حملة أحلى الأوقات
الرئيسية / ثقافة وفنون / رواية “لأن الحب لا يفنى أبدا”.. صورة بائسة ممتدة بين بحر غزة ونهر السين‎‎

رواية “لأن الحب لا يفنى أبدا”.. صورة بائسة ممتدة بين بحر غزة ونهر السين‎‎

بيت لحم/PNN- تصِف الكاتبة الفلسطينية آية رباح رحلة حب قصيرة آلت إلى نهاية مأساوية مكانها مدينة غزة الفلسطينية، في روايتها “لأن الحب لا يفنى أبدا” الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2020.

إذ تسرد الكاتبة تأملات مريرة على طريقة الأسطورة البوروفيوسية، مرجعة تفاصيلها إلى الواقع الثقاقي والاجتماعي في قطاع غزة، الذي يقمع مثل هذا النوع من العاطفة، فتكون معظم علاقات الحب داخله مهددة بالوأد على مر السنين.

في لحظة ما، وجدت الطبيبة زهرة طريقها نحو الحلم، من خلال ارتباطها بحبٍ مع كاتب في بداية طريقه، ويحمل حلما أبعد من مساحة هذه البقعة الضيقة المحاصرة بأشكال المعاناة كافة، على الصعد كافة.

الطبيبة التي هاجرت إلى فرنسا، بعد أن وجدت نفسها وحيدة في مجتمع فضولي، يراقب جزئيات النهاية المؤلمة لقصة حب مأساوية، بل وحاول الكثيرون التقرب منها بعد أن علموا بحالة الانكسار التي مرت بها، بعد أن أقدم الكاتب على الانتحار ذات ليلة. ذلك التقرب الذي وصفته الكاتبة كان من أجل أغراض متعددة، ومهما كان محفوفا بالود، لكنه كان غير صادق.

لا حوار

لا يمكن الحديث عن رواية بحبكة وشخصيات مبنية بعناية في سرد رباح، لكن هناك ميل إلى سرد مرئي للحظات حدثت في الواقع، فكما يبدو، فإن الكثير من صفات الشخصيتين غابت عن السرد، فيما بنية الحوار كانت في الغالب مفقودة، لكن لغة الكاتبة كانت متقنة ومحملة بطيف شاعري، ومستشهدة بخبرات معرفية لكتاب آخرين، مثل محمود درويش، وديستوفوسكي. الرواية الممتدة على 112 صفحة من القطع المتوسط، عملت على القصاصات الدرامية المؤثرة، والمحاكية للعاطفة، وجاءت محملة بنوستاليجا للأرض، وحيرة، ووحدة، في بلاد غريبة عن الذات.

انسداد الأفق

أما شخصية الكاتب الشاب الذي فضلت الكاتبة عدم وضع اسم لها، فجاءت محملة بصفات ذات نشأت في زمن تحطمت فيه آمال جيل بكامله من الشباب الغزي، إذ كان الشاب يحمل موهبة فذة، تؤهله لأن يكون من أفضل كُتاب الوطن العربي بعد حين، لكنه كان يحمل أيضا، سوداوية قاهرة نظرا للظروف التي كان يعايشها؛ ما جعل من حياته جحيما، فيكون دوما انسداد الأفق نحو حياة سليمة، هو ما يهدم آمال الشباب الفلسطيني.

غُدّة الدفء

أما شخصية زهرة، فكانت تلك المرأة الحالمة المثابرة، المتميزة في التحصيل الأكاديمي، فنجحت في عملها، لكنها كانت تبحث عن الجزء الناقص منها، غدة الدفء التي وجدتها في شخص حطمت الحياة ذهنه، ففضل النزول من قطارها باكرا، وقفز من الباب الخلفي، للعربة الأخيرة. وكما هرب الكاتب من الحياة خلسة، هربت زهرة من غزة، وصارت تستحضر الذكريات كمشاهد متبادلة ما بين بحر غزة، ونهر السين الفرنسي، مشكّلة صورة مأساوية لقصة حب لم تطل زمنيا، لكنها بوقوعها مثل قنبلة، تركت دويا يمكن سماعه لآخر العمر.

ذاكرة مخرمة

لغة السرد عند رباح تتيح للشخصية البطلة زهرة سرد الأحداث، التي تظهر وكأنها حدثت كلها في لحظة واحدة، بينما تقوم زهرة باقتصاص جزء صغير منها في كل مرة، من أجل أن تحصل على ذاكرة مخرمة، تساعدها على النسيان.

قالبان مكانيان

فيما تدمج الكاتبة في نثرها، قالبين مكانيين، تفصلهما مساحة جغرافية كبيرة؛ ما يتيح الحديث عن ثقافتين مختلفتين مرت بهما شخصية زهرة، واضعة الفارق في المعالم الثقافية ما بين فلسطين وفرنسا، فتكتب الروائية: ”أمشي على ضفة نهر السين، لا أرى عشاقا في باريس، أرى أناسا يصطنعون العشق، يحاولون أن يتبادلوا القبل والعناق، لكني لا أشعر بأي نهر ولا نجوم تجري بينهم. تمر صور باهتة للحب كما يسمونها، وأنا أمر وحدي أتامل وجه الماء الذي صمد منذ زمن سحيق، وروى البؤساء والكتاب والرسامين، وروى الأطفال أيضا والعائلات المنسية في مدينة يطحنها العمل كما يطحنها صوت المترو والقطارات، ماذا يتبقى من حواس المرء إذا مات قلبه“.

تناقضات

وتلامس الكاتبة واقع المشهد الغزي، حيث يهرب الشباب إلى اللحظات الدافئة في الحب، الذي يكون في الغالب مخفيا عن أعين المجتمع، الذي يرفض أي معنى للحياة، ولا يعترف إلا بالبؤس، فتقول:”عندما أطل ومعه كتاب رسوم ناجي العلي شعرت برعشة المعرفة وكأنني تلمست في وجهه قدرا ما لم يزل مجهولا لي، صافحته بفرح وجلسنا نتحدث وجها لوجه للمرة الأولى فوق سطح هذه المدينة المليئة بالبؤس والانتظار، المدينة التي تسجن أهلها في مساحة ثلاثمائة كيلومتر مربع دون أن تجعلهم يكتشفون حتى ذواتهم يمضون حياة كاملة ربما في شكل لا يشبههم”.

كما وتنقل في فقرة أخرى توصيفا لحال غزة الملقاة على كتف البحر: “تحدث الأشياء الأجمل في البقع المنسية من العالم، مثل غزة، صدق القصص والأمان الذي نتنفسه في الجو، دفء البيوت وهي تطل بمجرد انعطافنا من البحر ناحية المدينة، السيارات الكثيرة التي تملأ الشوراع وتأخذك من أمام بيتك مباشرة، حارس البيت الذي يعرفك ويلقي عليك السلام، الناس الخارجون من المساجد. والأطفال الذين يلعبون في الطرقات. لم اشعر بالأمان في أي مكان في العالم كما شعرت به في غزة”.

رسائل

ولا يكون أمام زهرة بعد هذا الفقد المفجع، إلا أن تكتب لعشيقها في العالم السماوي، وتبعث له برسائل استرجاع ورثاء وعتاب، كتبت في واحدة منها:”أود أن أحدثك عن هذا الألم، أترى ستفهمني بعد أن صرت روحا لا تتألم، وأود لو تحدثني عن السلام وعن عالمك، الآن في الأعلى، هل قابلت ملائكة؟ ألا يزال الحب يعيدك إلى صورتنا الأولى، أيوجد معنى للشوق وأنت حر بالكامل، أيشتاق الموتى لأن يأسرهم الحب؟”.

المصدر: إرم نيوز

شركة كهرباء القدس