الشريط الاخباري

نحو نظام انتخابي أكثر ديمقراطية وفعالية للمجالس المحلية الفلسطينية بقلم الياس الحزين

نشر بتاريخ: 09-05-2026 | أفكار
News Main Image

في كل موسم انتخابي، تشهد مدننا الفلسطينية مشهدًا متكررًا: تبدأ الحملات بحماس، وتنتهي بخلافات تمتد إلى داخل العائلات والعلاقات الاجتماعية. فالانتخابات التي يُفترض أن تكون أداة للبناء المشترك باتت، في كثير من الأحيان، سببًا في تعميق الانقسام داخل المجتمع. وهذه الإشكالية ليست حكرًا على مدينة أو بلدة بعينها، بل أصبحت ظاهرة تعيشها معظم مدننا وبلداتنا الفلسطينية.

نظام سانت ليغو المعتمد حاليًا في الانتخابات المحلية الفلسطينية يمنح القوائم الصغيرة فرصة تمثيل أوسع، وهذا بحد ذاته هدف مشروع. غير أن التجربة العملية كشفت عن ثمن باهظ لهذا التوسع: مجالس بلدية مجزأة إلى كتل متعددة، لكل منها حساباتها ومطالبها، وغالبًا ما تعجز عن الاتفاق على القرارات الأساسية. والنتيجة مجالس تتعطل فيها المشاريع، وتضيع فيها المصالح العامة وسط الحسابات الضيقة، وتتراجع فيها ثقة المواطن بالعمل البلدي. المشكلة ليست في التمثيل كفكرة، بل في النظام الذي يُفضي إلى تمثيل بلا قدرة حقيقية على الحكم. فالمواطن لا يريد فقط أن يرى ممثليه داخل قاعة المجلس، بل يريد مجلسًا قادرًا على إنجاز الخدمات، وتطوير المدينة، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.

هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في نموذج انتخابي مختلف، أكثر قدرة على إنتاج الاستقرار والفعالية، مع الحفاظ على خصوصية المجتمع الفلسطيني. ومن النماذج التي يمكن الاستفادة منها فكرة فيكتور دونت. لكن ما يستحق استلهامه من فكر دونت في سياقنا ليس الآلية الحسابية بحد ذاتها، بل الفلسفة السياسية الكامنة وراءها: أن يحمل الصوت قيمته الكاملة، وأن يكون المنتخَب مدينًا بوجوده في المجلس لمن اختاره مباشرة، لا لصفقة تُعقد خلف الكواليس أو لترتيبات القوائم المغلقة. ومن هنا يمكن تطوير صيغة فلسطينية خاصة تتلاءم مع واقعنا الاجتماعي والديني، وتجمع بين التمثيل والاستقرار والقدرة على الإنجاز. في تطبيق عملي على مدينة مثل بيت لحم، يمكن أن يقوم النظام المقترح على ثلاثة محاور أساسية:

أولًا: انتخاب رئيس البلدية ونائبه مباشرة من المواطنين عبر صندوق مستقل، بحيث يفوز الحاصل على أعلى الأصوات. وهذا يمنح الرئاسة شرعية شعبية مباشرة وقدرة أكبر على قيادة المجلس وتحمل المسؤولية أمام الناس. كما أن الانتخاب المباشر يمنح الرئيس تفوضياً واضحاً من المواطنين ويمنع محاولات تجريده من الصلاحيات أو الحقوق والامتيازات المتوارثة التي أصبحت مع السنيين بمثابة قانون عرفي إداري وقانوني داخل البلديات. ففي المشهد الحالي، كثيرا ما تتحول هذه الامتيازات الى أداة ضغط وابتزاز داخل المجلس.

ثانيًا: انتخاب بقية أعضاء المجلس بشكل فردي، وليس عبر قوائم مغلقة، مع الحفاظ على التوزيع الطائفي المعمول به لضمان التمثيل المتوازن. وبهذا يصبح التنافس قائمًا على الشخص وسجله وخدمته العامة، لا على الولاء للقائمة أو التحالفات المؤقتة.

ثالثًا: فيما يتعلق بخصوصية بيت لحم التي تضم طوائف مسيحية متعددة، يمكن في مرحلة انتقالية اعتماد صيغة مرنة تقوم على أنه إذا كان رئيس البلدية المنتخب من الطائفة الكاثوليكية، يصبح نائب الرئيس تلقائيًا أعلى المرشحين أصواتًا من الطائفة الأرثوذكسية، والعكس صحيح. والهدف من هذا الترتيب ليس تكريس الطائفية، بل الحفاظ على الانسجام المجتمعي خلال مرحلة بناء الثقة بالنظام الجديد، إلى أن تصبح الكفاءة وحدها هي المعيار الحقيقي للاختيار.

أما فيما يخص الكوتا النسائية، فيمكن التعامل معها كأداة انتقالية تُفعّل في المرحلة الأخيرة من الفرز فقط. فإذا لم تحصل النساء على الحد الأدنى المطلوب من المقاعد، تحل أعلى المرشحات أصواتًا محل أقل الرجال أصواتًا ضمن المجموعة نفسها، سواء المسيحية أو الإسلامية. وبهذا تبقى الكوتا أداة تصحيحية مؤقتة، لا بديلًا عن التنافس الحقيقي. فالمرأة الفلسطينية أثبتت حضورها وكفاءتها في مختلف المجالات، وهي قادرة على الوصول إلى مواقع القرار بثقة الناس متى توفرت البيئة الداعمة لذلك. ولا يكتمل أي قانون انتخابي دون معالجة التفاصيل التي قد تبدو صغيرة لكنها تؤثر كثيرًا في التطبيق العملي. ومن ذلك وضع آلية واضحة ومكتوبة مسبقًا لمعالجة حالات  كثيرة سبق وان عانى منها المواطن والقانون الانتخابي الحالي.  

إن الهدف الحقيقي من أي تغيير انتخابي يجب أن يكون واضحًا: انتخابات تبني ولا تُفرّق. فالمطلوب ليس فقط تحقيق عدالة شكلية في التمثيل، بل بناء مجالس بلدية قادرة على العمل والإنجاز. لأن أي نظام يُنتج مجالس مشلولة بالخلافات والتحالفات لا يخدم المواطن، مهما بدا عادلًا من الناحية النظرية. فالانتخابات في النهاية هي أداة، والأداة تُقاس بنتائجها. ومدننا الفلسطينية تستحق مجالس تُنجز المشاريع، وتحافظ على التماسك الاجتماعي، وتعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة المحلية. وهذا هو المعيار الحقيقي لأي نظام انتخابي نسعى إلى بنائه.

أ. الياس الحزين 
جامعة بيت لحم 
تخصص الديمقراطية والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

شارك هذا الخبر!