الشريط الاخباري

مأسسة الإبادة: حين يغدو الموت بيروقراطية يومية بقلم ميرفت عوف

نشر بتاريخ: 14-04-2026 | أفكار
News Main Image

في صباح يوم ماطر، يُعجّل شاب نحيل يقف على أنقاض منزل مهدم في مخيم الشاطئ (غرب غزة) بالاستعلام عن الضحايا تحت الردم. يعرف عددهم، تاريخ استشهادهم، والمكان الأدق لاحتمال وجود جثامينهم. يُعلِمُ بأن تحت الركام ترقد جثامين ثلاث عائلات قتلهم الاحتلال الاسرائيلي يوم الخامس والعشرين من سبتمبر 2025، وهو تاريخ يشكل هاجساً كبيراً له، لكون أجساد الشهداء قد لا تزال رطبة تحتفظ بدمائها.

إنه سائق الحفار أو "الكباش"، كما يسميه العامة في قطاع غزة، الذي سرعان ما توجه إلى قمرة قيادة الحفار. ومن خلف الزجاج الأمامي المهشم، يقود ويراقب ذراع الرافعة "الكف" المتآكل وهو يحمل برفق حمولته الجديدة من الركام، قبل أن يغربلها من علو، باحثاً بعينيه عن جسد طفل، أو طرف ثوب، أو عظم يد، أو أي بقايا جسد.

صناعة "اللا-مكان

المسافة من مخيم الشاطئ إلى مجمع الشفاء الطبي ليست مجرد كيلومترات، بل هي عبور بين مقبرتين؛ واحدة تحت الأنقاض وأخرى فوق الأرض. رفيقتي التي تقضي دقائقها الصباحية في (صالة الاستعراف) في هذا المجمع، لا تبحث فقط عن شقيقها المفقود، بل تبحث عن دليل على وجوده السابق. في تلك الصالة حيث يُتعرف على 15 جثمان مشوه ألقى بها الصليب الأحمر للكادر الطبي، يتم اختصار الإنسان إلى (رقم) على كيس بلاستيكي أو سمة جسدية في شاشة عرض. هذا الميكانيزم لتحويل الضحية إلى بيانات مجهولة هو جزء أصيل من مأسسة الإبادة؛ حيث يُحرم الإنسان حتى من اسمه الأخير قبل أن يوارى الثرى. 

في غزة، يضطر (أبو إسماعيل حماد) لغربلة ركام منزله بيده، باحثاً عن بقايا عظام أطفاله الخمسة وزوجته، تجاوز الرجل -كما يبدو أمام الكاميرات-مفهوم الفقد إلى مفهوم التعايش مع العدم، وفيما يُحكي في السيكولوجيا البشرية أن الصدمة تعد درعاً يحمي العقل، يبدو أنه في غزة تم نزع هذا الدرع.

فهنا تطبيع الموت ليس خياراً بل هو استراتيجية بقاء مفروضة؛ فالانشغال بتفاصيل الدفن والبحث يمنع العقل من الوقوع في فخ الذهول، لأن الذهول في غزة يعني الموت تحت القصف القادم. ونحن نعيش لنحزن، بل نعيش لنؤمن للموتى حيزاً يليق بصمتهم.

 

ديوان الموت

في غزة، لم يعد الصباح يبدأ بالبحث عن الرزق أو استكمال تفاصيل الحياة العادية، بل بالبحث عن "الأثر". تحول الناجون هنا، قسراً، إلى موظفين في "ديوان الموت الجماعي"؛ في بداية الحرب حاولنا التعامل مع الضحايا كما اعتدنا، نسارع بنقل الجثامين ثم تشيعها ثم عيش حالة الفقدان بحذافيها، لكن بدا الأمر منذ اللحظة الأولى في هذه الحرب على غير ما اعتدنا هذا الموت.  لقد سلب منا حق "الصدمة". الصدمة ترف لا يملكه من عليه أن يجد جثة قبل أن يحل الظلام أو يبدأ القصف التالي.

تروى الأرقام الحكاية، منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، سقط أكثر من 72 ألف شهيد، لا يزال نحو 10 آلاف جثمان عالقين تحت الأنقاض؛ يخرج المفقودين من "التصنيف الرسمي"السابق بسبب عدم وصولهم للمستشفيات أو وجودهم تحت الركام، الأمر الذي خلق فجوة موحشة في سجلات الضحايا، حيث يُقدر عددهؤلاء بنحو 11 ألفاً، بقوا معلقين في برزخ الهوية والمصير المجهول. ومع تقديرات الأمم المتحدة بوجود نحو 42 مليون طن من الركام في غزة، تعني أن الجغرافيا نفسها قد أُعدمت. عندما يفقد الدفاع المدني 85% من معداته، فإن هذا ليس نقصاً في الموارد، بل هو قرار إداري بالقتل البطيء لمن هم تحت الردم وفوقه. مأسسة الإبادة هنا تتجلى في منع الرافعة والوقود، ليتحول الزمن إلى عدو أيضا.

القتل بـ"الغيتو" والبيروقراطية

لكن، هل توقف العداد حقاً حين أُعلن شكلياً عن وقف الحرب في أكتوبر 2025؟ في الواقع، لم يكن الإعلان سوى انتقال من القتل بالانفجار إلى القتل بالحصار والجوع والرصاص أيضا. فبينما حصد السلاح المباشر أرواح 754 شهيداً منذ ذاك الإعلان، يصر الاحتلال على حصر سكان غزة في "غيتو" يفتقر لأدنى مقومات البقاء، محولاً التجويع الممنهج وغيره من أساليب من تداعيات عرضية إلى أداة قتل قائمة بذاتها.

لقد أصبحت الإبادة في غزة بنية مؤسسية متكاملة، تساهم فيها كل أجهزة دولة الاحتلال—من التشريع الذي يسن قوانين حظر الأونروا إلى العمليات العسكرية الميدانية—في خلق بيئة يكون فيها البقاء على قيد الحياة هو الاستثناء، والموت هو القاعدة المخطط لها. ويحمل تقرير اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (2025) ما يثبت أن الإبادة الجماعية لم تكن مجرد حوادث عشوائية، بل هي عملية مُمأسسة جعلت من "الموت" نهجاً يومياً يحيط بالفلسطينيين، محولةً غزة إلى "ميدان قتل" يرزح فيه المدنيون داخل حلقة مفرغة لا تنتهي. وتتجلى هذه المأسسة في تحويل السياسات الرسمية إلى أدوات مباشرة للقتل، حيث لم تكن الأفعال المادية مجرد قرارات ميدانية، بل نُفذت بناءً على تعليمات وتحت سيطرة القيادة العسكرية والسياسية العليا، التي فرضت ظروفاً معيشية طاحنة عبر سياسة التجويع والحصار الشامل الذي قطع الغذاء والماء والكهرباء والوقود بشكل متعمد، وهي إجراءات محسوبة بدقة لترك السكان في غزة على حافة المجاعة الدائمة وإحداث دمار مادي تدريجي لها.

إنها الانتقال القسري من القتل بالرصاص إلى "القتل بالبيروقراطية". هنا، لا يضغط الجندي على الزناد فحسب، بل يضغط الموظف الإداري على زر "المنع"؛ فتتحول أوامر الإخلاء المكررة، ومنع دخول شاحنات الوقود، وتفكيك السجلات المدنية (لمحو الهوية التاريخية)، إلى أدوات تقنية في ماكينة ضخمة تهدف لجعل "العدم" هو الخيار الوحيد المتاح أمام الفلسطيني.

 

العالم يقر

في أغسطس الماضي؛ اضطر خبراء الأمم المتحدة لإعلان تفشي المجاعة رسمياً في غزة وهي المرة الأولى التي تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط إعلاناً كهذا، مما يؤكد أن "الجوع" هنا ليس نقصاً في الإمداد، بل هو استراتيجية إبادة. ثم اليوم (في أبريل 2026) عادت مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية لتقول أن "هناك توافق متزايد على أن إسرائيل ترتكب إبادة
وأنه يجب على الجميع العمل على وقف الإبادة في غزة".

على سبيل المثال لا الحصر، انكبت دولة الاحتلال نحو سياسة منسقة لتدمير مقومات الحياة من خلال استهداف نظام الرعاية الصحية والمرافق الطبية كعنصر جوهري في الهجوم، ويمتد هذا النهج الممنهج لاستهداف "المستقبل" ذاته عبر القتل العمد للأطفال واقتناصهم بآلاف، بما يشير لنية تدمير الاستمرارية البيولوجية للفلسطينيين، وهو ما يتصل بقرار مُمأسس آخر تمثل في تدمير عيادات الخصوبة لمنع الإنجاب داخل غزة.

هذا التدمير الممنهج أكدته منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، فذكرت أن تفكيك الأنظمة الصحية لم يكن عشوائياً، بل استهدف جعل المكان غير قابل لدعم الحياة البشريةـ وكما ذكرت المنظمة : "فإن الحملة العسكرية الإسرائيلية تعمل عمداً وبشكل منهجي على تفكيك الأنظمة الصحية والضرورية للحياة في غزة"، حيث "دمرت البنية التحتية للرعاية الصحية في غزة بطريقة مدروسة ومنهجية، هذهالأعمال تشكل إبادة جماعية بموجب القانون الدولي الإنسان".

ما وراء الرصاصة

في اللغة الحقوقية التقليدية، غالباً ما تُوصف الإبادة كحدث "انفجاري"؛ أي سلسلة من المجازر المتلاحقة التي تهدف للقتل المباشر. لكن ما يشهده قطاع غزة يفرض علينا مواجهة مفهوم أكثر حداثة وفتكاً، وهو "مأسسة الإبادة" (Institutionalization of Annihilation).

تعني "المأسسة" هنا تحويل عملية التدمير الشامل من "أفعال عسكرية متفرقة" إلى "سياسة هيكلية دائمة" تديرها أجهزة الدولة بكافة تفرعاتها القانونية، والإدارية، والعسكرية. في هذه الحالة، لا يعود القتل مجرد "نتيجة" للحرب، بل يصبح "المحو" هدفاً بحد ذاته، يتم تنفيذه ببرود عبر قرارات إدارية تشرعن منع الغذاء والدواء والوقود. إنها استراتيجية تدمير "البيئة الحاضنة للحياة" (مستشفيات، جامعات، سجلات مدنية، وشبكات ري) لضمان عدم قدرة المكان على دعم الوجود البشري حتى بعد أن تصمت المدافع. 

وهي الرؤية التي عززتها دراسة مجلة "لانسيت" الطبية؛ حيث كشفت أن الوفيات "غير المباشرة" في غزة ستتجاوز بمراحل أعداد ضحايا القصف المباشر. فوفقاً لمؤلفي الدراسة، حتى لو صمتت المدافع تماماً، ستظل الأمراض المعدية، وفقدان الرعاية التناسلية، وتلوث المياه، ونقص الغذاء، تحصد الأرواح لسنوات قادمة. إن سحب تمويل "الأونروا" وتدمير البنية التحتية ليسا مجرد تفاصيل إدارية، بل هما "هندسة للموت المستقبلي" تضمن استمرار الإبادة حتى في غياب الرصاص.

 

في نهاية المطاف، نقول أنه حين تذوي شمس غزة ويطفئ عُدي محرك حفاره، لا يتوقف الضجيج في رؤوسنا. لقد نجحت 'المأسسة' في تحويلنا من سكان مدن إلى مهندسين بارعين في توزيع القبور داخل المربعات السكنية الضيقة، وقد بات منتهى طموحنا تأمين أمتار مربعة من التراب تحت النوافذ لمواراة الموتى والشهداء. إن أسوأ ما في مأسسة الإبادة هو أنها لا تكتفي بإنهاء الحياة، بل تجبرك على أن تكون شريكاً رغماً عنك في إدارة الموت.

 

شارك هذا الخبر!