مساحة إعلانية
مساحة إعلانية

فهم، يفهم، مش فاهم: في نقد الخطاب التقدمي بقلم نضال العيسة

ان من أصعب التحديات الدائمة التي تواجه العاملين في مجال العدالة الإجتماعية، والذين يتصفون عادة بالتقدميين هي ايصال الرسائل للجمهور. فبالرغم من كل الإعلانات والبيانات التي تدعو لمحاربة التمييز او العنف ضد المرأة او اقرار قانون عادل للضمان الاجتماعي او محاربة عدم التوازن في الثروة بشكل هيكلي لم تحظ هذه الافكار – والتي تبدو مزينة بالورود – بالزخم الشعبي الذي يحولها الى واقع. بل ان الحقيقة في الكثير من الاحيان ان الجهود التقدمية ولّدت او لم تستطع منع ردة فعل حادة في الاتجاه المعاكس. من وجهة النظر التقدمية ان هذا الواقع محبط بعمق ومحير بنفس العمق. فلماذا إذا كان سعي الفكر التقدمي والتقدميين هو الدفاع عن الفقراء والمسحوقيين وذوي الحقوق الضائعة في مجتمعات تمتلئ بمثل هؤلاء –كما يمتلئ مجتمعنا- تمنى الجهود برفض نفس الفئات للافكار التي تسعى لخدمتهم؟

يقول الحكماء، بل ان البعض نسب القول للنبي محمد، خير الكلام ما قل ودل، انا من محبي هذه العبارة ولكني اضيف لها ان خير الكلام ما قل ودل وخدع ! فبالرغم من حب معظم المستمعين –والقراء! – للكلام المعبر المقتضب الا ان هذا النوع من الخطاب يكون غير وافٍ بطبيعته بل عن قصدٍ وبحسب تصميمه. فالكثير من هذه الانواع من الرسائل تختزل معاني الحقيقية في كلام واضح اللفظ يبدو واضح المعنى على عكس الحقيقة. الخطاب المحافظ (كلمة محافظ هنا لا تعني التديين بالضرورة بل تعني كل من يسعى الى استمرار الوضع الراهن سواء نظام الحكم أو البنية المجتمعية او منظومة الحقوق او غيرها) يحترف هذا النوع من الرسائل. فرسائله قصيرة واضحة تخبئ الكثير من معانيها بين السطور والكلمات والحروف وتدعو هذه الرسائل عادةً الى رفض التغيير. وفي الكثير من الحالات يزين هذا الخطاب الماضي ويدعو الى التشبث به ورفض التغيير بل يدعو الى شيطنة المغيرين. ومن استراتيجيات هذه الخطاب ربط اي تغيير بالفكر الغريب على المجتمع الذي يخاطبه، او مساواة التغير بالإبتعاد عن ماضٍ جميل مألوف على عكس حاضرٍ مخيب او مستقبل مقلق.

يعاني الخطاب التقدمي العالمي –والفلسطيني بلا شك- من المعضلة المعاكسة تماما لهذه. فالخطاب التقدمي بطبيعته ايضا مليء بالتحدي للعرف او الرأي السائد وهو ايضا مليء بالتعليلات والاسباب والافكار التي تكون في معظمها جديدة او غير مألوفة وهذه الافكار بذلك تكون مزعجة في بعض الاحيان وقد تشكل نوعا من العنف الفكري كما وصفها مهدي عامل، وكل هذه الصفات تجعل هذا الخطاب أكثر عسرا للهضم واصعب لنقل وحشد الزخم.

من الامثلة المعبرة عن هذا النوع من التباين بين الخطابين ونجاعتهما خطاب الحد من انتشارالسلاح في الولايات المتحدة الامريكية، حيث تقوم حجة التقدميين الامريكيين في هذا الموضوع على حقائق متعددة منها ارتفاع نسبة عمليات القتل الجماعي في امريكا بشكل وبائي بالمقارنة مع الدول المتطورة اقتصاديا بنفس الشكل في العالم “الحر”، والقوة المفرطة للوبي صانعي السلاح، وعدم الحاجة لهذا الكم والنوع من السلاح في ايدي العامة. اما حجة المحافظين فتقوم على رغبة امتلاك السلاح للدفاع عن النفس (حجة يمكن اضعافها اذا اختفى السلاح اصلا)، ومحاربة السلطة اذا تجبرت (من اغرب الحجج والمواقف في الايدلوجية العالمية وهي تنبع من عدم ثقة الكثير من الامريكيين بمفهوم الدولة الحديث الذي يبنى على احتكار الدولة لوسائل العنف داخل اراضيها)، واهم الحجج هو حماية التعديل الثاني للدستور الذي ينص على حق المواطنين في حمل السلاح (وهو تعديل يبلغ من العمر اكثر من 231 سنة لحماية الافراد وولد في عالم خالي من ادوات الصرف الصحي حتى، ناهيك عن اجهزة الشرطة او مكتب التحقيقات الفدرالي). ورسالة التقدميين الامريكيين مبنية على عرض الحجج التي ذكرتها في دعم موقفهم وفي دحض موقف المحافظين. اما هؤلاء فرسالتهم هي “قل لا فقط” اي قل لا لأي قانون قد يحد من قدرة المواطن على امتلاك السلاح.

هذا الفرق الواضح بين قوة الحجة التقدمية وضعف قدرة التقدميين على ايصال الرسالة وبين ضعف حجة المحافظين وقدرتهم على نقل رسالتهم (بالاضافة الى عوامل امريكية صرفه تحدثت عنها بإسهاب في مواقع اخرى) قد ساهم بشكل كبير في عرقلة الاجندة المنطقية جدا للتقدميين الامريكيين.
وتتكرر هذه الصورة في مواقع أخرى من انحاء العالم وتبدو جلية في المواقف من التلوث والنفط والتأمين الصحي الوطني، حيث فشل التقدميون الالمان من خفض نفقة السكن في المدن الكبرى مثلا حيث حاولوا عرض افكار تهدف لتغيير بنية الدخل او توزيعه اومساعدة ذوي الدخل المحدود لكن افكارهم اصطدمت بقدرة المحافظين على حصر النقاش في ضرورة الحفاظ على حرية السوق وليكن الطوفان.

في فلسطين لم تستطع كل المؤسسات التي تدعو للعدالة والعدالة المبنية على النوع الإجتماعي اقناع المواطن بحججها في موضوع سيداو مثلا (هذا تبسيط مبالغ فيه للمعضلة ولكن وجب ذلك للإقتضاب) لأن الرسالة معقدة وثورية في كثير من تفاصيلها اما رسالة المحافظين فبنيت على معاداة سيداو والداعيين لها، والدفاع عن الدين والشرف والعرف. ولعل المثال الاكثر تمثيلا لهذه الظاهرة هو قانون الضمان الاجتماعي الفلسطيني حيث ثار الكثير من عمال فلسطين ضد فكرة الضمان بطريقة تتعارض مع تاريخ النضالات العمالية العالمية في هذا المجال. يمكن تسبيب فشل النظام في فلسطين بالكثير من الاسباب التي ترتبط بعدم ثقة المواطن بمؤسسات الدولة او لأسباب دينية او صرعات سياسية بين ذوي النفوذ او تجنيد بعض رؤوس الاموال الفلسطينين لعمالهم لمعاداة القانون بترهيبهم ليقفوا ضد قانون وجد اساسا لحمايتهم (بالطبع يوجد الكثير من التحفظات على محتوى القانون تقنيا وفلسفيا وقد قامت الكثير من المؤسسات الاهلية الفلسطينية بتلخيصها).

ولكن العجيب في الامر ان لفظ الضمان الاجتماعي في فلسطين اضحى لفظا بذيئا ولا يستطيع سياسي ان يبدي دعمه للقانون خوفا على شعبيته. فكيف باستطاعتنا ان نرفض قانون تقدميا صنع لحماية العمال حول العالم؟ لقد استخدم معارضو القانون التكتيك نفسه الذي يستخدمه المحافظون في كل العالم (من ضمن جهود اخرى) وهو ربط القانون بمعاداة الدين وهي رسالة يسهل التسويق لها في حين ان الرسالة التقدمية الداعمة لفكرة القانون (والتي قد تتحفظ على بعض فقراته) فشلت في الوصول الى الجمهور، فقول كلمة “لا” اسهل كثيرا من ان نقول ان “القانون بحاجة ل 36 تعديلا هذه تفاصيلها…الخ. ولكننا مع فكرة ضمان اجتماعي عادل” .وبغض النظر عن الحجج المقدمة فإن الرسائل متباينة في درجة وضوحها وحدتها وسهولة نقلها.

ومن الاهمية بمكان ان نذكر هنا، ان تقزيم الرسائل السياسية بشكل عام لتصبح بحجم لقمة يسهل بلعها قد يشكل خطر تحولها الى خطاب شعبوي. ولا أعنى هنا خطابا شعبويا اي قريبا من الشعب بل خطابا يعامل الشعب كرعاع وغوغاء يمكن السيطرة على تصرفاتهم عبر رسائل بسيطة تلامس مشاعرهم. ولكن لا يمكن ايضا ان نواصل حصر النقاش التقدمي على النخب في التصور والعرض والخطاب والجمهور، فهذه الرسائل والأهداف مصممة للشعب وللناس وليست للنخب. النخب لا تصنع التغيير وحدها خصوصا إذا انسلخت فكريا ولغويا وخطابيا وطبقيا عن من تحاول الحديث بإسمهم.