حملة ع كيفك
الرئيسية / ثقافة وفنون / فعلٌ ماضٍ “القدس مدينة الرب”، مشروعٌ أزليٌ للفنان جاك برسكيان

فعلٌ ماضٍ “القدس مدينة الرب”، مشروعٌ أزليٌ للفنان جاك برسكيان

رام الله /PNN/ “القدس مدينة الرب”، مشروعٌ أزليٌ عكفت عليه أعداد غفيرة من البشر عبر العصور، كلٌ حاول ويحاول تقديم صورة عن المدينة تتماهى مع وجهة نظره وتطلعاته.

الفنان المقدسي من اصول ارمنية والذي ولد في مدينة القدس المحتلة جاك برسكيان يقدم لنا صورتان في آن واحد لكل مشهد من المدينة، صورة التقطها في السنوات الثلاث الماضية وصورة أخرى التقطت قبل قرن من الزمن، من الزاوية والبقعة نفسها.

بمقاربة الصور القديمة والحديثة، يحاول المقارنة بين زمنين تحمل المسافة الزمنية ما بينهما تغييرات وتحولات تلخص محاولات جديدة من المحو وإعادة كتابة تاريخ المدينة، ومساعي مُحكَمة لاحتلال مكان في مشهدها المقدس.

التغييرات التي تعكسها الصور، يمكن قراءتها كنتيجة لسلسلة من أحداث القرن الماضي التي وقعت في المنطقة، وفي القدس تحديداً. ومن خلال مقاربة الصور القديمة والحديثة، ليس من الصعب على المرء استنتاج جملة المخططات التي فُرضت قبل قرن، وتلك المفروضة اليوم، والمخطط لها مستقبلا.

كعالم آثار يمسك برسكيان معول الوقت ويحفر في طبقات زمن تراكمت في صور فوتوغرافية، مستخرجا مدينة القدس بتفاصيلها بحيواتها وناسها وأمكنتها التي كانت ولم تزل في مشروعه “فعلٌ ماضٍ”. وفي عملية عكسية يبدأ في نفض تراب الزمن متخذا الماضي نقطة بداية وصولا إلى الحاضر.

وفي الأثناء، لا يتخلص برسكيان من طبقة الحاضر، كما هو دارج في التنقيب الأثري، وإنما يحافظ عليها كطبقة أصيلة وعضوية وكنقطة استنباطية واستخلاصية أساسية في عملية القراءة والتحليل.

يتعمد برسكيان انتقاء صور تنم تفاصيلها وفجوة الزمن ما بينها عن تناقضات المكان. كل عمل في حد ذاته، يطول شرحه ويروي تحولات طرأت على المدينة المقدسة. فبإمكاننا لوهلة تخيل أبواب المدينة، مثلا، وما نابها من تحولات وتبدلات ليس على الصعيد المعماري فحسب وإنما السياسي والاجتماعي كذلك. أو تصور أحياء مُسحت تماما لانفصال المستعمر عن تاريخ المدينة ورؤيته للمكان من منظار استعماري إحلالي (حارة المغاربة، على سبيل المثال).

بالأمكان كذلك رؤية المستعمر الحالي والمستعمر السابق للمدينة في المكان نفسه وبالهيئة ذاتها، في محاولات مستمرة ومتشابهة للسيطرة على المدينة والبشر. كما يمكن العودة إلى أماكن طالتها تغييرات معمارية لاهداف استعمارية تهدف الحفاظ على الشكل التوراتي المتخيل للمكان. بعض المشاهد من البلدة القديمة لم تتغير كثيرا الا عند التدقيق والتمحيص وملاحظة عناصر حديثة مثل مكيف هواء ثبت على جدار، أو آثار الحرب والرصاص، أو سواح يجولون في المكان.

تذكرنا سلسلة الأعمال الفنية بأننا نعيش في نفس المكان الذي التقطت فيه الصور القديمة – وإن اختلفت ملامحه. وعند الوقوف أمام بعض الأعمال تذوب الخطوط والتفاصيل لتتماهى الصور بحيث لا يعود ممكناً تمييز المكان أو الزمان، ونتساءل إن كان التاريخ يعيد نفسه.

 

يمزج برسكيان بشفافية عالية بين ماضي المدينة وحاضرها “ويمسك أطراف الأفق في صورة قديمة ويطابقه بدقة متناهية مع أطراف الأفق في صور جديدة” يلتقطها بنفسه للمكان. ويترك في بعض الأعمال تفاصيل ماضٍ تحجبها صور الحاضر أو بالعكس. فليس مهما كشف جميع تفاصيل الصور أحياناً بقدر أهمية مزجها لإيصال رسالة أو التأكيد على نقطة ما.

أعمال برسكيان تظهر القدس كمكان ديناميكي حيوي متغير، في مواجهة مع واقعها، مدينة تحت وطأة الاستعمار، تمتلىء بالتناقضات. هي ليست المكان المثالي الشاعري الساحر الذي يظهر في صور الاستشراق والمستشرقين التي يشتريها السواح العابرون من المكان، وليس مكانا مثاليا يشكل نقطة في خارطة الماضي يتوقف عندها الزمن. فكل طبقة من طبقات الماضي تعرضت لشكل من المحو، لصالح القوة المنتصرة والمسيطرة. وتظهر هذه الطبقات جليا عند مطابقة الصور القديمة والحديثة، كما تتجلى محاولات الاستعمار المستمرة بتملك المكان، وتهجير اهله، وإعادة كتابة تاريخه، ومحو كل ما جاء قبله.

“فعلٌ ماضٍ” يضفي قيمة وبُعد لفعل التقاط الصور في المدينة المقدسة، ويجرد الصور القديمة في الوقت ذاته من النظرة الاستشراقية المتغلغلة ليس في أذهان السواح فحسب وإنما أحيانا في ذهننا كفلسطينيين. في المقاربة ما بين صور الماضي والحاضر في هذا المشروع، يتخلص برسكيان من رومانسية وشاعرية هذه الصور ويعيدنا إلى واقعنا الذي تمخض عن سلسلة من أحداث الماضي وجميعها مختبئة في التفاصيل.

شركة كهرباء القدس