الشريط الاخباري

تقرير لمراسلة PNN : تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية… بين غياب المساءلة وتآكل الحماية الدولية

نشر بتاريخ: 03-04-2026 | سياسة , PNN مختارات
News Main Image

رام الله /PNN / وصال أبو عليا - في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الضفة الغربية، لم يعد بالإمكان تفسير ما يجري باعتباره سلسلة من الأحداث المتفرقة أو ردود أفعال فردية، بل بات واضحاً أنّ هناك نمطاً ممنهجاً من اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين يتشكل ضمن بيئة سياسية وقانونية حاضنة له. 

وبينما تكشف الشهادات الإعلامية الأخيرة، بما في ذلك حادثة الاعتداء على طاقم شبكة CNN واعترافات عدد من جنود الاحتلال وتبريرهم أنّ هذا الاعتداء تم بدوافع انتقامية، عن ملامح خطاب وسلوك ميداني يتسم بالنزعة الانتقامية، تؤكد المعطيات الميدانية الرسمية تصاعداً خطيراً في وتيرة الانتهاكات.

وفي هذا السياق، يقدّم مدير عام دائرة التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود، في لقاء مع مراسلة PNN قراءة تفسيرية لهذا المشهد، يربط فيها بين تصاعد هذه الاعتداءات وغياب المساءلة، وهو ما يشكل أساس هذا التقرير الذي يدمج أيضاً أحدث بيانات الهيئة لرسم صورة أكثر شمولاً، مع تقديم قراءة تحليلية للإجابة عن أسئلة تتعلق بالحماية والحلول والدور الدولي.

تحولات نوعية في بنية الاعتداءات

يرى أمير داوود أنّ ما يجري في الضفة الغربية يعكس تحولات عميقة في طبيعة الاعتداءات، مشيراً إلى أنّ "ثقافة الانتقام والحلول الفردية بدأت تتغلغل بشكل كبير داخل جيش الاحتلال"، وهو ما انعكس، بحسب قوله، على سلوك الجنود في الميدان.
ويوضح داوود أنّ العلاقة بين الجيش والمستوطنين لم تعد علاقة منفصلة، بل باتت قائمة على "تبادل وظيفي" في تنفيذ السياسات، حيث يعمل الطرفان ضمن سياق واحد يخدم الأجندات الكبرى. هذا التداخل، كما يصفه، يجعل من الصعب النظر إلى اعتداءات المستوطنين بمعزل عن دور المؤسسة العسكرية، وهو ما يعزز، في قراءتي، من فهم ما يجري كمنظومة متكاملة لا كحوادث فردية.

تصاعد الأرقام ودلالاتها الميدانية

تعكس البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم التصعيد بشكل واضح، حيث أعلنت الهيئة أنّ المستوطنين نفذوا 443 اعتداء خلال شهر واحد فقط وهو شهر آذار الماضي، ما أسفر عن استشهاد 9 فلسطينيين وتهجير 6 تجمعات بدوية. 

وتوضح الهيئة أنّ موجة هذه الاعتداءات أدت إلى تهجير قسري طال 58 عائلة تضم 256 فرداً، بينهم 79 امرأة و166 طفلاً، في مؤشر خطير على استهداف البنية المجتمعية الفلسطينية.

كما تشير المعطيات إلى محاولات إقامة 14 بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب تنفيذ 123 عملية تخريب، و18 اعتداء تسببت في إشعال حرائق في ممتلكات المواطنين، فضلاً عن 3 اعتداءات طالت أماكن دينية.

ولا يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ تذكر الهيئة أنّ سلطات الاحتلال أصدرت خلال الفترة ذاتها 12 أمراً عسكرياً لوضع اليد على نحو 225 دونماً من أراضي المواطنين، لأغراض عسكرية، إلى جانب 27 أمراً لإزالة الأشجار عن مساحة 1391 دونماً في عدة محافظات. 

وفي هذا الإطار، يؤكد داوود أنّ هذا التصعيد لا يتوقف عند حدود الأرقام، بل يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة هذه الاعتداءات، حيث أصبحت أكثر تنظيماً وخطورة، وهو ما يشير، في تقديري، إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.

غياب الحماية: من يحمي أبناء شعبنا؟

يؤكد داوود أنّ شعبنا "لا يتعرض لهجوم من مستوطنين أفراد ومعزولين، بل من منظومة جُنّدت لها كافة الإمكانيات"، في إشارة إلى الدعم المؤسسي الذي تقف خلفه هذه الممارسات. 
وفي ظل هذا الواقع، يشير إلى أنّ المؤسسات الرسمية الفلسطينية تعمل على تعزيز لجان الحماية المحلية، رغم محدودية إمكانياتها، إلى جانب تطوير آليات الإنذار المبكر لرصد تحركات المستوطنين ومحاولة إفشال مخططاتهم.

ويعتبر داوود أنّ هذه الأدوات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجم التحدي، وهو ما يعزز الانطباع بأنّ الفلسطيني يواجه منظومة اعتداءات متكاملة بأدوات حماية محدودة، في ظل غياب تدخل فعلي يوفر له الأمان.

تفكيك بيئة الإفلات من العقاب: مدخل الحل

و يضع داوود جوهر المشكلة في "البيئة المتحررة من المساءلة والعقاب" التي وفرتها دولة الاحتلال، موضحاً أنّ هذه البيئة تم تكريسها عبر منظومة من القوانين والقرارات التي تمنح غطاءً لمرتكبي الانتهاكات. ويشدد على أنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تفكيك هذه البنية، من خلال التعاون مع المنظمات الدولية المختصة بمساءلة مرتكبي الجرائم، وتعزيز التوثيق القانوني المنهجي لضمان المتابعة القضائية، إضافة إلى تعرية العلاقة بين الجيش والمستوطنين أمام المجتمع الدولي.

ومن خلال هذا الطرح، يتضح أنّ الحل لا يكمن في معالجة الأعراض، بل في استهداف البنية التي تنتج هذه الممارسات وتسمح باستمرارها.

الدور الدولي بين القدرة والغياب

و يؤكد داوود أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمتلكان القدرة على إنهاء هذه الظاهرة "إذا قرّرا التدخل بشكل جدي"، إلا أنّه يشير إلى أنّ مواقفهما خلال السنوات الماضية بقيت ضمن حدود التنديد والاستنكار، دون اتخاذ خطوات عملية.

ويصف هذه المواقف بأنّها لم تتجاوز "التمارين الكلامية"، ما ساهم، في نظره، في استمرار الاعتداءات دون رادع. 

ومن خلال هذه القراءة، يتضح أنّ غياب الإرادة السياسية الدولية يشكل أحد أبرز أسباب تفاقم الوضع، وهو ما يتقاطع مع انطباعي بأنّ عدم فرض كلفة حقيقية على هذه الانتهاكات ساهم في اتساع نطاقها.

آفاق إنهاء الظاهرة

وفيما يتعلق بإمكانية إنهاء هذه الظاهرة، يشير داوود إلى أنّ جيش الاحتلال "بإمكانه في وقت قصير وقف اعتداءات المستوطنين"، إلا أنّه لا يقوم بذلك؛ بسبب الترابط الوظيفي بين الطرفين، معتبراً أنّ ما ينفذه المستوطنون يأتي ضمن مخططات أوسع.

كما يرى أنّ التصريحات التي تدين هذه الاعتداءات لا تتجاوز كونها "إدانة خطابية لا تحدث أثراً"، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب والممارسة. 

وبناءً على ذلك، فإنّ إنهاء هذه الظاهرة، كما يظهر من المعطيات، يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً، ومحاسبة قانونية فعلية، وتفكيكاً للعلاقة البنيوية التي تربط بين مختلف مكونات هذه المنظومة.

في المحصلة، يقدم هذا التقرير صورة متكاملة لواقع يتسم بتصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين، مدعوماً ببيئة قانونية وسياسية تفتقر إلى المساءلة. وبينما تعكس الأرقام حجم المأساة على الأرض، تكشف تصريحات مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود عن البنية العميقة التي تغذي هذه الظاهرة.

وفي ظل محدودية أدوات الحماية المحلية وغياب تدخل دولي فاعل، يبقى الفلسطيني في مواجهة واقع معقد ومفتوح على مزيد من التصعيد. إلا أنّ كسر هذه المعادلة يتطلب تحولاً حقيقياً في آليات التعامل مع هذه القضية، يبدأ بالمحاسبة ولا ينتهي عند توفير حماية فعلية للمدنيين، وإلا فإنّ هذا المسار سيبقى مرشحاً للاستمرار والتفاقم.

 

شارك هذا الخبر!