طهران -PNN- أفادت مصادر إيرانية رفيعة المستوى لوكالة "رويترز" للأنباء، بأنّ الحرس الثوري الإيراني فرض اختيار مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا، عادّا إيّاه نسخة أكثر مرونة من والده ستدعم سياسات الحرس، مع تجاهل تحفظات شخصيات دينية وسياسية وازنة على اختياره، وفي ظل شكوك بخصوص سلامته.
وقالت المصادر إنّ الحرس الثوري، الذي زاد نفوذه منذ بدء الحرب، تغلب سريعا على شكوك كبار الشخصيات السياسية والدينية التي أخّرت معارضتها إعلان تعيينه لساعات.
ومما زاد من مخاوف معارضي تنصيب خامنئي مرشدا أعلى، أنّه لم يُصدر أي بيان حتى مساء أمس الثلاثاء، بعد مرور ما يقرب من 48 ساعة على اختياره في حرب أودت بحياة أكثر من ألف إيراني.
وقال ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى، أحدها مسؤول إصلاحي سابق وآخر من المطلعين على الشؤون الداخلية، إنّ اختيار خامنئي الذي دبره الحرس الثوري قد يؤدي إلى موقف أكثر عدوانية في الخارج، وقمع داخلي أشد.
وقال اثنان من المصادر الثلاثة، إنّهما يخشيان أن تؤدي هيمنة الحرس الثوري على النظام إلى تحويل الجمهورية الإيرانية إلى دولة عسكرية ذات شرعية دينية سطحية فحسب، ما قد يقوّض قاعدة الدعم الآخذة بالتقلص ويقلل من المجال المتاح لمعالجة التهديدات المعقدة.
شكوك حول سلامة خامنئي الابن
وعلى الرغم من أنّ مجتبى خامنئي كان مؤثرا في الكواليس لعقود قضاها في إدارة مكتب والده، فإنّه لا يزال شخصية غامضة في نظر كثير من الإيرانيين، وثمة شكوك بأنّه أصيب في الضربات الأميركية الإسرائيلية التي قتلت والده.
وأكد مذيع في التلفزيون الحكومي على ما يبدو الشائعات المنتشرة عن إصابة مجتبى، واصفا إياه "بجانباز" أو "المحارب القديم الجريح" في حرب رمضان، مثلما تسمي إيران الصراع الحالي. ولم تتمكن وكالة "رويترز" من تأكيد حالته.
وقد يفسر ذلك صمته منذ أن أعلن مجلس الخبراء المكون من 88 عضوا في وقت متأخر من يوم الأحد انتخابه مرشدا أعلى للبلاد، بالإضافة إلى المخاوف الأمنية بعد قتل والده في 28 شباط/ فبراير.
ويتمتع الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى، المعروف باسم "البيت"، بالسلطة الأكثر وضوحا، إذ يديران نظاما موازيا للنفوذ عبر البيروقراطية.
وتبددت أي شكوك عمن هو المسؤول الحقيقي يوم السبت، عندما اضطر الرئيس مسعود بزشكيان، أحد أعضاء اللجنة الثلاثية المكلفة بالحكم خلال الفترة التي سبقت اختيار مجتبى، إلى التراجع بعد أن اعتذر لدول الخليج عن الهجمات. وأفادت مصادر لـ"رويترز" بأن كبار الحرس الثوري غضبوا من اعتذاره.
وقال أحد المصادر الثلاثة، الذي ذكر أنّ الحرس الثوري يدير إيران الآن، إنّ الراحل علي خامنئي كان قادرا على كبح جماح الحرس، وموازنة آرائه مع آراء النخب السياسية والدينية في النظام.
وأضاف أنّه حتى مع افتراض أن المرشد الجديد في حالة جيدة بما يكفي لتولي زمام الأمور، فقد يصبح للحرس الآن الكلمة الفصل في القرارات المهمة في المستقبل.
وقال الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أليكس فاتانكا، "مجتبى مَدين بمنصبه للحرس الثوري، وبالتالي لن يكون له السلطة العليا نفسها التي كان يتمتع بها والده".
رسالة صريحة من الحرس لدعم خامنئي
وينص الدستور على أنّ اختيار المرشد الأعلى من اختصاص مجلس الخبراء، لكن في كلتا الانتخابات اللتين جرتا لاختيار مرشد جديد منذ الثورة الإسلامية عام 1979، تأثر قرار المجلس بنصائح قوى أخرى مؤثرة.
فعندما توفي الخميني في عام 1989، كان "صانع الملوك" هو السياسي المؤثر علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي أخبر الجمعية أنّ الخميني قد همس له باسم خامنئي على فراش الموت.
أما هذه المرة، فأفادت المصادر الخمسة بأنّ صاحب القرار المؤثر هو الحرس الثوري، وأنّه كان أكثر صراحة في رسائله، فقد استخدم الحرس الثوري حجة أنّ الحرب تتطلب انتخابا سريعا واختيار مرشح يتحدى الولايات المتحدة.
وقال محسن حيدري، أحد أعضاء مجلس الخبراء، في التلفزيون الحكومي، إنّه بسبب قصف قاعة المجلس في مدينة قُمّ الدينية، اضطر إلى الاجتماع في مكان آخر لم يكشف عنه حتى الآن، ولم يتمكن بعض الأعضاء من الحضور أو حتى الإبلاغ عن التصويت.
وأضاف أنّ المجلس وصل إلى النصاب القانوني المكون من ثلثي الأعضاء، دون أن يحدد عدد الذين شاركوا حقا، إذ أيد 85-90% من الحاضرين خامنئي الابن.
ولم يتضح عدد الذين لم يحضروا والذين أيدوه أو عارضوه، لكنّ الأرقام أظهرت أنّ القرار لم يكن بالإجماع مثلما كان يأمل الحرس الثوري.
مخاوف من موقف أكثر صرامة
وقال اثنان من المصادر، إنّ مجموعة من رجال الدين لم تعجبهم فكرة الخلافة الوراثية الواضحة، وخشوا أن يؤدي هذا الاختيار إلى تنفير العديد من مؤيدي النظام الحاكم.
وقال أحد المصادر، إنّ بعض رجال الدين وأعضاء المؤسسة السياسية كانوا يحاولون خلف الكواليس الضغط من أجل إيجاد بديل، في عدد من المناقشات التي جرت خلال الأسبوع الماضي.
وبالرغم من ذلك، قال المسؤول الإصلاحي السابق، إنّ الحرس الثوري هدد منتقدي تولي مجتبى للمنصب. وقال مصدر مطلع في الجمهورية الإيرانية، إنّ الحرس الثوري اتصل بأعضاء مجلس الخبراء، مما أثار اعتراضات، لكنّهم شعروا في النهاية بأنّهم مضطرون إلى دعمه.
وكان من المقرر في الأصل الإعلان عن تعيين مجتبى صباح الأحد، لكنّ المصادر الخمسة قالت إنّ الإعلان لم يصدر إلا في وقت متأخر من المساء؛ نتيجة للمعارضة المستمرة لاختياره.
وقال أحد المسؤولين، إنّ مجتبى خامنئي، بصفته رئيس "البيت" لسنوات عديدة في عهد والده، أقام علاقات وثيقة للغاية مع الحرس الثوري، لا سيّما القادة من الدرجة الثانية الذين حلوا محل كبار الجنرالات الذين قتلوا في الحرب.
وقال المسؤول الإصلاحي السابق، إنّ النتيجة ستكون سياسة خارجية وداخلية تسير نحو اتجاه أكثر تشددا، إذ سيحصل الحرس الثوري أخيرا على ما سعى إليه لسنوات: السيطرة الكاملة.