الرئيسية / أفكار / “السقوط المدوي”

“السقوط المدوي”

الكاتب : سمير عباهره

سقط مشروع القرار الذي تقدمت به فلسطين في اجتماعات الجامعة العربية والذي يطالب موقفا عربيا موحدا حيال موجات التطبيع الجارية بين بعض البلدان العربية واسرائيل ما يعني انتهاء مشروع السلام العربي الذي تقدم به العرب في القمة العربية في بيروت عام 2002 وكانت فلسطين قد طالبت بعقد اجتماع طارئ للجامعة العربية لاتخاذ موقفا حيال دولة الامارات التي اقدمت على التطبيع الا ان الطلب الفلسطيني قوبل بالرفض حتى عقد الاجتماع العادي وعلى مستوى وزراء الخارجية وكانت النتيجة هي نفسها حيث لم يتم التعاطي مع المشروع الفلسطيني بل اعطي الضوء الاخضر لم يريد التطبيع مع اسرائيل وتحت قاعدة حرية الدولة العربية التصرف من منطلقات سيادية متناسين ميثاق الجامعة العربية ومبادئها واتفاقية الدفاع العربي المشترك والامن القومي العربي.

اليوم سقطت مبادرة السلام العربية االتي اطلقها الزعماء العرب في قمة بيروت عام 2002 لتحديد نوع العلاقة مع اسرائيل وهنا يجب طرح تساؤلات حول مستقبل جامعة الدول العربية واسباب وجودها اذا لم تكن قادرة على اتخاذ موقف مصيري يتعلق بالامن القومي الفلسطيني وهذا وارد في ميثاق الجامعة العربية بل كان البيان الختامي للجامعة العربية بمثابة طرد فلسطين من الجامعة العربية. فلسطين لم يسعفها الشعارات التي كانت تطرح من حيث المصير المشترك واللغة المشتركة والتاريخ المشترك ووحدة الجغرافيا السياسية والامن المشترك واتضح ان كل ذلك مجرد شعارات لا قيمة.

موقف الجامعة العربية كان مثار شكوك منذ ان وقعت الامارات اتفاقية سلام مع اسرائيل ولم يصدر اي رد فعل من الجامعة العربية ويقي الصمت سيد الموقف رغم مطالبة الفلسطينيين بموقف حازم يدين التطبيع ويطالب الامارات بالعودة عن اتفاقياتها مع اسرائيل وعلى ما يبدو ان هذا كان يشكل بداية لظهور دول اخرى للحاق بالامارات وهذا يفسر الموقف السلبي للجامعة العربية. وهكذا تأكد ان الشروع العربي للتطبيع مع اسرائيل هو مسألة وقت رغم مخاوف الفلسطينيين في ان تقدم بعض الدول العربية على التطبيع مع اسرائيل قبيل ايجاد حل للقضية الفلسطينية مما يعني ترك الفلسطينيين يواجهون مصيرهم بأنفسهم في صراعهم مع اسرائيل في ظل انغلاق الافق السياسي والجمود الذي اصاب عملية السلام وانعدام رؤية واضحة من قبل المجتمع الدولي لإيجاد حل للقضية الفلسطينية استنادا للوعود التي قطعت والضمانات التي قدمت عشية موافقة منظمة التحرير الفلسطينية على دخول معترك الحل السياسي.

التطبيع يعني قتل مبادرة السلام العربية والغاءها ويحرر اسرائيل من الضغوط التي مارسها عليها العرب من خلال المبادرة العربية التي اشترطت انسحاب اسرائيل الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة، وان التطبيع يعني استجابة العرب للمطالب الاسرائيلية في اجراء تعديل على المبادرة العربية التي كانت تعني اسقاط هذا البند من الحسابات العربية، هذا مع الاخذ بعين الاعتبار بان الدول العربية التي اقامت علاقات مع اسرائيل لم تستثمر هذه العلاقات من اجل مطالبة اسرائيل بانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة،ولم تشهد دورا مؤثرا في الضغط عليها من اجل استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية،حتى ان الفشل على المسار الفلسطيني يعود في جزء كبير منه الى التدهور الذي لحق بالنظام العربي وتهافت العالم العربي على اقامة علاقات مع اسرائيل.

وقد دلت الاحداث والمتغيرات السياسية بان الامن والاستقرار لن يتحقق في هذه المنطقة إلا بحل القضية الفلسطينية وان التطبيع مع اسرائيل لن يكون عامل دفع في تحريك عملية السلام بل يعني حسب المفاهيم الاسرائيلية ابتعاد العرب عن قضيتهم المركزية بحيث تستغل اسرائيل ذلك وتعتبره غطاء لسياساتها تجاه الفلسطينيين وخاصة ان قرارات القمم العربية الاخيرة التي عقدت في جاءت هزيلة واستقراء اسرائيل لهذه النتائج التي لا توحي بوجود اهتمام عربي فعلي بل بقيت المواقف التقليدية في تبني القضية الفلسطينية بشكل عام دون احداث اختصاصات عربية جديدة باتخاذ موقف صلب وحازم تجاه اسرائيل والدول المؤيدة لها.

ان التطبيع مع اسرائيل يعني تجريد الشعب الفلسطيني من نقاط قوته التي وفرها له العمق العربي القومي فالتطبيع يعني الابتعاد عن القضية حتى ولو بنسب متفاوتة لكنها في المفهوم السياسي تعني تراجع الاهتمام العربي في الشأن الفلسطيني بحيث ادى ويؤدي ذلك للاستفراد بالطرف الفلسطيني الذي بحاجة دائما للدعم المادي والسياسي العربي من اجل تحريك الضغوط الدولية ضد انتاك الحقوق الفلسطينية.

ان التطبيع مع اسرائيل سيفقد العرب قوتهم في التأثير في السياسة الدولية وفي ممارسة الضغط على المجتمع الدولي، صحيح ان بعض الدول الحليفة سوف ترحب بهذه الخطوة العربية تجاه اسرائيل بما يساهم في ارتفاع المكانة العربية في النسق الدولي لكن ذلك سيفقدهم القدرة في التأثير في مسألة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بحكم ان العلاقة اصبحت مباشرة بين اسرائيل والعرب وليس بحاجة الى تدخلات خارجية كما انه يعني تخلي ولو جزئي عن القضية المركزية،حيث يعول الفلسطينيون والعرب على الاخرين لإحداث تغيير حقيقي في وجه الصراع وتحديدا من قبل الولايات المتحدة لممارسة الضغوط عليها لتقوم بدورها بممارسة الضغوط على الحكومة الاسرائيلية لإجبارها على القبول بحل الدولتين.

كما ان العرب لم يستغلوا بديهية مهمة في الصراع وهي ان اسرائيل تقع في محيط عربي ويؤمن العرب بان استقرار اسرائيل يرتبط بالتعايش معهم وهذا هو حال اسرائيل ايضا بان السلام شرط من شروط التعايش مع المحيط المتواجدة فيه وأنها لن تستطيع العيش إلى الأبد في ظل أجواء الحرب ولا تستطيع ان تراهن على المدى أيضا أن تبقى المعادلات والاحلاف الدولية في خدمتها وتدرك اسرائيل جيدا ومعها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حلفاء اسرائيل بان لب الصراع في الشرق الاوسط هو المشكلة الفلسطينية، وحل هذه المشكلة حلا عادلة واعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يعني تجميد الصراع.

          الاجتماع الاخير للجامعة العربية ومخرجاته ترك الفلسطينيون يواجهون مصيرهم لوحدهم دون توفير ادنى درجات الدعم بل كات رسالة الى ان العرب اسقطوا القضية الفلسطينية من حساباتهم.