حملة ع كيفك
الرئيسية / ثقافة وفنون / فرحات في قرائته الأدبية لـ “المهمشون”: الكتاب يعرّي المآخذ الآسنة العفنة التي تنخر مجتمعنا الفلسطيني

فرحات في قرائته الأدبية لـ “المهمشون”: الكتاب يعرّي المآخذ الآسنة العفنة التي تنخر مجتمعنا الفلسطيني

حيفا /PNN/  قال الكاتب صفا فرحات من حيفا قالت ان  كتاب المهمّشون وهو ( مجموعة قصص) للدّكتور سعيد عيّاد ان القاصّ تجاوز بيئته الفلسطينيّة الخاصّة، وألقى أضواءه الكاشفة على المجتمع العربيّ قاطبة…

وقال فرحات في لقاء ادبي عقد في حيفا منارة الثّقافة الفلسطينيّة العربيّة في نادي حيفا الثّقافي ان هذا اللقاء أمسية تكريميّة خاصّة لعلم من أعلام حركتنا الأدبيّة الإعلاميّة الدّكتور سعيد عيّاد، لإلقاء بعض الأضواء النّقديّة على باكورة أعماله القصصيّة الّتي وسمها ب: “المهمّشون”.

وبحسب الكاتب فرحات فان “المهمّشون” عبارة عن مجموعة قصصيّة تأخذنا إلى حياة فئة من النّاس، تعيش على هامش ما يجب أن يكون، أسوة بالمجتمعات التّقدّميّة المتحرّرة الّتي ضمنت لمواطنيها العيش الكريم، ومن هذا المنظار جاء العنوان بمعناهُ الإيحائيِّ الدّلاليِّ.

واضاف :”بما أنّ هذه المجموعة القصصيّة، تنظر إلى الأفراد المهمّشين وترصد حيواتهم وما آلت إليه مصائرهم في ظلّ مجتمعاتهم القمعيّة، رأيت أنّه من المناسب أن أتّكئ في بعض جوانب قراءتي النّقديّة، على المنهج الاجتماعيّ الّذي يرصد حركة الأدب، وفقا لتغيّر المجتمعات والّذي ينظر إلى الأديب، على أنّه ابن بيئته يتأثّرها ويتأثر بها، وعليه فإنّ إنتاجه الأدبيّ، لا يمكن أن يكون له كيان خارج الواقع المعيش، بكلّ أبعاده الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة.

واشار ان جودة الادب تُقاس في بعض جوانبها، وفقا لهذا المنهج، بمدى ارتباطه بقضايا مجتمعه، وصدق تناولها في جدليّة بين هذا المنتج والظّروف البيئيّة الّتي أفرزته والّتي تشكّل الحاضنة المؤطّرة له”.

وقال في قرائته :”من هذا المنطلق، سأسقط، بداية، إجراءات هذا المنهج على مضامين القصص الّتي سأتناولها بالعرض، مؤكّدا على أنّ هذا الإسقاط بعيد عن القسريّة، فهو إجراء منطقيّ تتطلّبه هذا الرّؤية النّقديّة”.

واضاف :” في استنطاق بعض اللّوحات القصصيّة من هذه المجموعة، وبعد دراسة متأنيّة لها، نراها تّعالج الهمّ الفرديّ في بيئة ضاغطة خانقة لكلّ أنواع الحريّات، المحكوم عليها مسبقا بالسّحر والشّعوذة والخرافات. لكنّها لا تقف عند حدود الهمّ الفرديّ في بيئته الخاصّة بل تتجاوزها إلى الهمّ الجماعيّ، من منطلق أنّ كلّ ظاهرة فرديّة هي إفراز لحالة اجتماعيّة أعمَّ وأشملَ، يعمل الكاتب على إبرازها ويصوّرها كما هي لاتّخاذ موقف إزاءها استنادا على المذهب الواقعيّ النّقديّ الّذي ترعرع في حضن التّيّار الاجتماعيّ.

وواوضح :”هكذا نرى إلى أنّ القاصّ تجاوز بيئته الفلسطينيّة الخاصّة، وألقى أضواءه الكاشفة على المجتمع العربيّ قاطبة، من منطلق أن الحضارة واحدة والهمّ موحّد لكلّ أفراد الأمّة، وتأكّد هذا التّجاوز من خلال ما توحيه لفظة القوميّة، الّي كانت المفتاحَ لدراسة قصّة” السّجّان والغانية”. إذ كان يعتقد حاملها، أنّها تكفيه لدخول أيّ بلد عربيّ فهي تأشيرة الدّخول وجواز السّفر، لكنّ الكاتب يجبهنا عندما يكون السّجن مصير حاملها ومحطّ سخرية منه واستهزاءٍ به.

واشارت ان المفارقة أنّ غنج الرّاقصة وتثنّي قوامها وضحكاتها الرّقيعة، كانت هي الجواز وتأشيرة الدّخول من خلال استحواذها على قلب السّجّان، بوّابة الأمان لدخول الوطن، بعد أن تملّكته حميّا الغريزة وانقيادُه لشهواته أمام مفاتن جسد الرّاقصة.

ورصد الدكتور فرحات جملة من القضايا في جتاب المهمشون من ابرزها اننا نرى هذا التّجاوز كذلك، في هذا المدّ الّذي يتّخذ من العقيدة السّوداويّة متّكأ، ويُلغي من خلالها المختلِف، ويقمع حريّته باسمها، فهو في جهل يسير وفي حلكة يحيا، وباسم هذه العقيدة يبيح لنفسه التّمرّغ في ملذّاته البهيميّة، ضاربا أعراض النّاس بوحولها، والنّاس يساقون كالقطيع، ويذبحون مثله على مذبح التّعصّب بأمر أمير الجماعة، هذه الجماعة الّتي غزت كحلكة اللّيل، أقطارا عربيّة كثيرة، ولا تزال تمنع من ضوء النّهار إضاءة الزّوايا المعتمة.

وقال :”كما في كلّ قطيع، يغرّد بعضهم أحيانا خارج السّرب، ويتمرّدون على المرايا المفكّكة الّتي تشظّي الصّورة وتشوّهها، كما هو الحال في تشظّي الأمّة وتمزّقها، وإذا كانت المتمرّدة أنثى، ولا يزال تمرّدها خجلا يتعثّر في طريقه الهشّ المنكسر، فالويل لها من غضب نار هذا المجتمع الذّكوريّ الّذي لم يخرج بعد من عباءة الخيمة السّوداء، فيقيم الحدّ عليها، كلّ هذا بدعوى حماية الدّين والمعتقد بهمّة حرّاس الشّرف وهم من تخلّى الشّرف عنهم أمام جسد الأنثى الّذي يزيدهم شبقا وثورة جامحة، مع كلّ سوط يلامس جسدها.

وقال ايضا :”تستمرّ أصابع الكاتب، في تعرية المآخذ الآسنة العفنة، وهي الّتي نخرت عظام مجتمعنا على كلّ المستويات من سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة بإيمانه بالغيبيّات والسّحر والشّعوذة وقمع الحريّات ووأد الأنثى الخطيئة حال ولادتها، فواراها أبوها تحت قمبازه في قصّة “الخطيئة والقرية” ليعلن أنّ الأنثى خطيئة من المنظور الفاسد للمجتمع الذّكوريّ السّلطويّ”.

كما اشار ان المآخذ العفنة تطفوا على السّطح، في آفة الشّعوذة والتّعلّق بالغيبيّات، كما جاء في قصّة “المشعوذة” الّتي تُخضِع العمدة الآمر النّاهي لإملاءاتها، بما تسمعه من شعوذات يرضي غروره وجهله وجهل من يأتمر بأمره.

وبحسب فرحات :” يستمرّ الكاتب بنبش ما يعانيه المهمّشون من جوع قاتل، بعد أن أصبح اللّحنَ الوحيد والعزف المنفرد القادر على ملء بطون الجماهير، ولا يكون هذا إلّا بأمر حاكم المدينة أو على الأقلّ هذا ما خيّل لهم، لكنّ السّخرية المرّة المؤلمة، ظهرت في أنّ البطون لا تشبع إلّا بالموسيقى الجديدة الصّادرة من حاكم ذكيّ يعرف كيف يشبع مدينته، ليُعلَن في الغد موت السّكّان جوعا.

وتستند هذه الصّورة على انغماس المسؤولين بالملذّات الغريزيّة، ففي الوقت الّذي يعاني فيه الشّعب من اعتصار الجوع لبطونهم، ينعم المسؤولون باعتصار ملذّات شهواتهم وكما جاء في قصّة المقهى والوزير:” نحن نعرّي أمعاءنا الخاوية وغيرنا يعرّي المستورة- نلاحظ المفارقة في هذه اللّفظة-، صحيح ناس ترقص في النّهار بالوجع وناس ترقص في اللّيل بالدّلع”.

وتستمرّ صور المهمّشين المؤلمة، عندما يختفي القائد ويفقد الشّعب البوصلة، علما أنّ لا بوصلة توجّههم، فهم في جهل يعيشون، لا رأي لهم، يتصرّفون من خلال تعصّبهم الأعمى، ويفقدون كيانهم بتهميش وجودهم، وسلب ما يملكون، بعد أن يستغل الغريب نزاعاتهم وخلافاتهم، فيوهمهم بمؤازرتهم شفقة عليهم ورحمة بهم، فينصّب نفسه راعيا لهم حاكما عليهم، وهم يقبلون به خانعين طائعين، هذا بعد أن رفضت كلّ عصبة منهم، تنصيب إمام عليهم من الفئة الأخرى.
وهكذا ومن خلال منهجيّة التّقصّي الّتي اعتمدناها، نرى إلى أنّ القاصّ، ينجح في اقتناص صور الواقع الاجتماعيّ ، ونجح في نقل ما يعانيه أفراد هذا المجتمع نقلا محايدا، يرصد الوشائج والعلائق بين الحاكم والمحكوم، بين الإمام والمأموم، بين من يملك ومن لا يملك مقوّمات العيش لحياة إنسانيّة كريمة، بين من يعيش على هامش الحياة يبحث عن كسرة خبز في الحاويات وبين من يحياها بخيرها وملذّاتها.

وهو في نقله هذا، لا يتّخذ عادة موقفا محدّدا يقترح من خلاله الحلول، بل همّه الأوحد الكشف عن الظّاهرة وتعريتها للتّنبّه لها.

لهذا جاءت خواتيم الكثير من قصصه في هذه المجموعة، تحمل سلبيّة وعجزا، حتّى على صعيد محاولة التّغيير من منطلقات النّقد الواقعيّ، الّتي يتعرّض فيها القاصّ إلى النّواحي السلبيّة ليعرضها على المتلقّي، وعليه أي المتلقّي، اتّخاذ الموقف الّذي لا بدّ من أن يكون معاكسا لما ألقي عليه، إذ أنّه بطرف خفيّ يكون القاصّ قد أوحى إليه بالتّصرّف وفقا لما يؤمن به لتقديم صورة بديلة.

وتظهر الصّورة السّلبيّة مثلا، في قصّة الفريضة المؤجّلة، إذ جاءت نهايتها قاسية مؤلمة، وجاءت لتبقى ما دام العجز باق: ” وظلّوا يلاحقوننا لأيّام أخر، حتّى مات أبي كمدا، وهربت أنا وأخوتي عندما طرقوا بيتنا بحثا عنّي، اكتفوا بأمّي المريضة، وبعد حين، علمت أنّها ماتت بين ساقيّ الأمير”.

وفي السّجّان والغانية، تنتهي بدعاء المحقّق أن يرسل الله لهم الكثير من الغانيات لإسعادهم، وأن يحرس بلادهم من حاملي تأشيرة القوميّة الرّمم، وأن يحمي زعيم الأمّة وينصره على أعدائه، ولا يُخفى علينا هذا التّماهي بين حاملي لواء القوميّة وأعداء الأمّة، فكلاهما سيّان في نظر من يسودهم الظّلام، والكاتب يكتفي بالإشارة إلى الظّاهرة، لكنّها تبقى أمرا مفروضا، وستبقى ما دامت الأمّة ترفل في خنوعها وخضوعها.

وهكذا تتوالى النّهايات الّتي تحمل بعدا سلبيّا، كما في سياط المتعة، وفي المشعوذة، وفي قاع المدينة الّتي تبقي على الوضع دون فرجة أمل، فالنّهاية تظلّ قاطعة جازمة ببقاء الأمر على ما هو عليه.

واشار الكاتب في قرائت للمهمشون :”تظهر صورة الخاتمة صارخة مؤلمة، تغرس في النّفوس خناجر الغضب حينا، وحينا خناجر العجز في قصّة الزّنديق، بعد أن قدّمها الكاتب بحياديّة مؤلمة:” بعد أيّام ضجّ النّاس في حيّ مرآب السّيّارات من عواء غريب غير معهود لكلاب سائبة، ولمّا جاء رجال الشّرطة فوجئوا أنّ الكلاب تتقاتل فيما بينها على ثلاث جثث قهرها الجوع”.

والعجز يتطلّب غموضا في الرّؤية، وضبابيّة تستند على الظّلمة والحلكة، لهذا دارت غالبيّة قصص المجموعة في الظّلام:
– اللّيل يدلهمّ والقصف كان شديدا والحرب تزأر، كنّا تائهين في الظّلام طلبا للنّجاة.

وإذا لم تكن لفظة اللّيل صريحة فإنّ الكاتب يشير إليها من خلال قرائنها، كالسّرداب المجهول أو السّجن والزّنزانة، أو بالإشارة إلى ظلام الرّوح كما في سياط المتعة، فاللّيل يطول والنّهار يقاوم غيابه فتغرق فاطمة في عتمة روحها.

وأحيانا يربط بين العار واللّيلة السّوداء، كما في الخطيئة والقرية: يا لها من ليلة سوداء! صوته يهزّ البيت وربّما الجبال المحيطة:” إنّها العار”!

وبين فرحات ان الكاتب عياد يخرج أحيانا عن اكتفائه بعرض النّهايات المؤلمة الحزينة الجامدة الّتي تنتظر من يقوم بإشعال فتيل التّغيير، ليعلن الثّورة الآتية مع الأجيال الصّاعدة الّتي نفضت عن أنفسها غبار الرّجعيّة والذّلّ والخنوع، فها هو الشّاب يوسف في قصّة” الزّعيم” يأتي قادما من وراء الجبل، علما أنّه جاء في اللّيل لكنّها ليلة قمراء فالطّريق واضحة والفكرة كذلك، والصّوت يتجلّى أكثر كلّما اقترب مع الحشد القادم، فدُهش إمام الجامع وأصحاب العمامات وكبير العائلة من قدومه، فتضاءلوا أمام الإصرار المتفائل للقادمين وأمام إرادة الصّوت: لا توريث… لا توريث.

وهكذا، وعلى الرّغم من كون المهمّشين، يعيشون على هامش الأحداث، ويعيشون في الظّلام وفي الظّلال، وفي حاويات القمامة، وعلى قارعة الطّريق يتسوّلون الحياة، إلّا أنّهم يحملون من الكرامة وعزّة النّفس، ما ينبئ على أنّ الأمل لا يزال موجودا وأنّ التّغيير لا بدّ قادم، فالفقراء لا يعافون كرامتهم ولو ماتوا.

شركة كهرباء القدس