الشريط الاخباري

الضفة الغربية… الجبهة التي لا تنتظر أحدًا بقلم زياد حلبي

نشر بتاريخ: 25-07-2026 | أفكار
News Main Image

بينما تتجه الأنظار إلى إيران واحتمالات المواجهة الإقليمية، كانت الضفة الغربية تتحرك وفق منطق مختلف. منطق التراكم لا الانفجار المفاجئ. فما جرى في قرية تل قرب نابلس ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسار كانت مؤشراتُه واضحة منذ أشهر.

المشهد بدأ، كما في مرات كثيرة، باعتداءات او استفزازات  نفذها مستوطنون، بينهم مجموعات تُعرف ب”فتية التلال”، وهي جماعات وصفتها شخصيات إسرائيلية أمنية وسياسية بأنها تمارس إرهابًا يهوديًا. وخلال الأشهر الأخيرة سقط اكثر من ٣٠ فلسطينياً في اعتداءات مرتبطة بالمستوطنين أو خلال مواجهات أعقبتها، بينما عملية فتح  الملفات الجنائية ، نادرة حدّ الإنعدام!، وفق معطيات منظمات حقوقية إسرائيلية مثل “يش دين”.

وما جرى في قرية تل دفع حتى وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعالون إلى وصف ما حدث بأنه عملية إرهابية نفذها مستوطنون، في توصيف نادر يصدر عن شخصية كانت يومًا على رأس المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. ومع ذلك، سرعان ما انحصر الخطاب الرسمي في نتائج الحادثة لا في أسبابها.

لكن الرواية التي استقرت في الوعي الإسرائيلي اختزلت المشهد في نهايته. فلسطيني استولى على سلاح أحد الاسرائيليين وأطلق النار فقتل ضابطًا وجنديًا إسرائيليين. أما الفلسطينيون الأربعة الذين قُتلوا خلال الأحداث فقد غابوا إلى حد بعيد عن الرواية الرسمية. وتحولت قرية بأكملها إلى عنوان :"أرهابيين لو مخربين "، فيما بقي السؤال عن السياق الذي سبق إطلاق النار هامشيًا في الخطاب السياسي والإعلامي.

هذه ليست مجرد معركة روايات، بل معركة سياسات ،على طبيعة الصراع نفسه. فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يقوم ائتلافها على أحزاب تمثل المشروع الاستيطاني، لا تنظر إلى الضفة الغربية بوصفها ملفًا أمنيًا فقط، بل بوصفها المجال الأخير لحسم الصراع على الأرض. لذلك فإن توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر، وشق الطرق الالتفافية، وربطها بالمياه والكهرباء، وتأمينها بقوات الجيش، ليست إجراءات متفرقة، بل حلقات في سياسة واحدة هدفها إنتاج واقع يصبح التراجع عنه أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

التاريخ يقدم شواهد على أن السيطرة الطويلة تصنع حقائق جديدة لهشاشة القانون الدولي . فمنذ سنوات الانتداب البريطاني اعتمدت الحركة الصهيونية سياسة "السور والبرج"، بإقامة مستوطنة خلال ليلة واحدة ثم تحويلها، بمرور الزمن وتحت حماية القوة، إلى حقيقة سياسية وجغرافية يصعب اقتلاعها. واليوم تبدو الفكرة نفسها مستمرة في الضفة الغربية ولكن بأدوات دولة كاملة تسخر مواردها وجيشها . لم تعد المسألة بناء سور وبرج، بل شق طرق، وربط البؤر بالمياه والكهرباء، وشرعنتها، ثم توفير الحماية العسكرية لها إلى أن تتحول تدريجيًا إلى مستوطنات دائمة. إنها الآلية نفسها التي تجعل الزمن شريكًا في صناعة الجغرافيا. وما إن تستقر الوقائع على الأرض حتى يبدأ العالم بالتعامل معها باعتبارها أمرًا واقعًا، بعد أن كان يصفها بأنها مؤقتة وغير قانونية.

من هنا يصعب فصل التصعيد الأمني عن الحسابات السياسية. فكلما اشتعلت الضفة ، تحول الأمر إلى فرصة مزدوجة للحكومة : وأد الحل السياسي وكسب نقاط انتخابية ، حيث اتسع هامش الدعوة إلى إجراءات استثنائية، من توسيع العمليات العسكرية، إلى تقليص دور السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى تكريس واقع يقترب تدريجيًا من الضم الفعلي للضفة. وليس من قبيل المصادفة أن يتزامن ذلك مع تسارع غير مسبوق في شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع البنية التحتية للمستوطنات. فهذه الخطوات لا تبدو مجرد رد على أحداث أمنية، بقدر ما تنسجم مع مشروع سياسي يرى في كل أزمة فرصة لتغيير الوقائع على الأرض، وفي كل مستوطنة جديدة ورقة إضافية في أي تفاوض مستقبلي تفرغه من مضمونه ، وربما وسيلة لتآكل فكرة الدولة الفلسطينية تدريجيًا حتى تفقد  كل مقوماتها على الأرض.

لهذا فإن السؤال لم يعد إن كانت الضفة الغربية ستشتعل، بل أي شكل ستتخذه بعد هذا الاشتعال. فالتاريخ يقول إن الوقائع التي تُفرض بالقوة ثم تُترك للزمن تتحول تدريجيًا إلى حقائق سياسية. وهذا ما حدث مع المشروع الاستيطاني طوال العقود الماضية. العالم يدين، وإسرائيل تبني، والزمن يتكفل بتحويل البناء إلى أمر واقع. وفي الصراعات الطويلة لا ينتصر دائمًا من يربح المعركة، بل من ينجح في تحويل الزمن إلى حليف. لكن التاريخ نفسه يقول أيضًا إن الوقائع التي يصنعها البشر ليست قدرًا. فهي تتغير عندما تتغير موازين القوى والإرادات السياسية والحسابات الاستراتجية للقوى الكبرى . وحتى ذلك الحين، ستظل الضفة الغربية الجبهة التي لا يحدد مستقبلها ما يجري فيها وحده، بل ما إذا كان العالم سيكتفي مرة أخرى بمراقبة الوقائع وهي تتحول إلى حقائق.

شارك هذا الخبر!