الرئيسية / أفكار / الشعوبُ العربيةُ بينَ الاستقرارِ الآمنِ والربيعِ القاتلِ بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الشعوبُ العربيةُ بينَ الاستقرارِ الآمنِ والربيعِ القاتلِ بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي

في الذكرى السنوية العاشرة لاندلاع موجة الربيع العربي، التي بدأت في تونس يوم أن أقدم المواطن التونسي محمد البوعزيزي على إشعال النار في نفسه يوم السابع عشر من شهر ديسمبر/كانون أول عام 2010، ومنها انتقلت شرارتها الملتهبة إلى مصر وليبيا، واليمن وسوريا، وبدرجةٍ أقل إلى المغرب والبحرين، وأخيراً إلى لبنان والسودان، التي تعلم المتأخرون فيها كيفية التعامل مع الجمهور بحكمةٍ وحذرٍ، وامتصاص نقمته والتخفيف من غلواء غضبه، والاستجابة السريعة إلى بعض مطالبه، الأمر الذي جنب بعضهم ويلات الربيع المدمرة ونتائجه الكارثية، التي ربما ما توقعها المشاركون فيه، ولعلهم لو كانوا يعلمون خواتيم حراكهم ونتائج ثوراتهم ما كانوا ليخرجوا إلى الشوارع والميادين متظاهرين، مطالبين بالحرية والديمقراطية والإصلاح ومحاربة الفساد، ثم بتغيير الأنظمة ومحاكمة الرؤساء ومساءلة الحكومات.

بعد عشرة سنواتٍ من بداية الحراك الشعبي، وانطلاق شرارة الربيع العربي، يقف المواطنون العرب من مختلف الأقطار، يتساءلون بحيرةٍ واضطرابٍ وخوفٍ وقلق، عن أحوالهم التي وصلوا إليها، وأوضاعهم التي صاروا فيها، وعن المآلات التي ما كانوا يتمنونها أو يحلمون بها، فحراكهم لم ينجح، وثوراتهم لم تكتمل، وتضحياتهم لم تقدس، وشعارتهم لم تطبق، ومطالبهم لم تلبَ، ولا شيء مما كانوا ينادون به قد تحقق، ولو أن الأوضاع عادت إلى ما كانت عليه قبل الحراك لربما سكتوا ورضوا.

ذلك أن الربيع العربي أورثهم خراباً ودماراً، ودماً وحروباً، وهجرةً وشتاتاً، وضياعاً ولجوءً، وذلاً وهواناً، وعسفاً وظلماً، وقهراً واستبداداً، وكبتاً وسجناً، وعذاباً وحرماناً، وفقراً وجوعاً وحاجةً وسؤالاً، وأخيراً ردةً وخيانةً، وتطبيعاً واعترافاً، واتفاقاً مع العدو وتسليماً له، وانقلاباً على القيم وتخلياً عن الثوابت، وكفراً بالحقوق العربية وعدواناً على المقاومة الفلسطينية.

تعترف الشعوب العربية بسلامة مقاصدها، وحسن نواياها، وصدق حراكها، ووطنية ثوراتها، وولاء أبنائها، وإخلاص أهلها، فقد كانت تتطلع إلى بعض الحرية والرخاء، وإلى السترة والكرامة، وإلى الأمان والاستقرار، وإلى الشفافية والنزاهة، والديمقراطية والحوكمة، وقد شهد لها العالم بحقها في الثورة، وصادق على شرعية مطالبها وعدالة مضامينها.

لكنها وبعد عشرة سنواتٍ من الحروب الدامية، والفتن المستعرة، والخراب المتواصل، والمستقبل المجهول، والشتات المستمر واللجوء المذل، وجدت نفسها تحط في محطاتٍ أخرى، وتصل إلى مرافئ غير التي كانت تخطط أن ترسو فيها، بل إن حريتها النسبية التي كانت قد سلبت، وكرامتها المحفوظة التي سادت قد هدرت، ورزقها البسيط الذي كان مكفولاً قد ضاع، ومستواها المعيشي الميسور الذي عاشت فيه ردحاً من الزمن قد تدنى وانهار.

يتساءل أبناء الشعوب العربية جميعاً، أيهما أولى وأهم، الحرية أم السلامة، لقمة العيش أو الجوع، الوطن أو الشتات، البيت أو الخيمة، البناء أو الخراب، السلام أو الحرب، الأمن أو الخوف، فقد أجبرتهم نتائج الربيع العربي على التفكير بهذه الطريقة، لا يأساً من مقاصد الربيع العربي وأهدافه، ولكن يقيناً من سلوك السلطات وردود فعل الأنظمة، وتدخلات الأجنبي، وتعمد تلويث الحراك وتغيير مساره، وحقنه بأمصالٍ غريبةٍ مشبوهةٍ، وتبديل هويته الوطنية بأخرى أجنبية، واستبدال أجندته المشروعة بأخرى ارهابية، وتدخل القوى الدولية وأجهزة المخابرات العالمية في جسم الحراك وأوساط المتظاهرين، لتمرير متطلباتهم وتحقيق أهدافهم، التي تتناقض بالكلية مع أهداف الوطن وغايات المتظاهرين المطالبين بالحرية والإصلاح والديمقراطية.

لكننا لو سألنا الشعوب العربية اليوم بعد عشرة سنواتٍ من النكبة التي أصابتها، والزلزال الذي حل بأوطانها، والخسارة التي منيت بها في الأرواح والممتلكات، والطامة الكبرى التي زعزعت استقرارها، وقضت على طمأنينة البال لديها، ودمرت مستقبلهم وقضت على آمال الأجيال القادمة فيهم، هل تعودون إلى الثورة على أنظمتكم، وتطالبون بإسقاطها وتغييرها، وتصرون على الحرية والعدالة، وعلى الإصلاح والمحاسبة، سنجد أن أغلبهم يصر على صوابية حراكهم الأول، وشرعية مطالبهم الوطنية، وأنهم على استعداد لخوض التجربة من جديد، ولكن بعد أن يتخلصوا من كل العيوب التي شابت، والأخطاء التي وقعت، وفي المقدمة منها التدخلات الخارجية والمؤامرات الأجنبية المكشوفة.

وفي الجانب الآخر من الأزمة فإن الأنظمة العربية التي صمدت وقاومت، وتلك التي راوغت واحتالت، أو خضعت واستجابت، أو استبدلت وتغيرت، فإنها تدرك أنها لن تقوى أبداً على مواجهة شعوبها، ولن تستطيع قهرها وكبت حريتها ومصادرة حقوقها، وهي وإن استقرت أنظمتها، ودانت لها بلادها، وخضعت لحكمها شعوبها، فإن المستقبل لن يدوم لها، ولن تقبل الشعوب أبداً باستمرار حكمها واستبداد أنظمتها وتغول أجهزتها وعمق دولتها.

فقد تغير العالم كله وتبدل، وطغت وسائل التواصل الاجتماعي وسيطرت، وتعولمت المعلومات وفتح الفضاء، فلم يعد من السهل على الأنظمة حجب الحقائق ومنع تسلل الوقائع، كما لم تعد قادرة على إغلاق الحدود وكم الأفواه وسمل العيون وصم الأذان، فالثورات كما أمواج البحر تتابع وتتتالى، وتستمر وتواصل في كل الظروف والأوقات، ولن تنتهي أبداً ما بقي الزمان واستمرت الحياة.

لن تقبل الشعوب العربية بواقع الذل والهوان وإن شبعت، ولن تسكت على الظلم والعدوان وإن أمنت، ولن تفرط في الحقوق والمكتسبات وإن اكتفت، بل ستبقى تواصل ثورتها وتصر على حراكها، وإن بأساليب أخرى وأشكالٍ مختلفة، قد لا يكون العنف أحدها أو القوة أداتها، ولكنها لن تقبل أن تستنوق أو تخدع، أو تقاد وتوجه، ولا أن تكون حصان طروادة لمتآمرين على أوطاننا وشعوبنا، وأعداء لأمتنا وديننا، يمررون من خلال مطالب الشعوب المحقة ما يريدون.

فما يريده المتآمرون على أمتنا ليس فيه الخير لنا ولا المنفعة لشعوبنا، فعيونهم وقلوبهم على الكيان الإسرائيلي، يبحثون عن أمنه واستقراره، ويتطلعون إلى تشريعه وبقائه، وأمتنا العربية الحرة لا تقبل بحراكٍ يقود إلى اعترافٍ بالعدو وتعاونٍ معه، وتشريعٍ له وبقبولٍ به، ولا تقبل بحراكٍ يخلق أنظمةً جديدة الشكل مكررة الرؤية والفلسفة، مرتهنة للغير وأجيرةً عند الأجنبي، تعمل له وتخدم أهدافه، لتسدد له فاتورة البقاء وثمن التثبيت والاستقرار، بل يتطلعون إلى وطنٍ حرٍ كريمٍ، مقدرٍ محترمٍ، يعيش أبناؤه بعزةٍ ويتمتعون فيه بالكرامة.