كاتب وصحفي، عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين
شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية
الأوطان لا تموت حين تُحتل، وإنما تموت حين يفقد أبناؤها الإيمان بأنها تستحق أن تُعاش وتُصان. أما فلسطين، فمنذ أن كتبت أول سطر في كتاب التاريخ، لم تفقد هذا الإيمان لحظة واحدة. تعاقبت عليها الإمبراطوريات، وتبدلت فوقها الرايات، ومرَّ الغزاة كما تمر الغيوم فوق قمم الجبال؛ تترك ظلًا عابرًا ثم تمضي، ويبقى الجبل في مكانه، شامخًا، لا يساوم الريح ولا ينحني للعاصفة. وهكذا كانت فلسطين دائمًا؛ ليست لأنها لم تعرف الألم، بل لأنها عرفت كيف تحول الألم إلى صبر، والصبر إلى بقاء، والبقاء إلى وعدٍ لا يخلفه شعبٌ أحب أرضه حتى صار جزءًا من ترابها، وصارت جزءًا من روحه.
وفي بلدة تل، غرب نابلس، عادت الأرض لتكتب وصيتها بدم أربعة من خيرة أبنائها. ارتقى الشيخ الشهيد فاروق رمضان، وارتقى معه ثلاثة من أبناء البلدة، لكنهم لم يغادروا فلسطين؛ بل عادوا إليها على الصورة التي يعود بها الأوفياء إلى أوطانهم. امتزجت دماؤهم بترابها، فكأن الأرض كانت تسترد أبناءها لتقول إن الكرامة لا تحفظها الكلمات وحدها، وإنما يحفظها الثبات على الأرض والإيمان بعدالة القضية.
في فلسطين، لا تكون الشهادة خاتمة الحكاية، بل بداية فصل جديد منها. فكل شهيد يترك وراءه سؤالًا أكبر من موته: ماذا سيفعل الأحياء بكل هذا الدم الطاهر؟ وهل سيكتفون بالبكاء، أم سيحوّلون الفقد إلى قوة، والوجع إلى وعي، والتضحية إلى مشروع وطني يليق بمن رحلوا؟
لقد تعلّم الفلسطيني، عبر عقود طويلة، أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل ذاكرة وهوية وامتداد للوجود الإنساني. هي ذاكرة الأجداد، وملعب الطفولة، ورائحة الخبز في الصباح، وأغنية الأم، وأذان المسجد، وأجراس الكنيسة، وظل الزيتونة التي تعرف أسماء من غرسوها كما تعرف الأم أسماء أبنائها.
ولهذا، فإن من يظن أن القوة تستطيع أن تنتزع الفلسطيني من أرضه، لا يعرف أن الإنسان قد يبتعد عن المكان، لكن المكان لا يغادر قلب صاحبه أبدًا. فالأرض ليست ما نقف عليه، بل ما يقف في داخلنا؛ وحين تصبح الأرض عقيدةً في الوجدان، يغدو اقتلاع الإنسان منها أصعب من اقتلاع الجبال من جذورها.
لقد أصبحت الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها الفلسطينيون في قراهم وبلداتهم، وما يرافقها من عنف يرتكبه مستوطنون بحق المدنيين، جرحًا مفتوحًا في الضمير الإنساني. فهذا العنف لا يهدد الأفراد فحسب، بل يستهدف مقومات الحياة اليومية، من المنازل والأراضي الزراعية إلى مصادر الرزق والاستقرار، ويقوّض فرص الوصول إلى سلام عادل يقوم على احترام الحقوق وسيادة القانون.
وفي خضم هذه الوقائع، لا يجوز إغفال المبادئ التي أرستها الشرائع السماوية، والتي جعلت حماية النفس والمال والعِرض والأرض من المقاصد العليا للعدل. كما كرّس القانون الدولي حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأوجب حماية السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، وألقى على عاتق سلطة الاحتلال التزامات واضحة بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، تُعد المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وهو ما أكدته قرارات متعاقبة صادرة عن الأمم المتحدة وآراء قانونية دولية معتبرة. ومن ثم، فإن حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، وصون حقهم في البقاء في قراهم ومنازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، والتصدي قانونًا لكل أشكال التهجير القسري والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات، ليست مطالب سياسية فحسب، بل هي حقوق قانونية وإنسانية أصيلة، يفرض احترامها وإنفاذها القانون الدولي، كما تمثل التزامًا أخلاقيًا يقع على عاتق المجتمع الدولي.
فالوفاء للشهداء لا يُقاس بعدد الخطب، بل بمقدار ما نبنيه فوق تضحياتهم. إن الشيخ فاروق رمضان ورفاقه لم يورثونا الحزن، بل ورثونا مسؤولية؛ مسؤولية أن تبقى فلسطين حاضرة في الوعي كما هي حاضرة في القلب، وأن تتحول كل تضحية إلى لبنة في بناء المستقبل، لا إلى ذكرى عابرة تستدعيها المناسبات.
إن فلسطين بحاجة إلى ميثاق وطني للصمود، يجعل الإنسان محور القضية، ويحمي القرى المستهدفة، ويدعم المزارعين، ويرعى أسر الضحايا والجرحى، ويعزز بقاء الفلسطيني على أرضه، لأن البقاء نفسه أصبح فعلًا من أفعال الصمود، ورسالةً تقول إن صاحب الأرض لا يتخلى عن حقه مهما اشتدت المحن.
وبالمقدار نفسه، فإن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة البقاء. فما أكثر الحقائق التي ضاعت لأن أحدًا لم يروها كما ينبغي، وما أكثر الروايات المتنافسة التي غلب حضورها على الوقائع بسبب امتلاكها المنابر والصورة والكلمة.
إن الرواية الفلسطينية تستحق أن تُبنى بالوثيقة، والصورة، والشهادة، والبحث، والعمل الصحفي المهني، والخطاب القانوني، حتى تصل إلى العالم كما هي؛ رواية شعب يتمسك بحقه، ويؤمن بأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تُقاس بما تمتلك من قوة، بل بما تمتلك من قدرة على الصمود، وما تغرسه في وجدان أبنائها من إيمان بأن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه فحسب، بل قيمة نعيش من أجلها.
سلام على الشيخ فاروق رمضان.
وسلام على رفاقه الثلاثة الذين خطّوا بدمائهم صفحة جديدة من صفحات الوفاء لفلسطين.
وسلام على كل أم فلسطينية ما زالت تغرس في قلب طفلها حب الأرض قبل أن تعلمه أسماء المدن، لأن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها الإيمان، والوعي، والذاكرة، ووحدة الشعب، وعدالة القضية.
سيذهب العابرون، كما ذهب كل عابرٍ ظن أن التاريخ يُكتب بالقوة وحدها. وستبقى فلسطين، لا لأن الريح لم تعصف بها، بل لأنها تعلّمت أن تجعل من كل عاصفة جذرًا أعمق، ومن كل فقدٍ عزيمةً جديدة، ومن كل جيلٍ وصيةً للجيل الذي يليه. فالأرض لا تنسى أسماء أصحابها، والتاريخ، مهما تأخر، يعرف إلى أي القلوب تنتمي الأوطان.