الرئيسية / أفكار / “اسرائيل” نجحت في التأثير على عناصر الصراع

“اسرائيل” نجحت في التأثير على عناصر الصراع

بقلم/ سمير عباهرة

بيت لحم/PNN- نجحت “اسرائيل” في خلخلة بعض عناصر الصراع عندما توصلت الى توقيع اتفاقيات سلام مقابل سلام مع بعض الاطراف العربية، وهذا يعني خروج هذه الاطراف من الصراع كليا، لانها اسقطت من حساباتها مبادرة السلام العربية التي تم اعتمادها في قمة بيروت عام 2002، وتحتوي في أهم بنودها على أن تطبيع العلاقات العربية مرهونا بحصول الفلسطينيين على حقوقهم، بما فيها حقهم في إقامة دولتهم المستقلة بحدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، واستطاعت “اسرائيل” قلب هذه المفاهيم والمباشرة بعملية التطبيع مع بعض الدول العربية خارج اطار الحقوق الفلسطينية، وبدا ذلك واضحاً من خلال الإتفاقيات الموقعة وإقامة علاقات غير متكافئة، حيث لم تستطع أي من الدول التي وقعت على مثل هذه الإتفاقيات من فرض شرط واحد على “اسرائيل” يتعلق بموضوع الصراع، ولم تأتي أيضا على ذكر فلسطين، وخلت من الإشتراط على “اسرائيل” ومطالبتها بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم، مع إدعاءاتها بالتمسك بمبادرة السلام العربية وهنا تكمن المفارقة التي احتار في تفسيرها كبار المحللين السياسيين.

إن مخرجات إجتماع “الجامعة العربية” كان كارثي، لأنه تسبب في هزيمة الجامعة العربية أولاً، وأعطى مؤشراً على إسقاط القضية الفلسطينية من الحسابات العربية ثانياً، بعد أن كانت يوماً ما تسمى بالقضية المركزية للعرب، وبعد إسقاط مشروع القرار الفلسطيني، وصلت هذه الرسالة بكل وضوح الى كل من الولايات المتحدة و”اسرائيل” المعنيين الرئيسيين في هذه التطورات، حتى أن “ترامب” و”نتنياهو”، أطلقا تصريحات تُعلن فشل الفلسطينيين في الحصول على دعمٍ عربي، مما يعني أنه لم يعد هناك للفلسطينيين ما يبحثوا عنه في المحيط العربي.

وخروج بعض الدول العربية من معادلة الصراع سيحدث شرخاً في جدار الامن القومي العربي، حيث أن المسارات العربية المتعددة التي سلكتها بعض الأنظمة العربية للتسوية مع “اسرائيل” ستؤدي الى استفرادها بالفلسطينيين، مع توقف الدعم المادي والسياسي العربي، وبدلاً من أن تقوم الدول العربية بتحريك الضغوط الدولية ضد إنتهاك الحقوق الفلسطينية، فإنها عملت على إضعاف الخيار الفلسطيني لكنها لن تستطيع تغيير معادلة الصراع بشكل كامل، وكان من المفترض أن يكون هناك موقفا عربياً بأنه لا يمكن لأي طرف أن يحل قضيته لوحده مع “اسرائيل”، بل يجب التعامل مع الصراع العربي “الاسرائيلي” كقضية واحدة متكاملة.

إن توجه “اسرائيل” نحو الخيار العربي هو بمثابة إغلاق الطريق أمام أي دور عربي مركزي في حل المسألة الفلسطينية، وإبقاء الشعب الفلسطيني وحيداً في الميدان ويتحول المحيط العربي الرسمي والشعبي الى متفرجين، بما يسمح “لاسرائيل” بزيادة تفردها بالشعب الفلسطيني وممارسة كل انواع القهر والتهديد والابتزاز والتسليم بحالة الاختلال في موازين القوى القائم والذي لا زال يميل لصالح “اسرائيل”، ويعني هذا في محصلته النهائية إخراج القضية الفلسطينية من عمقها العربي في دائرة العلاقات العربية “الاسرائيلية”، وقد يكون هذا مقدمة لعملية تهميش واسعة للقضية التي شهدت في المدة الاخيرة امتداداً دولياً أزعج “اسرائيل” فزادت من استفحالها في سياستها الإستيطانية ومصادرة الأراضي واستمرارها في تهويد القدس.

إن التعاطي العربي مع المخططات الإسرائيلية والتي تهدف الى إعادة صياغة خريطة جديدة للعلاقات في منطقة الشرق الاوسط، سيزيد من تعميق الخلافات “العربية العربية” و”العربية الفلسطينية” بحكم الإرتباط الإستراتيجي المتبادل بين الأمن الوطني والأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية، ويزيد من تعميق التباينات والتنافضات البينية، من بينهما وتقديم تسهيلات “لاسرائيل” للتفرد بأطراف عربية.

المشهد السياسي العربي بدا مؤيداً لمعظم الأعضاء لموجات التطبيع ومتحفظاً للبعض ومعارضاً للقليل، وما يجري هو وضع الفلسطينيين تحت الحصار ودفعهم للتجاوب مع المتغيرات الجارية، لكن الفلسطينيون يمتلكون من أوراق القوة ما يمكنهم من إمتلاك زمام الامور، لأنه بدون موافقة الفلسطينيين وتوقيعهم لن يكون هناك سلاماً اقليمياً.