الشريط الاخباري

الصندوق بندوق: من دهشة شخصية إلى قراءة في سلوك الناخب بقلم: د. نبيل كوكالي

نشر بتاريخ: 20-04-2026 | أفكار
News Main Image

لم أكن أعرف هذا المثل من قبل. قاله لي ابني أدهم ببساطة: “الصندوق بندوق”. توقفت عند العبارة لحظة، لا بسبب غرابتها اللغوية فقط، بل لأنها بدت وكأنها تختصر واقعًا انتخابيًا كاملاً في كلمتين. وعلى مدار سنوات طويلة، كنت أؤمن — بل وأمارس — الالتزام بالتصويت كما أعلنه، دون تردد أو تغيير. لكن هذه العبارة الصغيرة دفعتني إلى التفكير بجدية: هل يعكس هذا المثل سلوكًا شائعًا لم أكن ألتفت إليه من قبل؟

في هذا التساؤل تكمن نقطة الانطلاق لتحليل أعمق. فالمثل، رغم بساطته، لا يصف حالة فردية، بل يفتح نافذة على ظاهرة أوسع في السلوك الانتخابي: الفجوة بين الموقف المُعلن والقرار الفعلي. ففي البيئات التي تتشابك فيها العلاقات الاجتماعية والعائلية، لا يكون التصويت مجرد خيار سياسي، بل فعلًا معقدًا يتقاطع مع اعتبارات متعددة، بعضها ظاهر وبعضها خفي.

لقد علّمتني التجربة الشخصية أن الالتزام بالتصويت كما يُعلن هو سلوك ممكن، بل ومطلوب في سياق من الوضوح والاتساق. غير أن التجربة المجتمعية تكشف أن هذا الالتزام ليس قاعدة عامة. فهناك من يصرّح بدعم قائمة معينة بدافع المجاملة أو التوازن الاجتماعي، لكنه يحتفظ بقراره الحقيقي إلى لحظة التصويت، حيث لا سلطة إلا لقناعته الفردية. وهنا تتجلى دلالة المثل: الصندوق لا يعكس ما يُقال… بل ما يُقرَّر.

فداخل المعزل، يتحرر الناخب من الضغوط، ويصبح قراره فعلًا فرديًا خالصًا، لا يخضع إلا لما يراه مناسبًا. وهذه المسافة بين القول والفعل ليست بالضرورة سلبية، بل هي جزء من طبيعة النظام الديمقراطي الذي يقوم على سرّية الاقتراع وحرية الاختيار. لكن هذه الحرية نفسها تخلق حالة من عدم اليقين، حيث يصبح من الصعب التنبؤ بسلوك الناخبين أو قراءة النتائج مسبقًا بدقة.

يبقى السؤال الأهم: هل هذه الظاهرة — “الصندوق بندوق” — مجرد سلوك فردي، أم أن النظام الانتخابي نفسه يساهم في إنتاجها؟ في الحالة الفلسطينية، وبخاصة في انتخابات الهيئات المحلية، يعتمد النظام على القوائم الانتخابية والتمثيل النسبي والترتيب المسبق للمرشحين داخل القائمة. هذا الإطار لا يخلق فقط منافسة انتخابية، بل يُنتج أيضًا تعقيدًا في القرار الفردي. فالناخب لا يختار شخصًا واحدًا، بل قائمة كاملة قد لا تمثل قناعته بالكامل، مما يدفعه أحيانًا إلى إعلان دعم معين، مع احتفاظه بتحفظ داخلي.

كما أن طبيعة المجتمع المحلي، حيث تتداخل العائلة والعلاقات الاجتماعية، تجعل الناخب يعيش حالة من تضارب الانتماءات، فيجد نفسه مضطرًا لإظهار موقف علني ينسجم مع محيطه، بينما يحتفظ بخياره الحقيقي لنفسه. ويزداد هذا التعقيد مع ضعف العلاقة المباشرة بين الناخب والمرشح في نظام القوائم، ومع وجود اعتبارات تنظيمية داخل القوائم مثل الكوتا وترتيب الأسماء، الأمر الذي قد يجعل بعض الناخبين يشعرون بأن الاختيار لا يعكسهم بالكامل، فيلجؤون إلى تعديل قرارهم داخل الصندوق.

وفي هذا السياق، لا يعود ما يُوصف أحيانًا بـ“التخبط” سلوكًا عشوائيًا، بل يصبح تعبيرًا عن محاولة فردية للتوفيق بين الضغوط الاجتماعية والحرية الشخصية. فالناخب لا يتصرف بلا منطق، بل يدير تناقضاته في المساحة الوحيدة التي يملك فيها قرارًا مطلقًا: داخل المعزل.

وهكذا، لا يعكس “الصندوق بندوق” مجرد سخرية من سلوك بعض الناخبين، بل يكشف عن حقيقة أعمق في العملية الديمقراطية، وهي أن النتائج لا تُبنى على الأقوال، بل على القرارات الفردية التي تتخذ في لحظة خاصة، بعيدًا عن كل ما قيل قبلها. وفي هذا التفاعل بين حرية الفرد وتعقيد النظام وضغط المجتمع، تتشكل النتيجة الحقيقية، التي كثيرًا ما تحمل مفاجآت.

وفي النهاية، أعود إلى تلك اللحظة الأولى، إلى ما قاله أدهم ببساطة، وكأنه كان يلخص كل هذا التحليل دون أن يقصده: 

“الصندوق بندوق”.ربما لم تكن مجرد عبارة عابرة… بل كانت وصفًا دقيقًا لحقيقة لا تظهر إلا عندما تُفتح الصناديق.

 

شارك هذا الخبر!