بقلم د. هاشم ذويب - اقتصاد الأعمال والريادة جامعة القدس
ليس كل من يحمل شهادة ينجح في الحياة، لكن كل من يمتلك رسالة، ويستثمر في نفسه، ويختار بيئته التعليمية بعناية، يقترب كل يوم من صناعة أثرٍ يبقى بعده.”
في كل عام، ومع إعلان نتائج الثانوية العامة، ينشغل المجتمع كله بسؤال واحد
ماذا ستدرس؟
وأعتقد أن هذا السؤال، على أهميته، ليس هو السؤال الذي ينبغي أن نبدأ به.
السؤال الذي يستحق أن يسبق كل الأسئلة هو:من تريد أن تكون؟
فقد يختار الإنسان تخصصًا مرموقًا، لكنه لا يجد فيه ذاته.
وقد يحمل أعلى الشهادات، لكنه لا يترك أثرًا.
وقد يحصل على وظيفة جيدة، لكنه يكتشف بعد سنوات أنه كان يعمل ليعيش، لا ليحقق رسالته.
ولهذا أخشى أن يكون أكبر خطأ نرتكبه مع أعزائنا الطلبة أننا نسألهم عن التخصص قبل أن نسألهم عن الرسالة، وعن الوظيفة قبل أن نسألهم عن القيمة، وعن الراتب قبل أن نسألهم عن الإنسان الذي يريدون أن يصبحوا عليه.
خلال سنوات عملي في جامعة القدس، وعلمي في مجال اقتصاد الأعمال والريادة، أدركت أن النجاح لا يبدأ من اختيار التخصص، بل يبدأ من اختيار الرؤية.
فالتخصص وسيلة.أما الرؤية فهي البوصلة.
وحين يمتلك الإنسان رؤية واضحة، يصبح قادرًا على تحويل أي تخصص إلى قصة نجاح.
أما إذا فقدها، فقد يتحول أفضل تخصص إلى عبءٍ يرافقه طوال حياته.
من منظور اقتصاد الأعمال، لا أنظر إلى التعليم باعتباره مرحلة دراسية تنتهي بالحصول على شهادة، بل أراه أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان في حياته.
فالاستثمارات المالية قد تربح وقد تخسر.
والأسواق قد ترتفع وقد تنخفض.
والتكنولوجيا تتغير بسرعة مذهلة.
أما الاستثمار في العقل، وفي المعرفة، وفي الشخصية، وفي القيم، فهو الاستثمار الوحيد الذي يزداد عائده مع مرور الزمن.
ولهذا يتحدث علماء الاقتصاد اليوم عن رأس المال البشري باعتباره الثروة الحقيقية للأمم، لأنه المورد الوحيد الذي لا ينضب كلما استُثمر فيه بصورة صحيحة. وتؤكد أدبيات اقتصاد التنمية، كما تؤكد التجارب المقارنة التي أحرص على مناقشتها مع طلبتي، أن التحولات الاقتصادية الكبرى ارتبطت باستثمارات طويلة الأجل في الإنسان قبل أي شيء آخر. فسنغافورة انتقلت من دولة محدودة الموارد إلى واحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية في العالم، وكوريا الجنوبية تحولت من اقتصاد أنهكته الحرب إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية، فيما رسخت فنلندا مكانتها من خلال بناء أحد أفضل أنظمة التعليم في العالم. كما تمثل ماليزيا نموذجًا بارزًا لدولة جعلت الاستثمار في التعليم، وتنمية المهارات، وربط الجامعات باحتياجات التنمية الاقتصادية ركيزةً أساسية في تحولها الاقتصادي. وحتى دول واجهت تحديات سياسية واقتصادية معقدة، مثل أيرلندا، أثبتت أن الاستثمار في الإنسان يبقى الطريق الأكثر استدامة للنهوض وبناء اقتصاد قادر على المنافسة. ولم يكن القاسم المشترك بين هذه التجارب وفرة الموارد الطبيعية، وإنما الاستثمار المنهجي في التعليم، والبحث العلمي، وتنمية رأس المال البشري.
وليس من قبيل المصادفة أن الدول التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم ليست بالضرورة الأغنى بالموارد الطبيعية، وإنما هي الأكثر استثمارًا في الإنسان.
لقد أدركت تلك الدول أن الثروة لا تبدأ من النفط، ولا من المعادن، ولا من الأموال، وإنما تبدأ من جامعةٍ قادرة على بناء الإنسان.
فالجامعات ليست مصانع للشهادات.
إنها مصانع للعقول. ومعامل للأفكار. وحواضن للابتكار. ومدارس لإعداد القادة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: أي وظيفة سأحصل عليها؟ بل أصبح: ما القيمة التي سأضيفها؟
إن اقتصاد المستقبل لن يكافئ أكثر الناس حفظًا للمعلومات، لأن المعرفة أصبحت متاحة بضغطة زر.
لكنه سيكافئ الإنسان القادر على التفكير، والتحليل، والابتكار، والعمل ضمن فريق، والتعلم المستمر، وتحويل المعرفة إلى حلول، والحلول إلى قيمة، والقيمة إلى أثر.
وهنا تحديدًا تبدأ ريادة الأعمال.
فريادة الأعمال ليست شركة ناشئة فقط.
وليست مشروعًا تجاريًا فقط. بل هي طريقة في التفكير.
هي أن ترى فرصة حيث يرى الآخرون أزمة.
وأن ترى حلًا حيث يرى الآخرون مشكلة. وأن تؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يصنع الفرصة، لا أن ينتظرها.
ولهذا فإن العالم لم يعد يبحث عن خريجين ينتظرون الوظيفة، بل عن خريجين يصنعون فرص العمل، ويقودون التغيير، ويبتكرون الحلول.
إن الطالب الذي يتخرج وهو يحمل شهادة فقط، قد يجد وظيفة.
أما الطالب الذي يتخرج وهو يحمل علمًا، ومهارة، ورؤية، وشخصية قيادية، وروحًا ريادية، فإنه يستطيع أن يصنع مستقبلًا له، وأن يسهم في صناعة مستقبل وطنه.
وهنا أصل إلى حقيقة أراها في غاية الأهمية…إن اختيار الجامعة لا يقل أهمية عن اختيار التخصص.
فالجامعة ليست مبنى. وليست قاعات محاضرات. وليست مختبرات حديثة فحسب.
الجامعة الحقيقية هي البيئة التي تعيد تشكيل طريقة تفكير الإنسان.
هي المكان الذي يكتشف فيه الطالب ذاته. ويبني ثقته بنفسه. ويتعلم كيف يحول المعرفة إلى قيمة، والطموح إلى إنجاز، والأفكار إلى مشاريع، والأحلام إلى واقع
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس في أي جامعة سأدرس؟ بل: أي جامعة ستساعدني على أن أصبح الإنسان الذي أحلم أن أكونه؟
والإجابة، في رأيي، تبدأ من البحث عن الجامعة التي لا تكتفي بأن تمنحك شهادة، بل تساعدك على اكتشاف قدراتك، وتنمية مهاراتك، وبناء شخصيتك، وإعدادك لتكون قادرًا على المنافسة في عالم يتغير كل يوم.
ومن هذا المنطلق، فإنني أقول ذلك بكل موضوعية، قبل أن أكون أحد أبناء جامعة القدس.
لقد استطاعت جامعة القدس، الجامعة الأولى في فلسطين، أن ترسخ مكانتها لأنها لم تنظر إلى التعليم على أنه عملية تلقين، بل باعتباره مشروعًا لبناء الإنسان. فالجامعة تؤمن بأن الطالب ليس رقمًا في سجل القبول، ولا اسمًا في كشف العلامات، وإنما مشروع قائد، وباحث، ومبتكر، ورائد أعمال، وصاحب رسالة.
ولهذا، لم تعد الجامعة تكتفي بتقديم البرامج الأكاديمية المتميزة، بل عملت على بناء منظومة متكاملة تربط بين التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، وخدمة المجتمع، والشراكات الدولية، انطلاقًا من إيمانها بأن الجامعة يجب أن تكون شريكًا في التنمية، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
ومن أبرز تجليات هذه الرؤية حاضنة الأعمال والريادة في جامعة القدس، التي تمثل مساحة حقيقية لتحويل الأفكار إلى مشاريع، والإبداع إلى فرص، والطموح إلى إنجازات ملموسة. فهي لا تحتضن الأفكار الريادية فحسب، بل ترافق أصحابها في رحلة تطويرها، وتوفر لهم الإرشاد، والتدريب، والتشبيك، بما يساعدهم على بناء شركات ناشئة ومبادرات قادرة على الإسهام في تنمية الاقتصاد الفلسطيني وخلق فرص عمل جديدة.
إنني أؤمن بأن الجامعة التي تمنح طالبها القدرة على صناعة فرصة، لا تقل أهمية عن الجامعة التي تمنحه شهادة، بل إن الجمع بين العلم، والابتكار، والريادة هو ما يصنع خريجًا قادرًا على قيادة اقتصاد المستقبل.
ولأن جامعة القدس تحمل اسم القدس، فإن رسالتها تتجاوز حدود التعليم التقليدي. فالقدس ليست مدينة عادية، بل هي رمز حضاري وإنساني، وملتقى للعلم والثقافة عبر التاريخ.
ومن هنا، فإن الجامعة تؤدي دورًا وطنيًا ومجتمعيًا يتجاوز أسوار الحرم الجامعي، من خلال كلياتها، ومستشفاها التعليمي، ومراكزها الأكاديمية، والصحية، والبحثية، والمجتمعية، التي تسهم في خدمة الإنسان الفلسطيني، وتعزيز صموده، ودعم التنمية، والمحافظة على هوية المدينة ورسالتها الحضارية، ولا سيما في مدينة القدس ومحيط المسجد الأقصى المبارك، حيث تمتد رسالة الجامعة لتلامس احتياجات المجتمع، وتمكين المرأة والطفل، ودعم البحث العلمي، وريادة الأعمال والابتكار، انطلاقًا من إيمانها بأن الجامعة ليست مؤسسة للتعليم فحسب، بل شريك أصيل في التنمية وبناء المجتمع.
إن الجامعة التي تخرّج طبيبًا يعالج، ومهندسًا يبني، وباحثًا يبتكر، ومعلمًا يصنع الأجيال، ورائد أعمال يخلق فرصًا للآخرين، هي الجامعة التي تؤدي رسالتها الحقيقية.
وأقول لأعزائي الطلبة…لا تجعلوا مجموعكم الدراسي هو الذي يحدد مستقبلكم، بل اجعلوه بوابة تعبرون منها نحو أحلامكم.
اختاروا التخصص الذي يتوافق مع قدراتكم، ويشعل شغفكم، ويمنحكم فرصة للإبداع والعطاء.
واختاروا الجامعة التي تؤمن بكم، وتستثمر في عقولكم، وتمنحكم البيئة التي تساعدكم على النمو، والابتكار، وصناعة الأثر.
فالتعليم ليس سباقًا للحصول على شهادة إنه رحلة لاكتشاف الذات، وبناء الشخصية، وإعداد الإنسان القادر على خدمة وطنه والإنسانية.
كما أوجه رسالة صادقة إلى أولياء الأمور… إن أعظم هدية يمكن أن تقدمها الأسرة لأبنائها ليست أن تختار لهم مستقبلهم، بل أن تساعدهم على اكتشافه.
استمعوا إلى طموحاتهم، وآمنوا بقدراتهم، ووجهوهم بالحكمة والخبرة، فنجاحهم الحقيقي لن يتحقق عندما يدرسون ما نحب، بل عندما يبدعون فيما يحبون، ويجدون في تخصصهم رسالة، لا مجرد وظيفة.
وفي الختام…
أؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان وأن الجامعة ليست محطة عابرة في حياة الطالب، بل هي المكان الذي تتشكل فيه رؤيته، وتُصقل شخصيته، وتُبنى فيه قدرته على التفكير، والإبداع، والقيادة.
ولهذا، فإن اختيار التخصص والجامعة ليس قرارًا عابرًا، بل هو أحد أهم القرارات التي سترسم ملامح حياتكم لأربع سنوات، أو خمس، أو ست، داخل الجامعة، لكنها سترسم أيضًا ملامح مستقبلكم لعقود قادمة. فأحسنوا الاختيار… واستثمروا في أنفسكم…
واجعلوا من العلم طريقًا لصناعة الأثر، ومن النجاح وسيلة لخدمة وطنكم، ومن أحلامكم مشروعًا يستحق أن يُروى للأجيال القادمة.