الرئيسية / أفكار / عندما تغيب الرؤية والأدوار الجماعية وتضيع البوصلة تصبح المصالح الشخصية سيدة الموقف

عندما تغيب الرؤية والأدوار الجماعية وتضيع البوصلة تصبح المصالح الشخصية سيدة الموقف

بقلم/الصحافي حسن عبد الجواد

في زمن الاشتباك، تغيب الرؤية وتضيع البوصلة وتصبح المصالح الفردية والشخصية سيدة الموقف، خصوصاً عندما تغيب الأدوار الجماعية والجدية المسؤولة عن الفعل اليومي الهادف إلى التغيير الحقيقي، في مواجهة الهجمة المستعرة على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والظواهر البائسة والعبثية، والفلتان المتعدد الأغراض، والأهداف والأجندات، ما يعني أننا أصبحنا أمام حالة من الفراغ اللامحدود الذي يبحث عن نزعات بطولية وأولويات فردية ومصالح شخصية تكون سيدة الموقف، تقود المجتمع نحو التغيير الفوضوي البديل.

في زمن الاشتباك، تنهمر الشعارات والمطالب الحقوقية الفردية والعامة، وتحميل المسؤوليات كالمطر من كل صوب، في توظيف فردي وعام … عفوي ومقصود، وتختلط الأمور، وتضيع البوصلة.

وفي حالتنا الفلسطينية، تحاول هذه المعادلة في السنوات الأخيرة فرض نفسها بكل الوسائل، ويتجلى ذلك بشكل خاص، عبر أدوات منصات شبكات التواصل الاجتماعي، وعديد من “أشاوس” الفيس بوك، ممن ليس لهم دور على أرض الواقع سوى البحث عن أدوار وهمية من وراء حجاب، أو كأدوات مدفوعة أحياناً، من حيث تدري أو لا تدري.

إن شعور قطاعات وفئات كثيرة في أوساط شعبنابأنها غارقة في الإحباط وأجواء عدم الثقة، والبحث عن الخلاص الفردي، لا يبرر الانصياع لهذا الشعور القهري، كون الحلول الجماعية منعدمة، ما يتطلب عودة الوعي واللغة الجمعية، في ظل استمرار إرهاصات وتحديات المرحلة، التي تحاصر شعبنا من كل اتجاه.

بوضوح أكثر، نحن نهرب من أنفسنا إلى أنفسنا، ولكن من الشق القوي، إلى الشق الضعيف والمستكين فيها، وأسباب ذلك تعود إلى انهيار قوة المثل والنموذج، في السياسة، والإدارة والبناء المؤسسي الحكومي وغير الحكومي، والقطاع الخاص، والحزبي، والتنصل من التاريخ، وهروب وانسحاب أجزاء مؤثرة من هذه الشريحة القيادية والمثقفة،ناقلة خبراتها من العمل في القضايا العامة والهم العام إلى العمل والاستثمار في القطاع الخاص، واقتصاد السوق، أو الارتهان لمربع الإحباط والاستكانة، طريقاً للعودة إلى ثقافة الميتافيزيقا والحياة التقليدية الروحانية الداخلية، ما يعني ترك مساحات لا حصر لها من الفراغ القاتل، الذي قد يملؤه أي صاحب مزاج أو عابر سبيل أو أجندات بديلة، بعيداً عن المسؤولية الوطنية والمجتمعية.

في الواقع الفلسطيني، وليس بعيداً عن ذلك الواقع العربي الرسمي الغارق في التطبيع وأدواته، أو ما يعتمل في واقع الدول الفقيرة والنامية، تتوفر التربة الخصبة لمثل هذا التحول، ولأسباب لها علاقة بالتخلف الاقتصادي، كونها كيانات ودولاً غير منتجة، حتى أحياناً لأبسط المنتجات الاستهلاكية، التي تضطر إلى استيرادها من أسواق الدول المتطورة والغنية، بشروط تمنعها من إنتاج مثيلتها في أسواقها المحلية، ما يعني بقاءها ضمن دائرة الضغوط والشروط التي تمارسها عليها هذه الدول لتعميق التخلف والتحكم عن بعد،أو في أحسن الأحوال القبول بواقع اقتصادي، يعيش تحت وطأة مشاريع التنمية المشروطة والمسقوفة.

فلسطينياً ما زلنا نعمل بردود الفعل، وفي إطار المحاور التقليدية، وبعيداً عن شعوب العالم بما فيها العربية وأحزابها ومنظماتها الرافضة لواقع التطبيع والتخلف والمشروط، بعد أن كنا المحرك الرئيس في كثير من قضاياها، واكتفينا بحصر جهدنا في العمل السياسي الرسمي، لتمرير مواقفنا الدبلوماسية في قنوات المحاور الإقليمية والدولية.

إن الواقع والمستقبل الفلسطيني والعربي وحتى العالمي، وتحديداً بعد نتائج الانتخابات الأميركية، يقف على أعتاب مرحلة جديدة، بحاجة ملحة، لرؤية جديدة شاملة، وأدوات أكثر جدية فلسطينيا وعربياً وعالمياً لمواجهة التحديات التي ستعصف بنا، من تطبيع يحاول قلب أولويات الصراع، ومحاور تعمل على تقسيم المصالح وفق أجنداتها، ومحاولات إعادة رسم خارطتها في المنطقة، وكل ذلك على حساب القضية الفلسطينية، ومصالح الأمة العربية، في ظل غياب عربي وأزمة وجود… فهل نستطيع، ومن يعلق الجرس!؟