الرئيسية / أفكار / لماذا أيتها “الإدارة العامة للوعظ والإرشاد”؟! بقلم الأب إبراهيم فلتس، القدس

لماذا أيتها “الإدارة العامة للوعظ والإرشاد”؟! بقلم الأب إبراهيم فلتس، القدس

طالعتنا “الإدارة العامة للوعظ والإرشاد” التابعة لوزارة أوقاف حركة حماس في غزة، ببيانٍ ليتنا لم نقرأه بل يا ليتهم ما كتبوه ولا نشروه. فهذا البيان هو صفحة سوداء في تاريخ الحركة والوزارة والإدارة العامة، فقد جندت هذه الإدارة كافة مواردها وكوادرها وتقنييها لإعداد مواد تنشر على الإنترنت ومواقع التواصل وفيديوهات على قناة اليوتيوب ومراسلات وفتاوى، تجنيد وتحشيد وشحن للطاقات، وكل هذا من أجل ماذا؟! ليته كان من أجل حشد الدعم اللازم والضروري لرفع الحصار عن غزة، أو من أجل حشد الدعم والمساندة لجهود المصالحة بين فتح وحماس وتحقيق الوحدة بين أبناء الشعب الفلسطيني، أو أقله من أجل حشد طاقات الناس لمساعدة بعضهم البعض في هذه الظروف الصعبة. للأسف لم تحشد حماس وإدارتها العامة كل الجهود لأي من هذه القضايا المستحقة، بل جندتها وجندت مواردها في سبيل مزيد من التقسيم والعزلة والشرذمة والانفصال وزرع مزيد من الانشقاق والكراهية بين أبناء الشعب الفلسطيني الذي يعاني منذ سبعة عقود الاحتلال والتشريد والتهجير، وبين أبناء قطاع غزة الذي يعاني منذ عقدين الحصار والتجويع.

جندت حماس وإدراتها العامة التابعة لوزارة الأوقاف في غزة كل مواردها لمنع “التفاعل مع الكريسماس”. أي وبمعنى آخر، لمنع أبناء الشعب الواحد من الاحتفال بعيد فلسطين الأجمل، بالعيد الذي إليه تتوجه أنظار الملايين حول العالم، فيتابعون بلهفة وشوق تفاصيل هذا الاحتفال في بيت لحم، عاصمة الميلاد، وعاصمة البهجة والفرح في فلسطين. لماذا يا حماس؟ ما عساه يخيفكم من مشاركة الشعب الفلسطيني كلّه في مظاهر هذا العيد، والاحتفال به وتزيين شجرة الميلاد وإنارتها؟ أي مظهر ديني من مظاهر هذا الاحتفال يرعبكم؟ إنه عيد البهجة والفرح، إنه عيد الأطفال، عيد المحرومين والمعذّبين والجائعين والعريانين والذين لا بيت لهم يأويهم ولا دواء يشفيهم. لماذا تحرمون الأطفال من فرصة الشعور بالبهجة والفرح أقله بضعة أيام في السنة، هم الذين يعيشون البؤس والخوف والشقاء طيلة أيام السنة؟

أما كان أحرى بكم أن تدعوا أطفال غزة بأسرها، وأهلهم وعائلاتهم إلى مزيد من الأشجار المزدانة بالأنوار حتى نزرع الأمل في نفوس الأطفال بأن المستقبل سيجلب معه لا محالة الحل العادل ومعه الانفراج والحرية والاستقلال والرخاء؟ بماذا تسوؤكم الشجرة؟ إلى ماذا ترمز الشجرة في الأعياد الميلادية؟ ليس لها أي رمز ديني غير شجرة الحياة في الجنة وبالتالي هي رمز للحياة والرخاء. ولكن قيمتها الأكبر والتي لا تقدر بثمن، تكمن في الواقع في مشاعر الفرح والبهجة التي تبثها في نفوس الأطفال، ومن خلال الأطفال تعم الفرحة في نفوس ذويهم وعائلاتهم. أتستكثرون على الناس أن يعيشوا بضعة أيام من البهجة والفرح وسط هذا الكم الهائل من الحرمان والبؤس والشقاء، تزيده شقاء وبؤسا هذه الجائحة التي حلت بنا وزادتنا فقراً وشقاءً؟

“الكريسماس” يا سادة هو عيد الميلاد، عيد مولد رسول المحبة والسلام، المسيح عيسى بن مريم الذي تكرمونه نبيا من أنبياء الله لا تفرقون بين أحد منهم؟ أو لم يذكر في القران الكريم خمسا وعشرين مرة؟ أو لم تذكر العذراء مريم أربعا وثلاثين مرة؟ أو لم تخصص لها سورة كاملة؟ أليس عيد الميلاد “الكريسماس”، هو عيد بيت لحم وعيد فلسطين بامتياز؟ أليس هو فخر وقلب ومجد أعياد فلسطين؟ أليس هو سبب رحلات الحج المليونية سنوياً إلى بيت لحم وبالتالي مصدر دخل لفلسطين وأبناء فلسطين؟

فلماذا تسيئون لأنفسكم ولفلسطين، بمثل هذه الحماقات والسخافات التي تنفّر منكم العالم بأسره، في وقت انتم أحوج ما تكونون فيه إلى تعاطف العالم ودعمه ومساندته لكم و لأبناء غزة. فبدلاً من استغلال هذه المناسبة لتظهروا للعالم أجمع الجانب السمح والطيب والجميل والإيجابي والمتسامح من قبل الحركة الإسلامية في غزة، للأسف وقعتم في الفخ وأظهرتم صورة الفكر المتحجر والقلب المظلم الأسود والعقل الجامد المحصور في أحقاد الماضي وتخلفه وظلامه.

ماذا فعل المسيحي الفلسطيني لغزة والغزيين، ولحماس والمقاومة؟!

ألم تفتح كنيسة المهد أبوابها في وقت أوصدت فيه كل الأبواب، لحماية من لجأ إليها خلال حصار بيت لحم عام ٢٠٠٢، وحوصرت الكنيسة، مهد المسيح ومكان الميلاد “الكريسماس” معهم طيلة ٤٠ يوما؟!

ألم تقدم الطعام والماء والفراش للمحاصرين؟ ألم يقدم الرهبان حصتهم من الغذاء؟ حوالي ٣٠ راهبا فرنسيسكانيا من ١٧ دولة خاطروا بحياتهم لحماية المقاومين في الكنيسة وكانوا على استعداد للتضحية بأرواحهم لحمايتهم.

ألم تفتح رعايا غزة المسيحية وأديرتها ومدارسها أبوابها لتستقبل مئات العائلات التي تشردت إثر تدمير بيوتها خلال عدوان عام ٢٠١٤؟!
ألم تقدم المؤسسات المسيحية مثل الكاريتاس والإغاثة الكاثوليكية والبعثة البابوية المساعدات بالملايين على مدار السنوات الماضية لتأوي المشردين، وتسقي العطاش، وتداوي المرضى، وتطعم الجائعين، وتعلم الأجيال الصاعدة؟!

فلماذا إذن تخشى حماس من “عيد الكريسماس”، هل تخشى أن يعم الفرح قلوب الأطفال؟ أن تطغى البهجة على مشاعر اليأس والكآبة؟ وبماذا يخيف المسيحي حماس؟ هل يخيفها رجاؤه الذي لا يكل، وفرحه الذي لا ينضب، وأمله بأن يرى النور يضيء يوماً ما في نهاية النفق المظلم، نفق الاحتلال والحصار والذل والمهانة؟ فلماذا نضيف فوق هذا كله ذل الجور والاضطهاد وتضييق الخناق من قبل السلطة الحاكمة التي يجب عليها بالأحرى أن تكون السند والصديق والرفيق في هذه المحنة التي طال أمدها؟

لا أيها السادة في الإدارة العامة للوعظ والإرشاد، وفي وزارة الأوقاف وفي حركة حماس في غزة، هذا ليس “عيد الكريسماس” وكأني به عيد جماعة من عبدة الأوثان والكفرة. لا يا سادة. هذا عيد الميلاد، ميلاد المسيح عيسى بن مريم، كلمة الله وروح منه، الذي ولد بنفحة من روح الله في مريم.

لا يا سادة، هذا عيد فلسطين، هذا عيد وطني، هو عيد أبناء فلسطين المسيحيين والمسلمين على السواء، الذين بنوا معاً تاريخ فلسطين وحضارتها ودفعوا – ولا يزالون يدفعون – ثمن كفاحهم ونضالهم من أجل نيل الحرية والاستقلال.

ولأنه عيد وطني، عيد الفرح والبهجة والأمل في مستقبل أفضل، حرص سيادة الرئيس الفلسطيني على المشاركة في الاحتفالات الميلادية وذلك منذ تأسيس السلطة الوطنية. ولا يزال الرئيس الفلسطيني محمود عباس يشارك في الاحتفالات لا مرّة واحدة بل ثلاث مرات مع الكاثوليك والأرثوذكس والأرمن. ولماذا؟ لأنّه يدرك أنّ هذا العيد هو عيد بيت لحم، وهو عيد فلسطين. هو العيد الذي تتوجه أنظار وأفئدة العالم وكل محب للسلام الى بيت لحم ومهدها، الى شعبها ومثالها، الى صمودها وتضحياتها عبر التاريخ، الى كل ذرة تراب وقطعة حجر ونسمة ريح فيها.

وإنني في نهاية معاتبتي هذه لإخوتي، أدعوكم إلى مراجعة حساباتكم وتعديل موقفكم والتراجع عن هذا البيان الفارغ من المضمون. لا تكونوا دعاة هم وغم، ولا تزيدوا من أثقال الناس وهمومهم، فما فيهم يكفيهم. بل كونوا دعاة تسامح ويسر وتعاون وأخوّة ومحبّة فالدين يسر لا عسر وهذا جوهر ورسالة عيد الميلاد. لا أتوقع منكم أن تدعوا الناس إلى المشاركة الفاعلة والناشطة في عيد البهجة والفرح، للتخفيف من معاناة شعبنا الفلسطيني المغموم المهموم، ولكن على الأقل اتركوا أولئك الذين يبحثون عن فرصة لزرع الابتسامة في قلب طفل يتيم أو جائع أو مريض أو مشرد، أتركوهم فماذا بقي لهم بعد الحصار والافتقار والوباء؟!

عيد ميلاد مجيد وسنة جديدة مباركة

كل عام وأنتم بخير و”Merry Christmas”

CONFIDENTIALITY
This email and any files transmitted with it are confidential and intended solely for the use of the individual or entity to whom they are addressed. If you have received this email in error please notify the system manager. This message contains confidential information and is intended only for the individual named. If you are not the named addressee you should not disseminate, distribute or copy this e-mail. Please notify the sender immediately by e-mail if you have received this e-mail by mistake and delete this e-mail from your system. If you are not the intended recipient you are notified that disclosing, copying, distributing or taking any action in reliance on the contents of this information is strictly prohibited.

Attachments area