مساحة إعلانية

“العائق الذكي” جدار إسرائيلي ضخم يُخلخل التوازن البيئي في غزة

غزة/ PNN/ تقرير خاص بآفاق البيئة والتنمية

نفذّت الدولة العبرية واحدًا من أعقد مشاريعها في العقد الأخير، إذ أعلن جيش الاحتلال أخيرًا، إتمام بناء جدار يحيط قطاع غزة من ثلاث جهات محاذية للداخل المحتل، مطلقًا عليه “العائق الذكي”.

أخطر ما في هذا المشروع الضخم، الذي استغرق بنائه أربعة أعوام ونصف العام، أنه أحدث خلخلة في التوازن البيئي في محيط قطاع غزة، وتسبَّب في تدمير كبير للغطاء النباتي المتنوع قرب حدود القطاع الساحلي، وفق ما يرى مراقبون في الشأن البيئي.

كما أثَّر “العائق الذكي” على أماكن تعشيش وتكاثر الطيور والحيوانات البرية شمال وشرق القطاع، وساهم في تقليص انسيابية المياه إلى داخل القطاع المكتظ بالسكان.

ويبلغ طول الجدار الإسرائيلي 65 كيلومتراً، بتكلفة مالية قُدّرت بــ 1.1 مليار دولار أميركي.

يقول مسؤولون في حكومة الاحتلال الإسرائيلي إن الجدار أقيم تحت الأرض وفوقها، وهو مزود بوسائل تكنولوجية وأنظمة رادار وغرف مراصد، إضافة إلى حاجز بحري بهدف فصل القطاع عن التواصل مع المناطق الحدودية.
ويرى مختصون في الشأن البيئي أن الجدار يعمل على تدمير البيئة الفلسطينية وبخاصة انسياب حركة المياه، والقضاء على التنوع الحيواني، وكذلك تدمير التربة وما يترتب عليها من تدمير للتنوع النباتي وغيرها.

وجغرافيًا تحاذي حدود غزة الشرقية والشمالية الأراضي المحتلة بطول يصل لـ 60 كيلو مترًا تشمل “اليابس والبحري”، إلا أن “إسرائيل” شيَّدت الجدار على مسافة أطول من تلك الحدود.

وحسب ما يفيد هؤلاء المختصون فإن الجدار ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول الجزء السفلي “جدار تحت الأرض” ويصل إلى عمق 30 متراً، حيث ضُخّ نحو 1.2 مليون متر مكعب من الخرسانة المسلحة في الجزء السفلي منه، و140 ألف طن من الحديد، أما الجزء الثاني، فهو الجدار العلوي من “العائق الذكي” ومصنوع من الفولاذ المجلفن- يُغطى الفولاذ بطبقات من أكسيد الزنك لمنعه من التآكل – ويبلغ ارتفاعه نحو ستة أمتار، يعلوه سلك من الفولاذ يحتوي على ماس كهربائي بارتفاع 3.5 متر، أما الثالث “الحاجز البحري” فعُلوه 200 متر ويحيط به كاسر للأمواج.
ووفقاً لمصادر إسرائيلية، فإن كمية الخرسانة التي استخدمت في “العائق الذكي” تكفي لشق طريق من “إسرائيل” إلى بلغاريا، في حين أن كمية الحديد والصلب تعادل طول مقطع فولاذي يصل من “إسرائيل” إلى أستراليا.

التربة والتنوع الحيوي ضحايا

يقول المختص في الشأن البيئي م. ماجد حمادة إن “بناء الجدار أو ما يسمى بالعائق الذكي على حدود القطاع ينعكس سلبًا على الواقع البيئي في غزة لا سيما المياه الجوفية، حيث لا توجد مياه سطحية يعتمد عليها الفلسطينيون في القطاع، فيما يبقى الخزان الجوفي هو المصدر الوحيد للمياه المستعملة في الشرب والري والاستخدامات الأخرى”.

ويوضح م. حمادة أن الجدار الذي يغوص في الأرض 30 مترًا يعوق الانسياب المائي في الخزان الجوفي، ما يعنى أن المخزون المائي الجوفي المُهدد أصلاً والذي يعاني مشاكل جمة تكمن في شحّ مياهه، بات في خطر كبير.
ويواصل حديثه: “من المعروف أن اتجاه حركة المياه هي من الشرق إلى الغرب، وأن الجدار الاحتلالي يؤدى إلى دمار كبير في الخزان الجوفي المدمر أصلاً بسبب آبار السرقة المحفورة على الحدود الشرقية للقطاع التي يعمل الاحتلال على تشغيلها لسرقة مياه غزة، إذ يهيمن على مصادر المياه بنسبة تفوق 85%”.

وحذر من زيادة تدهور الحالة البيئية في قطاع غزة، بعد أن أصبح هناك تخلخل واضح في التربة، إذ لم تعد متماسكة، نتيجة عملية الحفر التي استمرت على مدار أربع سنوات ونصف.

ويشرح خطورة ما سيحدث: “كل ذلك من شأنه أن يؤدي الى زيادة ملوحة التربة الزراعية ذاتها وتغيير خصائصها الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، مما سيقلل من خصوبتها وقد تصبح قليلة الإنتاج، وبالتالي سيتأثر الإنتاج الزراعي إلى حد كبير، وذلك يستدعي إجراء المزيد من الدراسات حول هذا الجدار”.

ويلفت إلى أن الخزان الجوفي الساحلي يُعد الأكثر حساسية للتلوث في العالم نظرًا لقرب مستويات المياه الجوفية فيه من سطح الأرض، إضافة الى طبيعة ونوعية التربة معربًا عن قلقه من أن تنتقل بمرور السنوات بعض العناصر الثقيلة والنادرة المكونة للجدار إلى المياه، وتتسبب في تلوثها.

وعلاوة على ما سبق، أعاق الجدار تواصل عناصر التنوع الحيوي، بمنعه انتقال الحيوانات البرية مثل الأرنب البري والذئب الحمر وطائر الشنار وغيرهم، تبعًا لحديث حمادة.

“التصحر” هدف آخر

بدوره يقول م. بهاء الأغا، مدير عام حماية البيئة في سلطة المياه وجودة البيئة إن جدار الفصل العنصري له أثر خطير على عناصر البيئة الفلسطينية خاصة المياه الجوفية والتربة والتنوع الحيواني والنباتي.

ويضيف الأغا: “تسبَّب بناء الجدار في اقتلاع عدد كبير من الأشجار، والتي إلى جانب أهميتها الاقتصادية لها أهمية بيئية تتمثل في الحفاظ على التنوع الحيوي بنوعيه النباتي والحيواني”.

وبدوره يكرر مجددًا تحذير م. حمادة من أن الجدار الذي يضرب في باطن الأرض بعمق 30 مترًا وأكثر؛ يعيق الانسياب المائي، ما يهدد الخزان الذي يعاني مشاكل عدة.

ويؤكد الخبير البيئي أن الجدار يعمل على خلخلة التوازن البيئي في المنطقة، ويمضي في تدمير كبير للغطاء النباتي المتنوع في المنطقة، والذي يؤثر سلبًا على أماكن تعشيش وتكاثر الطيور والحيوانات البرية الأخرى.

ويشير إلى أنه بسبب الجدار أُوقف تدفق مياه الأمطار الى القطاع بواسطة المصائد التي زرعها الاحتلال وهو المتحكم بها، مردفاً حديثه: “في فصل الشتاء عمد إلى السماح بتدفق المياه من جهة واحدة، ولم يترك لها الانسياب بالشكل الطبيعي، ما أدى الى إغراق المنطقة الزراعية المستهدفة وتدمير المحصول الزراعي”.

وقال إن “الجدار أدى الى تخلخل في التربة، وزيادة ملوحتها في إثر قطع الكثير من الأشجار وهو ما يعرّضها للتصحر”.
وشدد م. الأغا على أن الاحتلال يعمل بوضوح على تصحر المنطقة وتكبيد الفلسطينيين خسائر فادحة، ويتجلى ذلك في استهدافه المزروعات الحقلية في المنطقة المجاورة للجدار برّشها بالمبيدات الحارقة.

مخاطر اشعاعية ورش المبيدات

عن المخاطر التي تهدد البيئة بسبب الجدار، يحدثنا الخبير في شؤون البيئة م. نزار الوحيدي أن أولاها تتمثل في قطع التواصل البيئي بين قطاع غزة والداخل المحتل، مبينًا: “سينتهي الحال إلى خلق واقع جديد مخالف لطبيعة التربة جراء الحفر وضخ المواد الإسمنتية، ونخشى أن يكون الاحتلال قد استخدم أنظمة كهربائية وأخرى إشعاعية ووضع مجسات نيترون وهي خطيرة جدًا”.

ويقول الوحيدي إن تقييد الحركة زاد من نمو المزروعات في المنطقة، ونتيجة لذلك عمد الاحتلال إلى استخدام المبيدات، ما يؤدي إلى قتل التربة والكائنات الحية والنباتات، وهي مواد مجهولة التركيب.

ولفت إلى أن عملية الرش تتم حينما تكون الرياح شرقية، حيث رُصد رذاذ المبيدات في مناطق بعيدة جدًا عن الحدود، وسُجّلت أمراض رئوية وتسمم في مناطق بعيدة عن السياج الفاصل.

وزاد قائلًا: “بطبيعة الحال احتمال وصوله إلى الخزان الجوفي قائم، وكذلك تلويث التربة، كما أن بعض المبيدات التي تُرّش تدخل في أنسجة النبات، وقد تصل للسلسلة الغذائية عبر الحيوانات الرعوية، وهو واقع مرفوض بكل المقاييس”.

وشدد على ضرورة إعداد دراسات حول خطورة الجدار وآثاره على البيئة الفلسطينية على المدى القريب والبعيد، مضيفًا: “من المؤكد أن عمق الجدار يؤثر على الخزان الجوفي؛ خاصة وأن المياه المنسابة إلى قطاع غزة محصورة في المنطقة الأعلى من 30 مترًا وبالتالي يمنعها من الدخول”.

بدوره يحمّل مازن البنا المدير العام لوحدة التخطيط والتوعية بسلطة جودة البيئة، الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أزمة المياه في القطاع، وبالأخص عن عدم تدفق المياه السطحية في موسم الأمطار عبر الأودية المختلفة كوادي غزة وبيت حانون والسلقا، ومنعه تدفق الجريان السطحي لمياه الأمطار وذلك بإنشائه الجدار الأمني الإسمنتي على طول الحدود، ما يؤدي إلى تقليص كميات المياه المغذية للخزان الجوفي في قطاع غزة، تبعًا لقوله.

ويأسف لما وصفه بــ “حال الاستنزاف الخطير” الذي وصل إليه الخزان الجوفي الساحلي الوحيد، ذا القدرة الطبيعية المحدودة، الذي يلبي أكثر من 90 % من الاحتياجات المائية لسكان قطاع غزة، بسبب الضخ الجائر.
مشيرًا إلى أن من نتائج هذا الاستنزاف الانخفاض المستمر لمناسيب المياه الجوفية في معظم المناطق الجغرافية للقطاع وبمعدلات عالية نسبياً.