الرئيسية / أفكار / نصف الكأس الملآن يجب ألّا يحجب عنّا الثقوبَ والشروخ: في نقاش منير شفيق بقلم نضال العزة

نصف الكأس الملآن يجب ألّا يحجب عنّا الثقوبَ والشروخ: في نقاش منير شفيق بقلم نضال العزة

عندما كتبتُ مقال “تدمير ثقافة المقاومة وبيئتها عبر مسار مدريد-أوسلو،”[1] كنتُ أتوقّع ردودًا من جهة المنخرطين في أوسلو، أو المنتفعين منها، أو المراوحين ما بين بين. بيْد أنّني عندما قرأتُ مقال “عن ثقافة المقاومة ومسار مدريد-أوسلو: في نقاش نضال العزّة” للأستاذ منير شفيق،[2] وهو الرافضُ لمسار أوسلو الكارثيّ، رأيتُ أنّ مقالي لم يبلغْ غايتَه فحسب، أيْ إثارةَ نقاشٍ جدّيٍّ ومثمر، بل أيقنتُ أيضًا أنّ أهمّيّةَ هذا النقاش تَكْبر عندما تجري بين رافضي مسار أوسلو أنفسِهم. وتنبع هذه الأهمّيّةُ من فرضيّة أنّ هؤلاء الرافضين يدركون أنّ المرحلةَ الحاليّة تتطلّب عمقًا في التحليل، وجرأةً في النقد الموضوعيّ البنّاء، للخروج من مربّع المراوحة والخطابة والشعارات. لذلك أشكرُ الأستاذ منير على مقاله، مع أنّه قوّلني فيه ما لم أقلْه، وحاكَمَه بناءً على افتراضاتٍ غيرِ مبرَّرة، آملًا أن يرى في ملاحظاتي الآتية تعميقًا للنقاش من حيث المنهجيّةُ والمواضيعُ والرؤية.

حول ملحوظة شفيق النقديّة الأولى

أوّلُ مأخذٍ على مقالي، بحسب الأستاذ منير، هو “أنّ البدءَ بمسار مدريد-أوسلو يتجاهل المسارَ الذي سبقه وأدّى إليه.” أتّفقُ معه على أنّ هذا المسار لم يَهبطْ بمظلّة، ولكنّني لا أرى أنّ مقالي قد أسقط من اعتباره مسارَ التنازلات. وهنا أُوردُ نقطتيْن جليّتيْن أغفلهما الأستاذ شفيق:

الأولى: أنّ المقال حدّد إطارَ بحثه بشكلٍ واضح، ألا وهو: أثرُ مسار مدريد-أوسلو في ثقافة المقاومة وبيئتِها. يُفهم من هذا أمران: أ) انّه لن يتناول كلَّ آثار أوسلو في الحركة الوطنيّة، وقد جرى بيانُ ذلك. ب) أنّه لا يسعى إلى تتبّع المسار التاريخيّ للتنازلات، وهو مسارٌ بدأ – في نظري – قبل برنامج النقاط العشر (1974)، وربّما مع التحوّل من الميثاق القوميّ إلى الميثاق الوطنيّ. وعليه، لا يكون عدمُ تناول المسار التاريخيّ للتنازلات مأخذًا على مقالنا، خصوصًا عندما يكون التحليلُ من ألفه إلى يائه مبنيًّا على بحث أثرِ ما أنتجه مسارُ مدريد-اوسلو، لا كيف وصلنا اليه.

الثانية: أنّ مقالي نفسه يصرّح في مقدّمته بأنّه يأتي ضمن الأعمال التحضيريّة لـ”مؤتمر المسار البديل،” ويورد في الهامش الأوّل رابطًا يقود إلى بعض تلك الأعمال. ولو اطّلع الأستاذ منير على محتوى الرابط لوجد أنّ التحليلَ وموادَّ “المسار البديل” المعروضة لا تعود إلى البرنامج المرحليّ عام 1974 بل إلى وعد بلفور، وتربط بين مختلف المحطّات الاستعماريّة ومسارِ التنازلات وما يجري اليوم، منطلقًا لنقاشٍ جدّيٍّ ومثمرٍ من أجل تطوير استراتيجيّةِ تحريرٍ ناجعة.

حول علاقة ثقافة المقاومة بالثوابت

يقيم الأستاذ شفيق، في معرض تناوله لمقالي، تناقضًا غيرَ مبرَّر حول مفهوميْ “ثقافة المقاومة” و”الثوابت.” يستندُ رأيُنا هذا إلى سببيْن:

– الأول، لأنّ مقالَنا لم يتجاهل الثوابتَ بل انطلق منها.

– الثاني، لأنّنا فعلًا – وخلافًا للأستاذ شفيق – نرى أنّ ثقافةَ المقاومة في السياق الفلسطينيّ تتضمّن، بل يجب أن تتضمّن، الثوابت. أكثر من ذلك، نرى أنّ هذا الأمرَ شرطٌ أساسٌ للتمييز بين “ادّعاء المقاومة” والمقاومة فعلًا. صحيح أنّ مفهومَ “الثوابت” يختلف عن مفهوم “ثقافة المقاومة،” ولكنْ على المستوى العمليّ لا وجود لثقافة مقاومة أو لمقاومة حقيقيّة إنْ لم تتضمّن الثوابت. والقولُ بعكس ذلك يعادل، عمليًّا، إضفاءَ المشروعيّة الوطنيّة على برنامج النقاط العشر (1974)، أو القبول بمشروع قمّة فاس (1983)، أو إعلان الجزائر بشأن استقلال دولة فلسطين (1988)، أو مسار مدريد-أوسلو (1991-…)؛ فكلُّ هذه التنازلات قُدّمتْ لشعبنا ورُوّجتْ في سياق برامجَ ومشاريعَ وطنيّة. فإذا كان معيارُ وطنيّة (أو شرعيّة) أيّ برنامج أو فصيلٍ أو قيادة فلسطينيّة هو مدى الالتزام بالثوابت، فإنّ ثقافةَ المقاومة يجب أن تقوم على الثوابت. فثقافة المقاومة، في جانبها التطبيقيّ، تعني التمسّكَ بالثوابت. و”التمسّكُ” هنا لا يكون في شعاراتٍ تُردَّد في الخطابات ثمّ تُحطَّم في الممارسة والاتفاقيّات، وإلّا كان رجالُ السلطة الفلسطينيّة أكثرَ المقاومين، في حين أنّهم أوّلُ المتنازلين عن الثوابت.

ثقافة المقاومة هي ثقافةُ الالتزام بالثوابت، وإلّا سيخرج علينا مَن يقول إنّ عودةَ العلاقات مع الكيان “انتصار”

إذًا، على الرغم من إقرارنا بوجود فارقٍ بين “الثوابت” و”ثقافةِ المقاومة” على المستوى المفاهيميّ، فإنّ هذا التفريقَ الذي يقيمه الأستاذ شفيق على المستوى العمليّ (أيْ على مستوى ممارسةِ التعبئة والمقاومة) غيرُ مبرَّر. فثقافة المقاومة هي ثقافةُ الالتزام بالثوابت مبدئيًّا وعمليًّا، وإلّا سيخرج علينا دائمًا مَن يقول إنّ الانسحابَ من بيروت كان “انتصارًا،” وإنّ عودةَ العلاقات كما كانت مع الكيان “انتصارٌ،” وإنّ اتفاقيّات التطبيع تَخدم المصالحَ الوطنيّة العليا للشعب الفلسطينيّ، وإنّ الحقيبة القَطَريّة ضرورةٌ وطنيّة، شأنَ ضرورة الانخراط في الكنيست الصهيونيّ،… الخ.

عن قولي إنّ العدوّ والقيادة الفلسطينيّة الرسميّة نجحا في تدمير ثقافة المقاومة وبيئتِها

بحسب الأستاذ منير، فإنّ الخلافَ مع مقالنا “يدور حول مدى نجاح العدوّ الصهيونيّ ومسارِ مدريد-أوسلو وسياساتِ القيادة الفلسطينيّة الرسميّة في تدميرِ بيئة المقاومة، وتشويهِ الوعي الوطنيّ، وتثبيطِ الجماهير. فالمقال يميل إلى اعتبار العدوّ والقيادة الرسميّة الفلسطينيّة قد نجحا في مساعيهما إلى حدٍّ بعيد…” وبالاستناد إلى هذا يبدأ الأستاذ منير محاججتَه بإعفاء القوى الفلسطينيّة، باستثناء “فتح” والسُّلطة، من المسؤوليّة عن حالة الانفضاض الجماهيريّ. ومن ثمّ يورد ثلاثةَ مآخذ.

لعلّ من المناسب هنا إعادةَ تأكيد وجهة نظرنا: أنّ نهج أوسلو والكيان قد نجحا فعلًا اإلى حدٍّ بعيد. ولكنْ من الضروريّ هنا التأكيد، أوّلًا، أنّ رؤيةَ هذا النجاح ليس فيها تنكّرٌ لنضال شعبنا وأبطالِه وشهدائه، ولا تثبيطٌ للجماهير، ولا دعوةٌ إلى الاستسلام إلى الواقع؛ وأنّ هذا التأكيد، ثانيًا، يأتي ليتجاوزَ لغةَ الخطابة والشعاراتِ وتجميلِ الصورة بالتغاضي عن الإشكالات الجوهريّة.

عن المآخذ الثلاثة على مقالنا

الحقيقة أنّ بيانَ “القيادة الوطنيّة الموحَّدة للمقاومة الشعبيّة” لم يكن بيانَ فتح-السُّلطة وحدهما، بل بيان جميع القوى الوطنيّة والإسلاميّة التي تناوبتْ قياداتُها طوال أيّامٍ على المحطّات الإعلاميّة في فلسطين وخارجها من أجل تحفيز شعبنا على المشاركة.[3] ولقد كان قادةُ الفصائل الوطنيّة والإسلاميّة وكوادرُها، جميعًا، بمن فيهم “فتح” والسُّلطة، جادّين في سعيهم إلى تحريك الشارع، كلٌّ لأهدافه طبعًا، ولكنّهم فشلوا في ذلك. لذلك يبقى السؤال: لماذا فشلوا؟

الإجابة على هذا السؤال، في رأينا، لا تكونُ بإعفاءِ آخرين (القوى الإسلاميّة أو اليساريّة) من المسؤوليّة، ولا بتجميلِ الصورة، ولا بالقول إنّ السّلطة يومَها منعت الجماهيرَ (فهذا لم يحدثْ لأنّ وجودَ عملٍ جماهيريّ كان، وقتها، من مصلحة السّلطة لأسبابٍ انتهازيّة/أوسلويّة). والإجابة لا تكون بتصوير مقالنا وكأنّه لا يرى نضالاتِ شعبنا أو يتنكّرُ لها؛ فهذا أمرٌ نستهجنُه، خصوصًا أنّ المقال صرّح بأنّ حالةَ الانفضاض الجماهيريّ ليست تعبيرًا عن نقصٍ في همّةِ شعبنا أو في استعداده للتضحية، او انتقاصًا من نضالاته.

أ – المأخذ الاول: عن “تعميم” مقالنا حالةَ الضفّة الغربيّة على باقي المناطق. قد تَبرز حالةُ “تدمير ثقافة المقاومة وبيئتها” في الضّفة أكثرَ من غيرها، ولكنّ هذا يجب ألّا يحجبَ عنّا رؤيةَ المناطق الأخرى؛ فالحق أنّ أثرَ أوسلو التدميريّ، وخصوصًا في ثقافة المقاومة والهويّة الوطنيّة، يشمل شعبَنا في كافّة مناطق وجوده. فعندما يرى 72% من الشباب (18-29 سنة) في قطاع غزّة،[4] حيث لا توجد سلطةُ رام الله، أنّ خلاصَهم هو في أوّل فرصةٍ للهجرة من فلسطين، فإنّ علينا أن نخافَ على مستقبلنا وثقافةِ المقاومة وبيئتِها، وأن لا يمنعَنا اعتزازُنا بمراكمة القوّة في قطاع غزّة من رؤية الشُّروخ الداخليّة – لا في سلطة رام الله وحدها بل في قوى المقاومة نفسِها أيضًا. وفي فلسطين المستعمَرة عام 1948، ليس من الحكمة أن نُغفلَ أثرَ مسار مدريد-أوسلو، الذي يصنِّف فلسطينيّي شعبنا هناك “شأنًا إسرائيليًّا داخليًّا” او “أجانبَ.” ربّما هذا يفسِّر لماذا لم يَسبقْ لـ 26% من الشباب الفلسطينيّ المهجَّرِ داخليًّا هناك أن زاروا بلدَهم الأصليّ المتاحَ لهم، ولا يعرفون إنْ كان أجدادُهم أصحابَ أملاكٍ أمْ لا، وقد يفسِّر لماذا لا يرى 81% منهم أنّ العودة إلى ديارهم الأصليّة ممكنة.[5] وعندما لا يُدرِج 38% من الشباب الفلسطينيّ اللاجئ في الأردنّ صفةَ “فلسطينيّ/ـة” في تعريف أنفسِهم/ـنّ،[6] فإنّ علينا أنْ نرى أثرَ أوسلو الممتدَّ إلى ما هو أبعدُ من رام الله والضفّة. مؤشِّراتٌ كهذه توجِب علينا ألّا نخشى على ثقافة المقاومة وبيئتها فحسب، بل على الوعيّ الوطنيّ الفرديّ والجمعيّ كذلك.

المأخذ الثاني: عن “إغفال” مقالنا نصفَ الكأس الملآن. لم يتناول الأستاذ منير الموضوعَ الأساسَ لمقالنا، ألا وهو تسليطُ الضوء على هندسة تغييبِ الوعي، وتدميرِ ثقافة المقاومة وبيئتها عبر أوسلو. ولا أعرفُ لماذا أسهبَ في تعداد أعمال مقاومةٍ وبطولاتٍ، نعتزُّ بها، بعباراتٍ توحي للقارئ وكأنّ مقاَلنا يتنكّر لنضال شعبنا والمقاومة. أيًّا يكن الأمر، فإنّني أعيدُ تأكيدَ ما سبق في المقال وهنا، وهو أنّ الانفضاضَ الجماهيريَّ الناشئ عن استهداف ثقافة المقاومة وبيئتها لا يقلِّل من شأن الشهداء، الأكرمِ منّا جميعًا، ولا من شأن النضالاتِ الفلسطينيّة. وضمن هذا السِّياق، علينا أن نفرّقَ بين منهجيْن في التفكير النقديّ: الأوّل تشخيص الخلل باعتباره مسؤوليّةَ القوى والطلائع، لا باعتباره مساسًا بانتماء شعبنا واستعدادِه للتضحية؛ والثاني الإغراق في تجميل الصورة إلى حدّ تبسيط الخلل أو التغاضي عنه.

نعم، إذا كان لا بدّ من استنهاض الحالة، فعلينا ألّا نكتفيَ برؤية بطولة ماهر الأخرس، بل أن نرى أنّ إضرابَه عن الطعام كان إضرابًا فرديًّا، وأنّ “التّضامنَ” معه كان باهتًا، وأنّ إعلانَه فكَّ الإضراب جاء دون مطالبِه الأصليّة وبوساطة أعضاءِ كنيست أوصوْا قبل أشهر على جانيتس ليترأّس حكومةَ المستعمِر — جانيتس الذي وقف على حدود غزّة قبل أشهر وتوعّد شعبَنا بحربٍ ماحقة! ماهر الأخرس بطل، ولكنّ علينا أن نرى التّراجعَ أيضًا. فعندما كانت لدينا ثقافةُ مقاومة وبيئةٌ حاضنة، كانت إضراباتُ الأسرى جماعيّةً، محكمةَ التنظيم، يلتهب لها الشارعُ يوميًّا، في اشتباكٍ حقيقيٍّ مباشر مع المستعمِر، ولم تكن مجرّدَ وقفاتٍ تضامنيّةٍ وإعلاميّة.

علينا ألّا نكتفي برؤية بطولة ماهر الأخرس، بل أن نرى أنّ إضرابَه كان فرديًّا، وأنّ “التّضامنَ” معه كان باهتًا

نعم، إذا كان لا بدّ من تناول “انتفاضة السَّكاكين” التي راح ضحيّتَها أبطالٌ وبطلاتٌ، فيجب علينا التأكيدُ أنّه كان في إمكان هؤلاء أن يُحْدثوا انتصارًا مميّزًا لو لم يُترَكوا منفردين للعفويّة والوسائل البدائية. نعم، هم أبطالٌ وبطلات، ولكنّهم كانوا ضحايا “سهلةَ المنال” إذا جاز التعبير. لا انتقاصَ من همّة شعبنا في ما نقوله، ولكنْ لا يمكن أحدًا الادّعاءُ أنّ الاستعدادَ للتضحية، والتّضحيةَ نفسَها، يشكّلان – في ذاتهما – برنامجًا نضاليًّا.

نعم، للأسرى بطولاتٌ لا تنحصر في معارك الأمعاء الخاوية، ولكنْ علينا أن نرى أيضًا حجمَ الانهيار في إسناد الأسرى تنظيميًّا وشعبيًّا. علينا أن نسأل أنفسَنا لماذا لم يشاركْ، في فعّاليّة دخول المناضل نائل البرغوثي (أبي النّور) عامَه الحادي والأربعين في الأسْر، إلّا أقلُّ من ثلاثين شخصًا؟ ربّما الأجدى أن نقول إنّه لو كانت ثقافةُ المقاومة والبيئة الحاضنة حاضرتيْن، لَما كان في مقدور الكيان الصهيونيّ احتجازُ أبطالٍ لنا لفتراتٍ تزيد على ثلاثة عقود!

نعم، إذا كان لا بدّ من الحديث عن بطولةِ شعبنا في معركة البوّابات الإلكترونيّة في القدس، فانّه يَلْزم أن نرى الصورةَ كاملةً، فلا نُغْفل أنّ المناطقَ الفلسطينيّة الأخرى خرجتْ في مسيرات “تضامن” مع القدس، لا في فعّاليّات مواجهة حقيقيّة. ألا يجب أن نسألَ أنفسَنا كيف صار الشعبُ الواحدُ يتضامن مع نفسه في معركة التحرير؟ هل يجوز ذلك أصلًا؟ هذا من جهة. ومن جهةٍ ثانية، يجب ألّا نعمّمَ معركةَ البوّابات الإلكترونيّة؛ فهذه المعركة لم تكن حالةَ التفافٍ جماهيريّ حول المقاومة وفصائلها، وإنّما معركةً عينيّةً فرضتْ جسامةُ الانتهاك فيها على شعبنا أن يتحرّكَ في لحظةٍ ما.

المأخذ الثالث: عن عدم تقدير مقالنا للوضع العامّ، ومن ثمّ عدم رؤيته المقاومةَ في غزة. ثالثةُ الأثافي، كما يسمّيها الأستاذ شفيق، هي أنّ مقالَنا “لا يتوقّف عند المستوى الذي وصلتْه المقاومةُ المسلّحةُ في قطاع غزّة… إطلاق مسيرات العودة الكبرى… إحراقها لآلاف الدونمات، أو الصمود الأسطوريّ تحت الحصار.”

إنّ تطويرَ قدرات الفصائل في قطاع غزّة ومراكمة القوة عملٌ مقاومٌ مميّزٌ نعتزُّ به، لكنّ نصفَ الكأس الملآن يجب ألّا يَحْجبَ عنا رؤيةَ الثقوب والشروخ، ليس من باب النّيْل من العمل المقاوم، بل من باب وجوب تطوير المقاومة. وعليه نسأل: لماذا كان عملًا ثوريًّا خروجُ ثلّةٍ من كوادر فتح في العام 1978 على الرّاحل عرفات لأنّه وافق على وقف إطلاق النّار مع العدوّ، بينما يصبح عملًا مشروعًا التوقيعُ على بندٍ في اتفاقيّات غزّة يُلزم الأطرافَ بالامتناع عن أيّ أعمالٍ عدائيّة؟ مَن المسؤول عن دفع 72% من الشباب الفلسطينيّ في قطاع غزّة إلى البحث عن أوّل فرصةٍ للهجرة من فلسطين؟ وللعلم، يأتي السّببُ الاقتصاديّ، بحسب العيّنة المبحوثة هنا، في المرتبة الرّابعة، بينما حاز “الإحساسُ بالإقصاء” المرتبةَ الأولى من بين 17 احتمالًا/عاملًا مؤثِّرًا. لماذا علينا أن ندين السّلطةَ في رام الله لأنّها فتحت البابَ أمام التّطبيع العربيّ، ثمّ نتغاضى عن حقيبة المِنحة القَطَريّة التي يوصلها وسيطٌ قطَريٌّ إلى حركة حماس عبر الكيان وبموافقته؟ فلماذا يكون التذلّلُ للسعوديّةِ والإماراتِ مُدانًا، بينما التّذلّلُ لقطر مقبولًا؟! لماذا علينا أن ندينَ قمعَ السُّلطة لنزار بنات بسبب انتقاده عودةَ التّنسيق الأمنيّ مع العدوّ، ثمّ نقبل بالتّنسيق الأمنيّ بشأن أعمال المقاومة عبر الوسيط المصريّ؟ مَن المسؤول عن هدر عظمة الشِّعار الأساس لمسيرات العودة الكبرى (“العودة إلى الديار الأصليّة”) وتقزيمِه في مطلب “تخفيف الحصار”؟ صحيح أنّه لا يجوز وضعُ الجميع في السلّة نفسها، ولكنّ كبرَ حجم مسؤوليّة “فتح” والسلطة عن هذه الحالة لا يُعفي الآخرين من المسؤوليّة.

إنّ مقالَنا السابق الذي يعالج حصرًا أثرَ أوسلو في ثقافة المقاومة وبيئتها لا يدّعي الشُّموليّةَ، وإنّما يرى أنّ فظاعةَ قمع المستعمِرين لشعبنا منذ أكثر من قرن، وأنّ كلَّ الإخفاقات والحروب ومسيرة التّنازلات والانقسامات الداخلية، لم تنل من ثقافة المقاومة وبيئتها كما فعل ولا يزال يفعل مسارُ مدريد-أوسلو. نعم يا أستاذَنا العزيز منير شفيق، هنالك نصفُ كأسٍ ملآن، ولكنّ هذا الامتلاءَ يجب ألّا يَحجبَ عنا رؤيةَ الثُّقوب والشُّروخ في هذه الكأس، وتحديدًا في النّصف الملآن نفسِه. رؤيتُنا هذه ليست تجاهلًا للمسيرة السّابقة، ولا انتقاصًا من النِّضالات والهمم، ولا مساسًا بالشُّهداء والأسرى، بل هي محاولةٌ لتجاوز الوقوف على الأطلال، ورفضٌ لإضفاء الهالات على المتغيِّرات من المعطياتِ والأدواتِ والقيادات. إنّها محاولةٌ للإسهام في مسيرة تأسيس بديلٍ ثوريّ يؤطِّرنا في معركة تحرّرٍ حقيقيّة، لا نواري فيها فشلَنا وضعفَنا المفضوحيْن ببطولاتٍ عظيمةٍ لكنّها فرديّة، وبمعاركَ مهمّةٍ لكنّها جزئيّة، وبردّاتِ فعلٍ ضروريّةٍ لكنّها بدائيّة، ولا تكون فيها قداسةٌ لأحد غير الثوابت والشهداء.

أخيرًا، ليس لي إلّا أن أقولَ لثلّةِ الشباب الفلسطينيّ (رجالًا ونساءً) النّاهضة لاجتراح بديلٍ ثوريّ: لا تقفزوا عن تجاربِ مَن سبقوكم، ولا تهدروها، ولكنْ لكم الحقُّ كلّه في أن تجتهدوا وتصنعوا تجربتَكم لتنتصروا لنا ولكم.

مخيّم عايدة (فلسطين المحتلّة)