الشريط الاخباري

حين يعاقِب الاستعمار الضحية مرتين عيسى قراقع

نشر بتاريخ: 11-01-2026 | أفكار
News Main Image

قرار تقليص إعانات الاسرى والشهداء والجرحى أو وقفها وتحويلها إلى ملف اجتماعي وفق معايير غربية منزوعة من السياق الوطني، هو تنازل عن الشرعية النضالية لصالح المعايير والضغوط الخارجية والابتزاز السياسي.

الذي يجري ليس مجرد إجراء مالي اداري، وانما محاولة خطيرة لتجريم نضال وكفاح الشعب الفلسطيني من أجل الحرية وتقرير المصير، ونزع الاعتراف السياسي والقانوني بتضحيات الاسرى والشهداء، وتجريدها من سياقها التحرري، لإعادة صياغتها كحالة فقر وهشاشة اجتماعية.

لا يكتفي الاستعمار الصهيوني بأن يصنع الضحية، بل يلاحقها حتى في حقّها بالبكاء والتعبير، ولا يكتفي بأن يملأ السجون، بل يريد أن يفرغ الذاكرة من معنى السجن، وأن يحوّل الأسير من مناضل إلى عبء، ومن شاهد على الجريمة إلى متّهم بحاجة إلى إعادة تأهيل أو شهادة براءة، هنا تصبح الإعانة ذلك الفعل الإنساني البسيط ساحة صراع:

هل هي حقّ اجتماعي ووطني وواجب اخلاقي؟ أم مكافأة سياسية مشروطة بالطاعة والاستسلام؟

ما يجري مع إعانات الاسرى والشهداء والجرحى، ليست شفافية ولا اصلاح، بل محاولة لإعادة تعريف الضحية من ضمير حي إلى اشكال قانوني واجتماعي ومعاقبتها مرتين، وفي المنظور الاستراتيجي غسل يد الاحتلال من الدم الفلسطيني، وتبييض جرائمه المتواصلة، وترك الضحايا بلا حماية.

في السياق الاستعماري، لا تُمنح الإعانات للضحايا بوصفهم ضحايا، بل يُعاد تعريفهم وفق قاموس المحتل:
الأسير ليس أسيرًا، بل "مخرّب".
الشهيد ليس شهيدًا، بل "إرهابي".
والعائلة التي تتلقى دعمًا ليست عائلة منكوبة، بل "حاضنة للعنف".

بهذا المعنى، فإن منع إعانة الأسرى أو اشتراطها ليس إجراءً ماليًا، بل أداة استعمارية ناعمة، تكمل ما عجز عنه السلاح، فحين يُحرَم المجتمع من تكريم ضحاياه، يُدفع تدريجيًا إلى إنكارهم، ثم إلى الخجل منهم، ثم في المرحلة الأخطر إلى إدانتهم.

الاجراءات الجارية الآن تؤدي إلى تعقيم الظلم وإعادة وصف الأسير، ليس كأسير حرب، ليس مناضل حرية، ويعاد توصيف الارض، ليست أرضا محتلة، بل ارض الميعاد والتوراة.

تسعى حكومة الاحتلال إلى شيطنة نضال وكفاح الشعب الفلسطيني ومشروعيته القانونية والإنسانية التي اقرتها كافة القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ونزع المكانة القانونية عن ضحايا الاحتلال والمناضلين الفلسطينيين بصفتهم محاربين قانونيين من أجل الحرية والكرامة، ومحميين وفق الشرائع الإنسانية

الاستعمار الصهيوني لا يقتل فقط الفلسطيني، بل ينتج صورا ولغة الغائية ومشوهة عنه: المتوحش، القبيح، البدائي، العدواني، المتخلف وغيرها من الأنماط السلبية، الفلسطيني يعاد تخييله كي يصبح قابلا للسجن والموت والفناء.

لا يوجد مقابل الكرامة الا الكرامة، ولا يوجد شعب في الدنيا يسمح لأي كان أن يمس الرمز الوطني كعنوان للحرية والهوية والمقاومة، والشعب الفلسطيني هو شعب الاسرى و الشهداء والجرحى منذ النكبة حتى الان، باسمهم قامت الثورة، وباسمهم انفجرت الانتفاضات، وباسمهم صار لنا كيانا سياسيا عالميا، وباسمهم كتبت الروايات والقصائد والحكايات، وباسمهم كانت الوظائف والمناصب والشعارات، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الذاكرة الفلسطينية المعاصرة هي ذاكرة مواجهات وتضحيات، فإذا غاب الشهداء والأسرى من الرواية يتفكك التاريخ ويتحول إلى غبار تحت جنازير الدبابات والسرديات الصهيونية.

الاستعمار الصهيوني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة هندسة الأخلاق والقيم والمبادئ وتأديب الارادة، 
يريد أن يقول للفلسطيني:

يمكنك أن تكون فقيرًا، لكن لا تكن مقاومًا.
يمكنك أن تتألم، لكن لا تمنح الألم معنى.
يمكنك أن تبكي ابنك الشهيد لكن إياك أن تفخر به.

يمكنك أن تمشي في جنازة ولكن لا ترفع صورا،
يمكنك أن تعيش في زنزانة ولكن لا ترسم شباكا يطل على المستقبل.
يمكنك أن تنام ولكن لا تحلم بفجر بلا مداهمات وكوابيس.
يمكنك أن تحيا ولكن داخل حدود الأسلاك الشائكة.

حين تُحوَّل إعانات الأسرى إلى مؤسسة "مكين" بلا مرجعيات ومفاهيم وطنية، أو يعاد تدويرها وتحويرها، لا يكون السؤال إداريًا فقط، بل وجوديًا:

هل الأسير حالة اجتماعية أم قضية تحرر؟
هل الدعم اعتراف بالتضحية أم محاولة لتحييدها من معناها السياسي؟

هل الأسير او الشهيد مجرما ام صاحب قضية؟

في هذا المنطق الملتبس يصبح الأسير عبئا إداريا لا شاهدا سياسيا، وتتحول اعانته من فعل اعتراف جماعي بالتضحية إلى بند مالي خاضع للمساءلة الدولية، وهنا يظهر السجن كحادث عارض لا كمنظومة قهر مؤسسي، والقتل الجماعي أضرارا جانبية لا كمنهج إبادة متعمدة وتطهير عرق في التجربة الاستعمارية العالمية من الجزائر إلى جنوب أفريقيا، سعى المستعمِر دائمًا إلى فصل الضحية عن سرديتها: أن يطعمها دون أن يسمح لها بالكلام.
أن يعالج الجرح شرط ألا تُسمّي من طعنك.
أن يدفع لك ثمن الصمت، لا ثمن الفقد.

أن تعيش ولكن داخل السياج وفي المعزل وتحت المراقبة، المجتمعات الواقعة تحت الاستعمار تفهم بالفطرة التاريخية أن الإعانة ليست صدقة، بل جزء من عقد أخلاقي جماعي، وجزء من المقاومة وتعزيز الصمود الاجتماعي والنفسي في ظل الخراب الشامل للمجتمع الفلسطيني، بسبب ممارسات الاحتلال وجرائمه الجسيمة.

نحن نعتني بأسرى الحرية وعوائلهم لأنهم حملوا عنا العبء، وضحوا بأعمارهم من أجل أن نعيش بحرية وكرامة وشرف وكبرياء وسيادة، ونحتضن أولادهم وأطفالهم لأن السجن لم يكن اختيارا فرديا، بل نتيجة موقف جمعي ونهضوي وثقافي وتحرري وانساني، وتمردا طبيعيا على الظلم والنهب والطغيان.

لقد عم الاستياء والغضب في الشارع الفلسطيني وطرحت الكثير من الاسئلة حين مست إعانات الأسرى والشهداء والجرحى، وخضعت للمساومة السياسية، ولإعادة صياغة التعريفات الوطنية، الغضب الشعبي ليس على المال، بل على المعنى المحفور بالقيد في زنزانة، وعلى الدم الذي يسيل في شوارع الضفة المحتلة وغزة، ليس خوفًا من الفقر، بل خوفًا من إعادة تعريف الكرامة بشروط العدو.

المفارقة أنه في الوقت الذي تجري فيه إبادة طاحنة على أرواح الاسرى بالسجون، وآلاف الشهداء ارتقوا في غزة وسحقت أجسادهم بالقنابل والصواريخ ودفنوا تحت الحطام، عائلات كاملة مسحت من الوجود، وقانون المشنقة للأسرى يتوعدهم في تل ابيب، لتكتمل المأساة بالرضوخ للاشتراطات الخارجية والتي تكاد تدفعنا إلى محاكمة تضحياتنا بدلا من محاكمة مجرمي الحرب، أنها هندسة الإبادة فكريا، قيميا، ثقافيا: إبادة الجسد في غزة، تفريغ النضال من معناه في السجون، وتحويل الضحية إلى حالة إنسانية صامتة، والتاريخ الى ارشيف بارد.

في النهاية، يريد المحتلون في حربهم على الوطنية الفلسطينية ضحية بلا ذاكرة، وأسيرًا بلا بطولة، وشعبًا يعيش على الإعانات والمساعدات بشرط أن ينسى لماذا صار محتاجًا إليها أصلًا، إدارة الالم بدل الاعتراف بالحق، التطبيع مع العنف وتحويله إلى لغة يومية، اعتذار الضحية من القاتل، اما الشعوب التي تقاوم، فهي تفهم أن أخطر أشكال القمع ليس القيد في اليد، بل القيد في الرواية.
الضغط على إعانات الاسرى والشهداء هو جزء من مشروع أوسع: مشروع إنكار الاحتلال لنفسه كمحتل، فمن يعترف بالأسير يعترف بالسجن، ومن يعترف بالشهيد يعترف بالقتل، ومن يعترف بالإعانة يعترف بأنه دمر شعبا وترك جروحا في كل بيت.
ان إعانة عوائل الاسرى والشهداء قبل أن تكون رقمًا في ميزانية هي إعلان بسيط وعميق:
نحن نعرف من هو الضحية، ومن هو الجلاد.

شارك هذا الخبر!