الشريط الاخباري

تآكل الطبقة الوسطى: فاتورة الحروب التي يدفعها المواطن بصمت بقلم سالي علاوي

نشر بتاريخ: 18-07-2026 | أفكار
News Main Image

تكتسب الحروب الإقليمية والنزاعات المسلحة جاذبيتها في أدبيات السياسة باعتبارها صراعاً على النفوذ والمبادئ، أو إعادة لرسم خرائط القوى، لكن خلف غبار المعارك وتصريحات القادة الفضفاضة، يكمن سؤال اقتصادي واجتماعي ملحّ ومغيب في آن واحد: من الذي يدفع الكلفة الحقيقية المستمرة لهذه الحروب؟
عند فحص الواقع الميداني للمنطقة، يتضح أن الفاتورة الأكبر لا تُسدد فقط من الميزانيات العسكرية للدول، بل تُقتطع مباشرة من جيوب وقدرات واستقرار الطبقة الوسطى صمام الأمان الاجتماعي والاقتصادي، مما يهدد بتآكلها التام وانزلاق مجتمعات بأكملها نحو مستنقع الفقر الدائم، وهو ما يظهر بجلاء عند تتبع المشهد من طهران وبيروت وصولاً إلى قطاع غزة والضفة الغربية.

في القراءة الشعبية والتحليلية السائدة لمسار الحروب الإقليمية الأخيرة، يرى قطاع واسع من الجمهور والمراقبين أن دول ومناطق ما يُعرف بـ "المحور" قد تكبدت خسائر هيكلية هائلة تفوق أي مكاسب سياسية أو معنوية مفترضة.

في إيران، يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متراكمة بلغت ذروتها مع تضرر قطاعات حيوية نتيجة الاستنزاف الاقتصادي والعقوبات المرافقة للمواجهات الإقليمية، مما انعكس سلباً على مسار التنمية وأطاح بفرص الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
ولبنان، يعيش فصلاً جديداً من فصول الانهيار؛ حيث يجد أصحاب المشاريع الصغيرة والمستقلة العمود الفقري للاقتصاد اللبناني أنفسهم أمام خيارات أحلاها مرّ، بين إغلاق قسري، أو إفلاس غير معلن نتيجة انعدام الأمان الشامل وتوقف عجلة الإنتاج.
أما قطاع غزة، يمثل الانهيار هناك الحالة الأشد مأساوية، فالدمار الشامل الذي طال الأحياء السكنية والمنشآت التجارية والبنية التحتية الأساسية لم يمحُ الأنشطة الاقتصادية فحسب، بل نزع القدرة على العيش الكريم لعشرات الآلاف من العائلات التي تحولت من الاعتماد الذاتي إلى الاعتماد الكامل على المساعدات الإغاثية الشحيحة.

تخلق هذه الدائرة من التدمير والإنهاك تساؤلات جدية لدى الشارع حول جدوى الاستمرار في هذا المسار، وتستدعي التفكير بعمق في خطوات حقيقية تُفضي إلى كبح هذا التدهور الإقليمي الذي يلتهم الحاضر والمستقبل.

لا ينفصل الاقتصاد في الضفة الغربية عن هذا المشهد الإقليمي القاتم، بل يتأثر به تأثراً غير مباشر ولكنه عميق وحاد، نظراً لتركيبته البنيوية الفريدة.
إن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد تاريخياً وبشكل مفرط على عوامل خارجية متعددة كأموال المقاصة، المساعدات الدولية، وتحويلات المغتربين وأجور العمال بدلاً من الاعتماد على قاعدة إنتاجية ذاتية صلبة يقودها المواطنون والمستثمرون المحليون بشكل مستقل. هذه التبعية المطلقة تجعله شديد الهشاشة والحساسية أمام أي اضطراب سياسي أو عسكري في الإقليم.
وما يضاعف من حدة هذه الهشاشة هو الارتباط القسري بالاقتصاد الإسرائيلي. ففي حين يفتقر الفلسطينيون إلى السيطرة على المعابر والموارد والسياسات النقدية، تتمتع إسرائيل بقاعدة إنتاجية وصناعية متطورة، وقطاع تكنولوجيا متقدم يمنحها استقلالية اقتصادية أكبر وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات واحتواء آثار الأزمات الإقليمية، مما يخلق فجوة بنيوية تجعل الجانب الفلسطيني دائم التأثر بأي تصعيد عسكري أو سياسي خارجي دون امتلاك أدوات الحماية الاقتصادية الذاتية.

نتيجة لهذا الترابط والاعتمادية، يواجه سكان الضفة الغربية اليوم تراجعاً متسارعاً في مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية. إن الشريحة التي يُعول عليها لحفظ التوازن المجتمعي والسياسي، الطبقة الوسطى التي تشمل المعلمين، الموظفين العموميين، صغار التجار، وأصحاب المهن الحرة، تتعرض لعملية "طحن" مستمرة ومتعددة الجبهات:
*أزمة الرواتب والسيولة: مع تكرار واشتداد أزمات احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية (الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة)، تعجز السلطة عن دفع الرواتب كاملة وبشكل منتظم، مما يحرم مئات آلاف العائلات من دخلها الأساسي المتوقع.
*ارتفاع كلف المعيشة: بموازاة انكماش المداخيل، تدفع التطورات الإقليمية ومشاكل التوريد بمعدلات التضخم إلى الارتفاع، مما يقلص القدرة الشرائية بشكل حاد.
*الانزلاق نحو الفقر: تدريجياً، تجد هذه الشريحة المتعلمة والمنتجة نفسها عاجزة عن تغطية التزاماتها الأساسية (من سداد قروض السكن والسيارات إلى تغطية أقساط التعليم الجامعي لأبنائها)، مما يضطرها للتخلي عن نمط حياتها والانزلاق المتسارع تحت خط الفقر.

لا تقف آثار هذا التآكل الاقتصادي عند حدود الأرقام والميزانيات، بل تمتد لتضرب عمق المجتمع. عندما يعجز الأفراد عن توفير نفقات عائلاتهم الشهرية وتضيق السبل أمامهم، تترتب على ذلك نتائج اجتماعية وخيمة.
إن غياب التنمية والصناعة واحتجاز الأموال والسيولة وعجز الأفراد عن الوفاء بالالتزامات يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتراجع القدرة الشاملة للمجتمع على الحفاظ على أمنه الداخلي واستقراره.

إن غياب أي أفق حقيقي لبناء اقتصاد صناعي أو إنتاجي فلسطيني مستقل، مع استمرار الإغلاقات وتقييد الحركة، يحوّل المجتمع من مجتمع يطمح للتطوير والبناء إلى مجتمع يبحث فقط عن "البقاء اليومي". هذا الضغط يولد بيئة خصبة للتوترات الداخلية، وتراجع قيم التكافل الاجتماعي، مما يضعف المناعة الجماعية في مواجهة أي ضغوط سياسية خارجية.

في نهاية المطاف، قد تبدو الحروب الإقليمية في نظر بعض الأطراف وصناع القرار كأدوات تخدم مصالح إستراتيجية أو حسابات سياسية بعيدة المدى على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية. لكن النظر إلى الواقع من زاوية الشعوب يظهر حقيقة مغايرة تماماً.

إن الكلفة الحقيقية لهذه الصراعات لا تُقاس فقط بأعداد الضحايا وحجم الأنقاض، بل بالدمار الصامت الذي يلحق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات. إن تآكل الطبقة الوسطى وإفقارها لا يعني فقط خسارة اقتصادية مؤقتة، بل هو تجريف للمستقبل، وإعدام لفرص الأجيال القادمة في العيش بكرامة واستقرار.
ويبقى السؤال معلقاً بانتظار إجابة عاقلة: إلى متى ستستمر الشعوب في دفع أثمان حروب لم تختر خوضها؟

شارك هذا الخبر!