي. وهكذا تكون اسرائيل قد نجحت في تحييد العرب كليا من معادلة الصراع باقامة تحالفات معهم ظنا منها ان ذلك يمكن ان يخدم مصالح اسرائيل ووضع الفلسطينيين تحت سياسة الامر الواقع بقبولهم بالحل وفق الرؤيا الاسرائيلية.

اضافة لذلك فان منطقة الشرق الاوسط اصبحت خاضعة لسياسة المحاور والتكلات والاحلاف فهناك المحور التركي القطري وهناك المحور الايراني وتحالفاته واخيرا تكتل دول الخليج ولا يبدو ان هناك محورا منها قريبا من التوجهات الفلسطينية. ورافق كل ذلك استحكام قبضة الحركات اليمينية عالميًا وأصبح استهداف الفلسطينيين وحرمانهم والنيل من مستقبلهم طقسًا من طقوس الانضمام إلى اليمين العالمي..

واتضح ان الولايات المتحدة التي تقود الحملة لاسقاط المشروع الوطني الفلسطيني ليس جادة وليست معنية بانهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وفق قرارت الشرعية الدولية بل عملت على تحويله وادخال عناصر جديدة مؤثرة عليه وهذه العناصر عبارة عن مجموعة من شروط تعجيزية رفضتها القيادة الفلسطينية ومن ضمنها العودة للمفاوضات حيث هناك صعوبة في العودة لها دون تغيير المرجعية التي قامت عليها المفاوضات السابقة وهذا ما تسعى اليه اسرائيل فالولايات المتحدة وإسرائيل تأملان بالتخلّص من القضية الفلسطينية لصالح تل أبيب.

وهنا يمكن القول ان مستقبل السلطة الفلسطينية بدأ يتأثر بعوامل كثيرة منها ما هو محلي ومنها ما هو عربي واقليمي ودولي ويتأثر بصيغة ونوعية التحالفات الدولية والاقليمية والعربية.

وهكذا وجد الفلسطينيون انفسهم يواجهون تحدياً معقداً في بيئة داخلية وإقليمية ودولية، غير داعمة أو مساندة لكفاحهم من اجل نيل استقلالهم وإقامة دولتهم، ويجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع هذه التحديات وفي مقدمتها مستقبل السلطة الفلسطينية.

وبرزت هناك اصواتا تنادي بحل السلطة والعودة الى المربع الاول وتسليم المفاتيح لاسرائيل لكن اسرائيل لا تريد ان تتحمل مجددا تبعات اعادة احتلالها للضفة الغربية ولا تريد انهيار السلطة كي تستمرّ في تحمّل مسؤوليّة السكّان في الضفّة الغربيّة وإنّما تسعى إلى تقليص وتغيير دَورها السياسيّ إلى دَوْر خَدَماتي. وفي المقابل هناك موقف فلسطيني رأى بأن السلطة ستسعى إلى تعظيم مكانتها من سلطة إلى دولة تحت الاحتلال أي تعزيز مكانة السلطة لا حلّها حيث ان حلها غير وارد بالفهوم الفلسطيني.

امام هذه التحديات التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ القضية الفلسطينية وادراكنا لواقع التغيير الذي حدث في العلاقات الدولية منذ وصول ترامب الى الحكم وارتفاع مؤشر اختلال التوازن المختل في الاصل لصالح اسرائيل ووقوف العالم على اعتاب مرحلة جديدة اخذت تتبلور مع طرح الولايات المتحدة لصفقة القرن واتخاذ مواقف واجراءات سياسية لتنفيذها وفي ظل تسارع الاحداث السياسية على الساحة الاقليمية والدولية والضغوطات التي تمارس على الفلسطينيين في ظل غياب موازين القوى فان الوقت قد حان لاجراء مراجعة دقيقة وشاملة للحالة الفلسطينية ومعالجة مواطن القصور والفشل والبحث عن آلية جديدة لمواجهة تلك التحديات.

لا مجال امام الفلسطينيين سوى استمرار المواجَهة واعتماد استراتيجية قادرة على مواجهة الضم الاسرائيلي لجزء من الاراضي الفلسطينية واعلان السيادة الاسرائيلية على الضفة الغربية لاحقا واعلنت القيادة الفلسطينية سلسلة من الاجراءات بدعوة الدول إلى رفض خطّة التسوية الأمريكية واصدار عقوبات رادعة لمنع الاحتلال من تنفيذ مخططاته ومطالبة دول العالم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين امام المحاكم الدوليّة والتاكيد على تمسكها بخيار السلام.

وبات المطلوب ايضا استنهاض كافة الاطر والمؤسسات وتفاعل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتحديدا تلك المنوط بها متابعة الشأن السياسي والدبلوماسي. وهنا لا بد من الوقوف جيدا على دور السفارات والممثليات الفلسطينية في الخارج والعمل على تفعيلها واعادة هيكلتها بحكم المهام المنوطة بها والتي تشكل الواجهة الامامية في ابراز القضية الفلسطينية والدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية وبات المطلوب طرح رؤية شاملة للعمل الدبلوماسي الفلسطيني في مختلف الساحات بعد ان اتضحت ملامح المرحلة القادمة في ظل التغول والتوغل الاسرائيلي بدعم امريكي واضح وصمت دولي وانقلاب واضح في مواقف الكثير من الدول التي عمدت على تشكيل تكتلات معادية للقضية الفلسطينية وداعمة لاسرائيل.

كما انه يجب التوصل إلى إستراتيجية عمل وطنية تحكم الفعل السياسي الموجّه نحو تحقيق الهدف المحدد بوضوح تام، ويمكن تحقيق ذلك عبر التفاهم بين الأجندات الفلسطينية ومزج الخيارات وهذا يتطلب من كافة القوى السياسية والمجتمعية الخوض في حوار جدي معمق وعدم التمترس وراء المواقف الذاتية وإنما الانفتاح وتقبل وجهات النظر كأساس ضروري لفتح باب النقاش، وهذا يتطلب مراجعات ذاتية من جانب هذه القوى، لاستعادة الوحدة الوطنية بما يمكن من بناء موقف سياسي فلسطيني موحد، قادر على حماية التحديات الناجمة عن استمرار إسرائيل في فرض الأمر الواقع على الأراضي الفلسطينية بقوة السلاح والاستيطان والتهويد من جهة، وعلى مواجهة التحديات التي تهدف إلى تصفية عناصر القضية الفلسطينية من جهة أخرى.

ولذا فإن الخطوة الأكثر صواباً هو عدم التوقيع على اتفاق الحل النهائي، ولتبقى كل القضايا مفتوحة وهو موقف يمكن أن يشكل قاسماً مشتركاً تلتزم به جميع الأطراف والقوى الفلسطينية وتبنى عليه صيغة برنامج وطني جديد، إذا لم يكن بالإمكان تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني وفق ما تم تحديده نتيجة عدم المقدرة على ذلك، فإنه بالإمكان رفض التسليم بالتنازل عن هذه الحقوق.