الخليل /PNN / تقرير حياة حمدان- لم تكن تلك الليلة تشبه غيرها في قرية بيت عوا في محافظ الخليل. تلك كانت الليلة التاسعة عشر من حرب تتقاطع فيها الصواريخ الإيرانية وتقابلها الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية لتفجرها فوق رؤوس القرى والبلدات الفلسطينية. وسط تحذيرات واسعة من خطر سقوط شظاياها على مناطق مأهولة، في مشهدٍ لا يقل قسوة، يتبادل الطرفان الاتهامات، ويتنصل كلٌّ منهما من المسؤولية، فيما تبقى النتيجة واحدة: ضحايا مدنيون يدفعون الثمن.
فداخل كرفانٍ صغير تحوّل إلى صالون تجميل للشهيدة الشابة سماهر مسالمة، استقبلت فيه تلك الليلة نحو 10 سيدات يتهيأن لاستقبال عيد الفطر، يتبادلن الأحاديث والضحكات، ويخططن لتفاصيل بسيطة تشبه كل الأعياد التي مرّت. لم يكن في المكان ما يوحي بأن الفرح على وشك أن يُقطع فجأة فكل شيء كان طبيعيا.

في الخارج، كان الجو ماطرا، صوتٌ ظنه البعض رعدا، لكنه لم يكن كذلك، خلال لحظات، دوّى انفجار هزّ المكان، وتبعثرت شظايا في السماء قبل أن تهوي على القرية. واحدة منها اخترقت ذلك الكرفان الحديدي الصغير، لتبدّل كل شيء، في ثوان تحول العيد الى عزاء، باستشهاد 4 سيدات واصابة 6 اخريات حسب وزارة الصحة الفلسطينية.
"كنا في البيت، سمعنا صوت انفجار، اعتقدنا أنه رعد بسبب الأجواء الماطرة"، تقول هيام فطافطة إحدى قريبات الشهيدة سماهر، قبل أن يتغير صوتها وهي تستعيد ما حدث: " لكن بعد اتصال هاتفي من ابنة عمي تتسائل هي أيضا عن مصدر الصوت خرجنا من البيت مسرعينوعند دخولنا الصالون شاهدنا مشاهد صادمة، حيث كانت الجثامين ممزقة في مشهد لا يمكن تحمله".

على بعد نحو مئة متر، كان الحج موسى مسالمة عم الشهيدة سماهر يجلس في منزله، قبل أن يهزه الانفجار. يروي كنا في بيتي الذي يبعد نحو 100 متر عن الكرفان، عندما سمعنا انفجارا هزّ المكان، وعرفنا أنه ليس كأي انفجار. خرجنا مسرعين إلى الموقع، وعندما فتحنا باب الصالون وجدنا الفتيات غارقات في الدماء داخل مساحة صغيرة، بعضهن مقطعات الأطراف، وأخريات كنّ يصرخن ويستغثن. "
ويتابع:"لا نعلم إن كانت الشظايا من الصواريخ الإيرانية أو من الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية، لكن المشهد كان مؤلمًا جدًا".في تلك اللحظة، لم يكن أحد يعرف ماذا سقط، ولا من أين جاءت الشظايا. فقط كانت الحقيقة واضحة أمام الجميع: أربع سيدات فقدن حياتهن داخل صالونٍ كنّ يبحثن فيه عن فرحة العيد.

من جانبه، قال اللواء الركن أكرم ثوابة، مدير عام الدفاع المدني: "حتى هذه اللحظة، لم نتأكد ما إذا كانت شظايا صاروخ إيراني أو صاروخا اعتراضيا إسرائيليا" ومع تكرار مثل هذه الحوادث، شدد على ضرورة التزام المواطنين بإجراءات السلامة، كالبقاء بعيدا عن النوافذ والأماكن المفتوحة، وعدم التجمهر أو الاقتراب من مواقع سقوط الشظايا
أما تهاني مسالمة، وهي من أقارب الشهيدات، فأضافت: "قمنا بتنظيف المكان من دماء وأشلاء الفتيات اللواتي استشهدن، في مشهد مؤلم جدًا، نسأل الله أن يرحمهن ويغفر لهن".
وفي مشهد مهيب، شيّعت جماهير شعبنا ظهر اليوم الخميس جثامين الشهيدات، بمشاركة شعبية ورسمية ومراسم عسكرية. وانطلقت الجنازة من مستشفى دورا الحكومي جنوب الخليل، وشهدت مراسم التشييع حضورًا واسعًا من المواطنين الذين عبّروا عن حزنهم العميق، حيث أُديت التحية والتكريم العسكري للشهيدات، قبل مواراة جثامينهن الثرى، في مشهدٍ جسّد حجم الفاجعة التي ألمّت بالبلدة.




