مساحة إعلانية
مساحة إعلانية

نساء الدانتيل، قصص متشابكة بقلم صابر عياد

تعتبر مجموعه نساء الدانتيل القصصية، مجموعة صادمة ومتشابكة، فللوهلة الأولى يشعر القارئ وكأن تلك القصص تصفعهُ على وجهه من ناحية النسق الفكري والسردي الذي يستخدمه الكاتب يسري الغول على أن عقل الإنسان البشري هو عبارة عن سينما كبيرة لها القدرة على استيعاب كل هذا الكم الهائل من الصور والتأملات والرسائل بين طيات سطورهِ وما تحمله من أفكار عميقة والتي تحكي لنا عن المجتمع “الغزّي” وما يختبئ بداخله من حزن وألم ووجع ودواخلهم من حسرة وفقدان ووحده نهشتهم، حيث “يذوبون بسرعة في حضرة الشفق الذي يحاصر السماء”.

يحكي لنا الغول من خلال قصصه عن هم ومعاناة النساء في غزة، منهم الأرامل اللاتي فقدنَّ أزواجهنَّ في الحروب الطاحنة وهن بنفس الوقت ضحايا للرجال والاحتلال الغاشم والحصار. فهناك من القصص التي تروي عن النساء وأخريات تتناول الأوضاع السياسية وهناك تلك القصص التي تتأمل العلاقات العاطفية. نساءٌ فقدنَّ الشعور بأنوثتهنًّ في مدينة مليئة بالفقدان والرغبة في فعل أشياء لا يكفُّ العقل عن تحريمها كالأرامل الباحثات عن الجنس مع رجلٍ حتى لو بمخيلتهنَّ، ومنهن من تختلس النظر لجندي حرب عائدٌ من المعركة من شرفاتٍ عارية ويسمعنَ صوت خرير الماء في الحمام وجريانها في عقولهنَ حتى تصلُ أعماقهنَ ويذبنّ نشوةً.

في نساء الدانتيل تظهرُ صورة غزة بالصورة الحقيقية كما تراها عينك لا تلك الصورة التي تردُ في صفحات الأخبار والصحفُ، حيث يأخذنا الكتاب إلى داخل النفس البشرية لهؤلاء الأرامل والشبان والأطفال والكبار اللذين يعشون فيها، موضحاً كيف تختلط آمالهم وآلامهم وتشتتهم في – مدينتهم- داخلهم. كما تحدث وخاض أكثر عن أوجاع غزة عندما عكس لنا صورة السلطة والحاكم في قصة (جرعة وقود) الذي يتاجر بآمال وآلام الشعب ويحتكر حريتهم بينما هو جالسٌ في غرفة محصنةٍ لا يخرقها الحجرُ ولا حتى الرصاص، وعن الأعوام المارة منذ ولادة ذلك الكائن الحي الذي وٌلِدَ من التراب وقام ونفض عن جسدهِ بقايا التراب العالقة وجذور من قدميه تنخلع من الأرض في قصة (ابن التراب) ليقف ويواجه حياةً كُتبت عليه قبل ولادته القيصرية تِلك، وعن المشفى الذي يعجُ بالمرضى الذين وصفهم الكاتب وهي تنطقُ الحروف ألماً في قصة (صائد الآلام) وصائد الآلام هذا الذي يقوم على خدمة المقهورين المبتورة أرواحهم, وعن الخيال الواسع والمُمتد لسنين مستقبلية عندما سافرنا مع يسري في خياله وتوقعاته لشكل العالم الجديد في غزة في الأعوام القريبة في قصة (شيفرا العودة) عندما أخطأ في قراءة الطلاسم التي تركها الجَد بعدما فارق الحياة وفجأة انتقل للمستقبل وصار يمشي وسط الدمار التي خلفته حرب ضروس مستقبلية في غزة، ليرى الناسَ تعيش مأساة جديدة كالمعتاد ولكنه بقي تائها ولم يعلم الوقت ولا التاريخ.

وأخيرا عن الحالة العاطفية التي عاشتها بعض الشخصيات في قصص المُبدع يسري الغول، كما تأملت في قصة (صدفة رأيتها) عن حرمان الشعب من السفر لتقف تلك الشخصية من خلف الزجاج بعدما قدم البطل جواز سفره ليسمع باللغة العبرية “حاكي ريقا” والتي تعني “انتظر قليلا” وينتظر قليلا وقليلا حتى يتسنى له الخروج من – بوابات السجن الكبير- غزة للخارج ويصل -دول الغرب- محط أحلامه وأحلام كل شاب يقطن في هذه المدينة، وصدفةً رآها عند نهر الراين والدموع تغمرهم متمنين أنهم يملكون مثل هذا النهر في مخيمهم، وعن غربته المليئة بالحنين والبحث عن شريك حياه يخفف من معاناة (ديب) في قصة (لقاء في يوم ماطر) حتى يلتقي ب(روان)، فعلى أنغام فيروز كان ديب يستيقظُ مُتعبا مُنهكا يذهب لدوامه ويعيش أيامه التي صارت مملة ويصارعها بسهره الطويل ودخان سيجارته التي لا تنطفئ.

نسج الأفكار العميقة لدى الكاتب كان جليًا في قصصه، ضمن إطار تدفق وتدوين الخيالات والرسائل الجريئة وفرصتها للوصول إلى أعمق نقطة في تفسير الوجع الإنساني. إبداعٌ منصهرٌ في عدة قصص كتبها الأديب المعروف يسري الغول في تحفة فنّية فريدة.