الرئيسية / أفكار / “التطبيع مع العرب اولا”

“التطبيع مع العرب اولا”

الكاتب/ سمير عباهره

عندما اطلق الرئيس الامريكي دونالد ترمب مشروعه بما يسمى “صفقة القرن” بهدف تصفية القضية الفلسطينية خيم صمت غريب على المواقف العربية عدا عن بعض الاصوات التي خرجت من هنا وهناك والتي لم تكن ردودها ومواقفها بحجم الحدث الذي لا يستهدف فلسطين فحسب بل الوطن العربي في اعماقه وامتداداته.

وبدا ذلك واضحا من خلال الزيارات التي قام بها ترامب الى المنطقة للبحث عن بوادر التسوية الاقليمية التي جرى الاعداد لها في البيت الابيض وتمر هذه التسوية من خلال تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية بحيث يتزامن هذا التطبيع مع مفاوضات على المسار الفلسطيني الاسرائيلي لا يمكن التكهن بنتيجتها في ظل عدم وجود ضمانات وعدم وجود مرجعيات جديدة وعدم وجود سقف زمني محدد لانتهاء المفاوضات والأسس التي تقوم عليها. وكانت اسرائيل دائما تراهن على اكتمال عملية التطبيع مع البلدان العربية وإطالة امد المفاوضات واستمرار وضع العراقيل امامها بحيث تجعل من عملية التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين امرا مستحيلا لترمي الكرة في الملعب الفلسطيني ينتهي باتهام الجانب الفلسطيني بعد رغبته في تحقيق السلام وهو اعادة للسيناريو نفسه الذي وسمت به جولات المفاوضات السابقة.

وكثيرا ما سعت الولايات المتحدة وإسرائيل للضغط على الاطراف العربية للاعتراف بشرعية الدولة العبرية طوال عقود سابقة واستخدمت اساليب الترغيب والترهيب السياسي وتقديم الاغراءات بمستقبل افضل والتلويح تارة بالحصار السياسي والاقتصادي.

وتتسلح اسرائيل بالموقف الامريكي الداعم لها والضاغط على المجموعة العربية لتنفيذ مخططاتها في ظل التحولات والتغيرات الاقليمية الجارية وفي ظل التحالفات الاقليمية الحاصلة التي تستهدف العمق العربي والأمن القومي العربي بحيث تبقى الولايات المتحدة تمارس ضغوطاتها على المجموعة العربية من اجل تمرير سياستها تحت غطاء حماية الانظمة العربية من الاخطار المحيطة بها بحيث تصاغ العلاقات الامريكية العربية على اسس جديدة ومقايضة الحماية الامريكية بالتسوية الاقليمية.

هذه المعطيات دفعت بقادة اسرائيل للاعتقاد بأن التسوية الإقليمية وتطبيع العلاقات مع الدولة العربية لن يكون مرهونة بالتقدم على المسار الفلسطيني مستذكرين السلام الموقع مع مصر والأردن والذي أبرم دون أي علاقة للفلسطينيين. وهذه المواقف والقناعات والتصريحات الاسرائيلية ما هي الا حلقة جديدة من حلقات ادارة الصراع واللعب على التوازنات القائمة لكن المطلوب هو حل الصراع وليس ادارته. صحيح ان مصر وقعت اتفاقية سلام مع اسرائيل الا ان العلاقة بينهما لم تصل الى حالة التطبيع الكامل وبقي ذلك مرهونا بحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ولاحقا التقدم على مسار المفاوضات على اساس حل الدولتين وكذلك العلاقة مع الاردن ايضا لم تصل هي الاخرى الى مرحلة التطبيع وبقيت العلاقة بينهما تشهد حالات جزر كثيرة ونقاط الخلاف بينهما اكثر من نقاط اللقاء حيث يشتد الخلاف حول السياسة الاسرائيلية المتبعة فيما يتعلق بالمقدسات الاسلامية التي تتبع الاشراف الاردني وكذلك شكلت المفاوضات ايضا نقطة خلاف بينهما بسبب تنصل اسرائيل من استحقاقات عملية السلام وحل الدولتين وتبقى القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع والقضية المركزية الاولى في صلب السياسة العربية.

نتنياهو وحكومته يتبعون سياسة على درجة كبيرة من الخطورة تتلخص في محاولات اسرائيل فك الارتباط بين الحاضنة العربية والقضية الفلسطينية ويقدم نتنياهو نفسه على انه حليف العرب القوي في الصراع مع ايران والمخاطر الناجمة عن هذا الصراع ويحاول استغلال هذه الخلافات من اجل التطبيع معهم.

ان الركون الى هذه النظريات المصطنعة سيبقي الصراع مشتعلا وستبقى المنطقة تعاني من عدم الاستقرار ما لم يتم كبح جماح السياسة الاسرائيلية المتطرفة والمتنكرة لحقوق الشعب الفلسطيني وجعلها تنصاع لقرارات الشرعية الدولية، اذ ان المطلوب بات في كبح جماح العقلية الاسرائيلية التي لا زالت تحمل الطابع الاستعماري والذي يتناقض كليا مع قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي ومع الرؤيا الدولية الشاملة لعملية السلام.
محاولات اسرائيل لا زالت قائمة في سعيها لخلق بذورا من التناقض الاستراتيجي بين الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وإحداث شرخ في جدار العلاقات الفلسطينية العربية وأصبح هدفها الاستراتيجي الوصول الى التطبيع الكامل مع الدول العربية وليس حل الصراع ومثل هذا التوجه لن يساهم في تغيير وجه المنطقة التي ستبقى تعاني من حالة عدم الاستقرار وعلى قيادة اسرائيل ان تكون قد استخلصت الكثير من العبر بان التطبيع مع البلدان العربية يمر عبر اقامة الدولة الفلسطينية وهذا ما اكدت عليه المبادرة العربية المنبثقة عن مؤتمر بيروت عام 2002 والتي ستكون المنطلق لاية تسوية سياسية بين البلدان العربية واسرائيل لكنها مشروطة بحل الدولتين.

اسرائيل تسعى من خلال توجهها نحو الخيار العربي للانقلاب على الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين ومحاولة اغلاق الطريق امام اي دور عربي لحل المسألة الفلسطينية وتحاول اقناع العرب بان القضية الفلسطينية باتت تشكل ثقلا سياسيا على كاهل الوطن العربي الذي يجب ان يتحرر من مسؤولياته تجاه الفلسطينيين وان يتحول المحيط العربي الرسمي والشعبي الى متفرجين بحيث يبقى الشعب الفلسطيني وحيدا في الميدان ويسمح لإسرائيل بزيادة تفردها بالشعب الفلسطيني وممارسة كل انواع القهر والابتزاز والاستمرار بسياسة الاستيطان.

واذا كان قادة اسرائيل قد اوردوا امثلة على اتفاقيات السلام الموقعة مع كل من مصر والأردن فعليهم ايضا ان يستذكروا ورغم مرور عقود من الزمن على هذه الاتفاقيات انها لم تعطي الامن والأمان لإسرائيل وهذا ما يدحض ادعاءات قادة اسرائيل بان التسوية مع المحيط العربي ليست مرهونة بحل القضية الفلسطينية بل عليه ان يدرك بان امن اسرائيل يمر من خلال الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.