تويتر وروايات المستضعفين

شادي أبو عياش

مرة اخرى يثبت موقع تويتر انه عنصر فعال في توجيه النقاش العام نحو زوايا غابت او غيبت عن محتوى التغطية الاخبارية لوسائل الاعلام الغربية. فالطريقة اللافتة التي استطاع بها نشطاء تويتر من داخل الولايات المتحدة وخارجها لفت الانظار للتقصير الاعلامي الامريكي في تغطية جريمة قتل الطلبة الأمريكيين المسلمين من اصول عربية في ولاية كارولاينا الشمالية على يد جارهم المناهض للأديان قبل عدة ايام، تشكل مثالا اضافيا للدور المتنامي لمواقع التواصل الاجتماعي في التأثير على المشهد الاخباري-المعلوماتي.

ورغم الجدل المتواصل حول تعريف مواقع التواصل الاجتماعي بين من يرى فيها اداة فعالة تسهم في انخراط الجمهور بشكل أكبر في النقاش العام عبر طرح روايات مختلفة عما تطرحه وسائل التلفزة الرئيسة، وبين من يعتبرها اداة تجارية تعتبر مستخدميها وبخاصة بياناتهم الشخصية منتجا يمكن بيعه للشركات الربحية المعلنة وكذلك للحكومات المعنية بجمع أكبر قدر من المعلومات عن مواطنيها لأغراض أمنية، فان دورها كأداة اتصال نشطة بين افراد المجتمع لاسيما نشطاء الحركات الاجتماعية آخذ في التطور.

جريمة قتل ضياء بركات وزوجته يسر أبو صالحة وشقيقتها رزان على يد جارهم في كارولاينا الشمالية، وما سبقها من حادثة مقتل الشاب الامريكي-الافريقي مايكل براون على يد ضابط شرطة وهو اعزل في مدينة فيرغسون بولاية ميزوري الامريكية العام الماضي، وكذلك مجريات العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة الصيف الماضي، تعد أمثلة على القدرة المتزايدة لنشطاء تويتر على تحدي الرواية الاعلامية لمحطات التلفزة الغربية، وأن سعيهم المستمر في تسليط الضوء على جوانب مغيبة للحقيقة وضعت محطات التلفزة هذه في مواقف غير مريحة اضطرتها الى تلمس هذه الجوانب في تغطيتها لتلك الاحداث.

فبعد مقتل ضياء ويسر ورزان، انتشر بشكل لافت على موقع تويتر هاشتاغ #MuslimLivesMatter (حياة المسلمين ذات أهمية) كرد فعل لتباطؤ كبرى محطات التلفزة الامريكية في تغطية الجريمة والامتناع عن وصفها بالعمل الارهابي-كما هو الحال عندما تسارع هذه المحطات لنقل اخبار الحوادث التي يكون المتسبب فيها مسلما-، او بالجريمة العنصرية التي تأتي في اطار نمو ظاهرة “إسلاموفوبيا” / الخوف من الإسلام في الولايات المتحدة.

ورغم مسارعة محطات البث الرئيسية لتبني التقرير الاولي للشرطة المحلية الذي اعتبر ان الدافع وراء الجريمة ربما يعود لخلاف على موقف السيارات، الا ان الانتقاد الواسع الذي لاقته هذه النظرية واستمرار نشطاء تويتر في التشكيك بحيادية وسائل الاعلام الرئيسية واتهامها بالتقليل من قيمة حياة المواطنين الامريكيين المسلمين، اضطرت العديد من هذه المحطات الى تسليط الضوء ولو بشكل بسيط على امكانية ان تكون هذه الحادثة جريمة كراهية، بل اشار بعضها بشكل صريح الى ان “حياة المسلمين تهم” كما فعلت محطةMSNBC التي عنونت بهذه الكلمات متابعتها للجريمة خلال اليومين الماضيين.

وكان لنشطاء تويتر دور مماثل خلال التظاهرات التي شهدها الشارع الامريكي على خلفية مقتل الشاب براون في فيرغسون في آب الماضي. فقد برز في تويتر هاشتاغ BlackLivesMatter# كرد الكتروني تطور الى احتجاج في الشارع على عنف الشرطة بحق المواطنين الامريكيين من اصول افريقية. وساد الانتقاد لوسائل الاعلام الرئيسية التي تجنبت توصيف الجريمة في إطار عنف المؤسسة الامنية ضد الشبان السود، كما هو الحال في العام 2012 عندما قتل رجل امن الشاب الامريكي من اصول أفريقية رايفون مارتن في ولاية فلوريدا.

وكذلك الامر خلال الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة، حيث برز هاشتاغ GazaUnderAttack# لفترة طويلة كعنوان لمن يبحث عن معلومات حول الحرب على قطاع غزة. حينها أحدث نشطاء تويتر وفرة في المعلومات عن معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة واظهروا فظاعة حجم الخسائر الفلسطينية جراء الحملة العسكرية الإسرائيلية، الامر الذي انعكس بشكل مباشر على كم المشاركين في الفعاليات التضامنية مع الشعب الفلسطيني في مدن اوروبا والولايات المتحدة، واسهم في زيادة النقد للتغطية الاخبارية لشبكات التلفزة الغربية المتبينة للرواية الاسرائيلية.

تأطير الرواية الاخبارية

ولان تشكيل الرواية الاخبارية لوسائل الاعلام يخضع لعدة عوامل أبرزها الخلفية السياسية والفكرية والاجتماعية للصحفيين وللخط التحريري لمؤسساتهم الصحفية ولمصادر معلوماتهم وكذلك تسهم الثقافة السائدة في تقبل هذه الرواية، فان هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على مجرى عملية “التأطير الاخباري” التي تنتج المادة الاخبارية للجمهور. وتشتمل عملية “التأطير” بحسب تعريف استاذ الاتصال السياسي الامريكي روبرت انتمان على عدة عناصر هي تحديد المشكلة ومسببيها وتقديم تقييم اخلاقي للقضية وطرح حلول لها، فيما تساعد في تشكيل عملية التأطير هذه أدوات تتسلسل في ثنايا القصة الاخبارية تتمثل في استخدام شعارات واستعارات وصور وشروحات والاستعانة بأمثلة سابقة ان لزم الامر.

والمهم أيضا في هذه العملية لا يكمن فقط فيما يستخدم من هذه العناصر لتدعيم القصة الاخبارية، بل ما يغيب من اوجه اخرى للخبر بشكل مقصود. وهنا يأتي دور وسائل التواصل الاجتماعي التي مكنت المواطن غير الصحفي من ان يقدم عبر موقع مثل تويتر رواية اخبارية تختلف اطرها وربما تتعارض مع الاطر الاخبارية للمحطات التلفزة الرئيسية.

ولا اجزم هنا ان الانتشار الواسع لـ #MuslimLivesMatter و #BlackLivesMatter و #GazaUnderAttack قد احدث تغييرا جذريا في الخط التحريري لكبرى وسائل الاعلام الغربية لا سيما الامريكية منها تجاه قضايا الاقليات العرقية والدينية في امريكا او تجاه قضية فلسطين، الا ان هذه الامثلة قد تؤشر الى ان فعالية مستخدمي شبكات التواصل في نقل روايات مختلفة للأحداث قد تسهم في احداث تغيير في الثقافة الاخبارية السائدة لدى الجمهور الغربي التي يركن اليها الصحفيون في عملية تأطير الاخبار.

صحيح ان سطوة محطات التلفزة الاخبارية الرئيسية على المشهد الاخباري العالمي واستحواذها على نصيب الأسد من المشاهدين يمكنها من الاستمرار في التأثير بشكل كبير على تشكيل الرواية الاخبارية السائدة، الا ان تفاعل الجيل الشاب في الشرق والغرب مع مصادر معلومات بديلة توفرها مواقع الانترنت واستخدام هذا الجيل لمنصات التواصل الاجتماعي لتقديم رواية مختلفة بشكل لافت، يدفع المشهد الاعلامي بشكل متسارع نحو حالة تتقاسمه فيه رسالتين اعلاميتين رئيسيتين تحكمهما اطر اخبارية متضاربة، احداهما تعبر عن مصالح النخب السياسية والاقتصادية والاخرى تعبر عن الحقيقة من منظور الشارع.

Print Friendly