الشريط الاخباري

في عتبة الثامن من آذار بقلم لوسي ثلجية

نشر بتاريخ: 07-03-2026 | أفكار
News Main Image

في عتبة الثامن من آذار، لا نحتفل بالمرأة الفلسطينية بعبارةٍ منمّقة ولا بصورةٍ عابرة؛ نحتفل بها لأنها ما زالت تُمسك الحياة من طرفها الحادّ، وتمشي رغم كل شيء وكأنها تعرف أن الغد لا يُهدى، بل يُنتزع انتزاعًا. المرأة الفلسطينية ليست حكاية صمود فقط. هي عقلٌ يوميّ يُدير الأزمة، وكتفٌ يحمل العائلة حين يغيب المُعيل، ويدٌ تُرمم ما تهدّم، وصوتٌ يحاول أن يبقى واضحًا وسط ضجيج السياسة، وخشونة الاحتلال، وثقل العادات.

وفي هذه البقعة التي تُختبر فيها إنسانيتنا كل يوم، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للمرأة أن تُشارك؟ بل: كيف سمحنا لأنفسنا أن نؤجل حقًا هو أساس السياسة: أن يكون نصف المجتمع حاضرًا في نصف القرار؟ إحصائية مهمة: تشكّل النساء حوالي نصف المسجلين في سجل الناخبين للانتخابات الفلسطينية لعام 2021، إذ بلغ عددهن نحو مليون ومئتان وسبعة وأربعون ألف امرأة ما نسبته 49% من إجمالي الناخبين ومع اقتراب الانتخابات المحلية في 2026، يظهر الامتحان بأوضح صوره: هل تتحول المرأة من اسمٍ في قائمة إلى قائدةٍ في مجلس؟ هذا الاستحقاق يأتي بعدما أكدت وزارة شؤون المرأة أهمية الانتخابات المقبلة وأهمية توفير بيئة آمنة وداعمة للنساء المرشحات والناخبات والموظفات من أجل تعزيز مشاركتهن في صنع القرار  الفرق بين الاثنين ليس فرقًا لغويًا. الاسم قد يُستدعى لملء خانة، ولتجميل صورة، ولتخفيف نقدٍ دوليّ أو ضغطٍ حقوقي. أما القائدة فتدخل المجلس وهي تعرف أن البلدية ليست مقعدًا، بل مصير: ماءٌ ينقطع، شارعٌ يُحاصر، نفاياتٌ تتراكم، مدرسةٌ تُهمل، امرأةٌ لا تصل إلى خدمةٍ لأنها خجلت من بابٍ يصدّها، أو لأن الطريق نفسها صارت سؤالًا أمنيًا. الاحتلال يضع على المشاركة السياسية عوائق لا تحتاج كثير شرح: حركةٌ محكومة، جدارٌ يعزل التجمعات عن بعضها، واعتقالات طالت حتى بعض المرشحين والمرشحات؛ فقد وثَّقت لجنة الانتخابات المركزية أن سلطات الاحتلال فرضت قيودًا على حرية التنقل، وبنت جدار الفصل، واعتقلت عددًا من المرشحين في محطات انتخابية سابقة، كما اعتُقلت مرشحة قائمة غادة أبو ربي في القدس خلال تحضيرها للانتخابات التشريعية عام 2021. لكن الحقيقة الأشد مرارة أن بعض العوائق تسكن بيننا: عقلٌ عشائريّ يفضّل الوجاهة على الكفاءة، وخطابٌ اجتماعيّ يبني للمرأة قفصًا محترمًا اسمه البيت، ويستكثر عليها أن تكون صاحبة قرار خارج الجدران. ثم نطلب منها بسذاجة قاسية أن تثبت نفسها وحدها، وكأنها تدخل الحلبة بأرضٍ عادلة وقواعدٍ متساوية.

تحدٍ آخر: تُشير تقارير الأسرى إلى وجود ما يزيد عن 50 أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال في مطلع عام 2026، وذلك بعد ارتفاع عددهن من 26 أسيرة في مارس 2025 إلى 49 أسيرة في يونيو 2025، ما يوضح أن الاحتلال لا يستثني النساء من الاعتقال ويُضيف عائقًا آخر أمام مشاركتهن السياسية. في البلديات والقرى، تُختزل السياسة غالبًا إلى شبكات نفوذ: عائلةٌ أوسع، مالٌ أكثر، قدرةٌ أعلى على الحشد، وحضورٌ ذكوريّ يتعامل مع المجلس المحلي كامتدادٍ للمضافات لا كمساحة حكمٍ رشيد. وفي هذا المناخ تُواجه المرشحة حملتين معًا: حملة لكسب أصوات الناس، وحملة للدفاع عن حقها في الظهور أصلًا صورةً واسمًا وخطابًا وجرأة. هنا تصبح الكوتا، مهما اختلف الناس حولها، ليست ترفًا ولا تمييزًا عكسيًا، بل حدًا أدنى لتصحيح خلل تاريخي. لقد حدد القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025، الذي ينظم انتخابات مجالس الهيئات المحلية، حدًا أدنى لوجود النساء في القوائم الانتخابية؛ إذ يجب أن تضم القائمة ثلاثة نساء على الأقل في البلديات ذات 11 مقعدًا وأربع نساء في البلديات ذات 13 أو 15 مقعدًا، وأن يضم المجلس نفسه ما لا يقل عن امرأتين في المجالس المكونة من 9 مقاعد وثلاث نساء في المجالس المكونة من 11 مقعدًا وأربع نساء في المجالس الأكبر. وفي حال لم يحقق توزيع المقاعد النهائية هذه النسبة، يُستبدل آخر الفائزين من الرجال بأول الخاسرات من النساء حتى يتحقق الحد الأدنى. واقع المشاركة: وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شكلت النساء 26% من أعضاء المجالس المحلية في الضفة الغربية عام 2023، في حين لم تتجاوز نسبة النساء رؤساء الهيئات المحلية 1%، كما بلغت نسبة الترشح النسائي في الدورات السابقة نحو 26% (1551 مرشحة من أصل 5978 مرشحًا)،

وترأست النساء تسع قوائم انتخابية. وتظهر البيانات نفسها أن النساء يشغلن حوالي 14.9% من وظائف الدرجة العليا في القطاع العام. لكن الكوتا وحدها لا تصنع قيادة، ما يصنع القيادة هو أن نمنح المرأة الأدوات والحقائق والحيز الآمن: تدريبٌ انتخابي مبكر، مواردٌ شفافة للحملات، حمايةٌ من التشهير والعنف، إعلامٌ يضيء على البرامج لا على العيب، وأحزابٌ ونخبٌ تتوقف عن استخدام النساء كزينة سياسية ثم تركهن وحدهن تحت الضغط. المرأة الفلسطينية حين تترشح لا تحمل برنامجًا انتخابيًا فقط؛ تحمل خبرة ميدانية في إدارة الأزمات لا تُدرّس في قاعات البلديات. هي تعرف تفاصيل الحياة الصغيرة التي تُهملها السياسة الكبيرة: كيف يُترجم قرارٌ إداري إلى كرامةٍ أو إذلال، وكيف تكون الخدمات المحلية الماء، الكهرباء، المواصلات، النظافة، التخطيط لغة يومية للعدالة أو عنوانًا للتمييز.

 ولهذا، المطلوب في 2026 ليس أن نرفع عدد النساء فحسب، بل أن نرفع جودة حضورهن: أن نضعهن في مواقع الصدر، في لجان التخطيط والمالية، في رئاسة اللجان الحاكمة، وأن يُعاملن كأصلٍ في الحكم لا كاستثناءٍ لطيف. المطلوب أن تتحول المشاركة إلى سلطة مشاركة: سلطة تراقب، تقترح، تحاسب، وتوقّع. في الثامن من آذار، لا تكفي التحية. التحية الحقيقية أن نُعيد تعريف من يملك حق القرار في البلديات والقرى، وأن نكسر الحلقة التي تُعيد إنتاج السلطة نفسها كل مرة بالأسماء نفسها، والذهنية نفسها، والنتائج نفسها. 2026 يمكن أن تكون لحظة انتقال: من امرأة تُصفّق من الخارج، إلى امرأة تُغيّر من الداخل، من امرأة تتحمل، إلى امرأة تقرر. ومن مجتمعٍ يمدح المرأة في الخطب، إلى مجتمعٍ يثبت احترامه في صندوق الاقتراع وفي غرفة المجلس. فالثامن من آذار ليس مناسبة بل امتحان موقف لا يكفي أن نرفع الشعارات ولا أن نكتب العبارات المنمّقة عن دور المرأة ومكانتها. المسألة أبعد من احتفال عابر؛ إنها اختبار حقيقي لمدى استعدادنا للاعتراف بالمرأة الفلسطينية كصاحبة قرار، لا كديكور سياسي. تمثيل المرأة في الانتخابات يجب أن يكون فاعلًا وحقيقيًا، لا شكليًا ولا رمزيًا. لا يكفي أن يُدرج اسمها في ذيل قائمة لسدّ خانة، ولا أن تُستحضر صورتها كعنوان تجميلي لبرنامج صاغه غيرها.

 

 المطلوب أن تقود، أن تفاوض، أن تصوغ الرؤية، وأن تجلس على طاولة القرار بوصفها شريكًا كامل الأهلية، لا استثناءً تُفرضه النسب. صورة المرأة المرشحة ليست تفصيلًا ثانويًا في الدعاية الانتخابية؛ إنها امتداد لهويتها السياسية واعتراف بوجودها العلني. استبدال صورتها برمزٍ أو ظلٍّ أو وردة، بحجة الأعراف أو الحساسية الاجتماعية، لا يحميها بل يُقصيها، ولا يصون كرامتها بل يجرّدها من فرديتها. حين تُحجب ملامحها، يُحجب معها حضورها. وحين يُختزل وجودها في إشارة رمزية، تتحوّل من قيادية محتملة إلى زينة انتخابية تُستخدم لتحسين الصورة لا لصناعة القرار. المرأة الفلسطينية التي واجهت الاحتلال، وحملت البيت على كتفيها في غياب الرجل، وربّت أجيالًا على معنى الصمود، لا تحتاج إلى وصاية سياسية. تحتاج إلى مساحة عادلة، وصوت مسموع، وفرصة حقيقية لتقدّم برنامجها وخطابها ورؤيتها بلا وسيط. الثامن من آذار، في فلسطين، ليس يوم ورود. إنه يوم مساءلة: هل نؤمن فعلًا بقيادة المرأة، أم نكتفي بالتصفيق لها؟ الجواب لا يُكتب في البيانات، بل يُحسم في القوائم، وفي ترتيب الأسماء، وفي الجرأة على أن تتقدّم امرأة الصفّ الأول لا الصفّ الخلفي. عندها فقط، يصبح الاحتفال صادقًا. وعندها فقط، يتحوّل صمود المرأة من حكاية تُروى إلى سلطةٍ تُمارَس.

المراجع

1. صفحة لجنة الانتخابات المركزية - فلسطين الخاصة بالانتخابات المحلية المقبلة (الموعد، النظام الانتخابي، نطاق الهيئات المشمولة).

2. القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية (نص المادة المتعلقة بالحد الأدنى لتمثيل النساء، وآلية تصويب الخلل بعد توزيع المقاعد).

3. جداول “إحصائيات الناخبين” (التوزيع حسب النوع الاجتماعي وإجمالي المؤهلين للاقتراع ضمن البيانات المعروضة).

4. مادة وكالة وفا “المرأة الفلسطينية حاضرة ولكن..” (إحصاءات حول تمثيل النساء في الهيئات المحلية، ونقاش الكوتا وسياقها).

5. خبر وكالة وفا حول توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية بين وزارة شؤون المرأة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2026.

6.  مقال منى الخليلي المنشور على موقع وزارة شؤون المرأة بعنوان “المرأة الفلسطينية: نضال مستمر، مشاركة فاعلة، وقوة تصنع المستقبل” (سياق سياسي/حقوقي لربط عام 2026 بالانتخابات المحلية ودور النساء).

7. تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية حول تمثيل النساء في الحكم المحلي بالضفة (نتائج كمية/نوعية حول “نساء الكوتا” ومستوى المشاركة والتمثيل).

8. مادة يورونيوز العربية حول قوائم نسوية وتجربة الترشح في انتخابات محلية سابقة بالضفة، وتتضمن بيانات عن حجم الترشح النسائي والقوائم التي تقودها نساء.

9. مادة وكالة JINHA حول معيقات وصول المرأة للانتخابات المحلية وتتضمن أرقامًا/ادعاءات منسوبة لجهات محلية بشأن تمثيل النساء في مجالس مُعيّنة في غزة.

10. تحليل عالمي لتمثيل النساء في الحكم المحلي من إعداد هيئة الأمم المتحدة للمرأة (أثر الكوتا التشريعية على رفع تمثيل النساء في المجالس المحلية عالميًا).

شارك هذا الخبر!