الرئيسية / أفكار / لماذا صعد ترامب، لماذا هبط ترامب؟ بقلم: ناجح شاهين
الرئيس الأميريكي دونالد ترامب صورة لرويترز

لماذا صعد ترامب، لماذا هبط ترامب؟ بقلم: ناجح شاهين

بقلم: ناجح شاهين

هناك بين ظهرانينا من فرح بسقوط اليميني العنصري ترامب، وصعود اليساري أو الليبرالي

جوزيف بايدن. يبدو أن أمريكا أخيراً قد تغيرت. وهذا أمر يدعو للتفاؤل بأن زمناً لطيفاً قد بدأ بالفعل.

من جانبنا نقترح تفسير صعود ترامب وهبوطه بمقولة أن التأرجح بين الإحباط الليبرالي/النيوليبرالي والإحباط العنصري/المحافظ إلى ما لا نهاية، هو سمة السياسة الأمريكية منذ قرن من الزمان على أقل تقدير.

من هذه الناحية علينا أن نلاحظ أن رؤساء الولايات المتحدة الجمهوريين كانوا غلاة في التطرف والوحشية الاستعراضية المعلنة التي تذكر بالمصارعة الأمريكية التي تتعمد التوحش أو أفلام الغرب الأمريكي ذات الشعبية الواسعة. وهذا ينطبق على ريغان وبوش الأب وبوش الابن وأخيراً ترامب. في هذا السياق ليس من الصعب المقارنة بين أداء هتلر وأداء ترامب من ناحية خطاب التفوق العنصري، كما أنه ليس صعباً ملاحظة التشابه بين أدء هتلر وأداء جورج بوش الابن من ناحية المغامرات العسكرية. وهكذا يبدو في نهاية المطاق أن هتلر إنسان مثله مثل رؤساء أمريكا المنتخبين على الرغم من أنه يستخدم رمزاً للشر الميتافيزيقي المطلق الذي يتعالى على السياسة والتاريخ.

نقول إذن ونحن نرتعد خوفاً من تهمة معاداة السامية المشهورة: ليس هتلر عدو الله والتاريخ والإنسان، كما أن ترامب ليس رديفاً للجنون المعادي للأصول الإسبانية والعربية والإسلامية.

هناك “أزمة” واجهتها ألمانيا كادت أن تأتي بالحزب الشيوعي الى السلطة، وقد كان “حل” الأزمة العبقري للنخب الرأسمالية الألمانية هو إلقاء التهمة على “الاخرين”، خصوصاً اليهود. وقد اتحد الجمهور الألماني النخبوي والشعبي على السواء على نحو أسطوري وراء “عظمة” ألمانيا بقيادة الحزب القومي وعلى رأسه القائد الكاريزمي أدولف هتلر.

هذا السياق تعيش مثله الولايات المتحدة على نحو دائم تقريباً وهو ما يوجه لعبة تداول السلطة بين الحزبين المتشابهين حد التماهي والتطابق التام: سيأتي دائماً رئيس ديمقراطي ليبرالي لطيف ليصلح ما أفسده رئيس جمهوري متشدد عنصري قسم المجتمع إلى شيع وطوائف. لكن الرئيس الليبرالي سيوقع البلاد في أزمة (أو هكذا سيبدو بفضل نعمة النسيان)، وسوف نحتاج إلى رئيس عنصري يصوب المسيرة وينقذنا من الأغيار. خارج الولايات المتحدة هناك أمل متجدد في التغيير، وصولاً إلى التوهم بأن الرئيس الجديد يمثل انتصارا، مثلما نظن معشر العرب والفلسطينيين.

في هذا السياق نتذكر بعض الأصوات البرئية والساذجة المتشمتة بسقوط جورج بوش في العام 1992 وانتخاب بيل كلينتون خلفا له. قال البعض بشكل يذكر بما حدث في حزيران 1967: “أنظروا، ها هو بوش يسقط بينما صدام ما يزال في كرسي الرئاسة.”

بالطبع لم يتغير شيء ذو بال بسقوط بوش، فقد واصل الرئيس ال play boy المسيرة التي بدأها جورج بوش الأب، وصولاً إلى موت مئات الآلاف من العراقيين بسبب الحصار ونقص الدواء.

ولعل من سخرية القدر المريرة أن ابن جورج بوش الذي يحمل اسمه بالذات سيأتي للحكم في العام 2000 ليقوم بإكمال مشروع تدمير العراق، وصولاً إلى احتلاله وإعادته سنوات كثيرة إلى الوراء. جاء جورج بوش الكاوبوي الغوغائي الوقح والمغامر لكي ينقذ المواطن الأمريكي من ملله من ألعاب بيل كلينتون الرومانسية والسياسية على السواء. وقد قدم بوش جرعة كبيرة من البطولة على طريقة الكاوبوي وصولاً إلى جملته الشهيرة التي تقلد أفلام هوليوود: “dead or alive” عندما كان يتحدث عن أسامة بن لادن المتهم بتفجير برجي التجارة في نيوورك. يمكن القول إن بوش هو صاحب أكبر شعبية في أوساط الفقراء في تاريخ الولايات المتحدة كله.

بالطبع كانت ثماني سنوات متصلة أكثر من كافية لكي يتعب الناس من حكم الحرب المستمرة في كل مكان. ولذلك كان لا بد من الخروج من إيقاع حكم بوش المنفلت من كل عقل أو عقال. فانتخب الناس رجل التغيير بكل المقاييس: مثقف من هارفارد، أسود، من أصول إسلامية أفريقية، وفوق ذلك كله، كان مسيحاً يبشر بأن يرعى الحمل إلى جانب الذئب. لكن شيئاً لم يتغير، ابداً لم يحصل أي شيء. واكتشف الناس بعد ثماني سنوات من المستوى اللغوي الراقي الذي لا نظير له في تاريخ أمريكا أن كل ما حصلوا عليه هو الكلام. الكلام في أعلى مستوياته اللغوية. لذلك كان لا بد من العودة إلى رجال الأفعال، على حد تعبير جورج بوش بالذات الذي كان يقر علناً بإسفافه اللغوي مدعياً أنه رجل أفعال لا أقوال. وهكذا جاءت لحظة رجل الأفعال الذي لا يتقن قول جملتين على نحو متماسك. لقد وصلنا لحظة ترامب العظيمة: إن الأجانب هم المسؤولون أولاً واخيراً عن هبوط الولايات المتحدة على أكثر من صعيد. ولا بد من “مسح البلاط بهم” سواء أكانوا حلفاء أو منافسين أو أعداء.

في هذه اللحظات الترامبية الرائقة كانت التربة مهيئة لاتهام الاثنيات “الأجنبية” بأنها مسؤولة عن آلام “الأمة”. بالطبع توقف اليهود عن القيام بهذا الدور منذ الحرب الكبرى الثانية، وحل محلهم في أوروبا العرب/المسلمون، بينما حل محلهم في أمريكا العرب/المسلمون واللاتين.

الخطاب الإثني العنصري يظل طريقة فعالة في تحشيد الجماهير من أجل الخروج بالحيلة من الأزمات الرأسمالية خصوصاً في لحظاتها الأصعب.

وليس في ذلك ما يثير الصدمة أو الدهشة، لأن الرأسمالية ما تزال “تلعب” ألعابها المعتادة. وسوف تظل الإثنية والدين والطائفة أسلحة مشحوذة تستخدم لإشغال الفقراء والبسطاء هنا وهناك عن همومهم الحياتية الفعلية وإقحامهم في صراعات لا علاقة لها بهم بأي شكل جدي.

عندنا نحن أيضاً لعبة طائفية مثيرة جداً تحشد جماهير العرب في كل مكان؛ السني والشيعي. بالطبع لا يمنع ذلك من أن نتذكر بين فترة وأخرى وجود بعض المسيحيين الذين “حرفوا” الكتاب والذين يستحقون أن يصب “المسلم” عليهم جام غضبه.

وفي هذا السياق تظل الصهيونية والاستعمار العالمي طرفاً أقل خطورة، ويمكن أن نلتفت له بعد أن ننظف أنفسنا من الشيعة والمسيحيين ونخوض حروباً داخلية جوهرية لا تبقى منهم أحداً ولا تذر.

الأمريكان لا يقلون عنا جهلاً أو سذاجة، إنهم أيضاً يخوضون حروبهم الأسطورية على مدار الساعة، وحتى عندما يترك القائد العنصري مكانه للقائد “الليبرالي” فإنه في الواقع يترك مكانه ومعه نصف الأمة الذي يعتقد أن الأجانب هم أس الداء والكوارث كلها، أما الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة فهي نهر يسير بسلاسة مندفعاً في طريقه ولا يلوي على شيء. وليس لتلك الاستراتيجية صلة كبيرة بنوعية اللغة ومحتوى الخطابات التي يلقيها الرئيس سواء أكان مثقفاً أسود من خريجي هارفارد أو معتوها أبيض يفك الخط بصعوبة من فئة بيزنس النفط من شاكلة جورج بوش الثاني. لذلك لا داعي للمبالغة في توزيع الحلويات بمناسبة فوز جوزيف بايدن الذي سيبرهن قريباً جداً أنه لا يقل حباً لإسرائيل عن ترامب وسيضطر إلى إثبات ذلك بطبيعة الحال بالكثير من الأفعال والأقوال على حد سواء.