في مطلع تشرين الأول الجاري، رفضت إسرائيل السماح لمسؤولي لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية والرقابة الدولية بالدخول إلى غزة لمتابعة التحضيرات للانتخابات، كما ترفض ذلك في القدس.
تواجه الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني 2026 وضعاً أكثر تعقيداً من تجارب الانتخابات السابقة، إذ لم تعد العقبة مرتبطة بالقدس وحدها، كما كان الحال في انتخابات العام 2006، ومحاولة إجراء الانتخابات العام 2021، بل باتت تشمل قطاع غزة أيضاً.
يضم القطاع نحو 1.24 مليون ناخب من أصل نحو ثلاثة ملايين ناخب فلسطيني، أي عدداً لا يمكن تجاوزه ضمن أي اعتبار، ناهيك عن الاعتبار السياسي الأهم، والذي يتقاطع في أهميته مع ضرورة إجراء الانتخابات في القدس. وبقيت العقبات التي شهدتها محاولة العام 2021 حاضرة أيضاً، وممثلة بعدم سماح الاحتلال بإجراء الانتخابات في المدينة المقدسة، وكذلك بالسماح لبعثة الرقابة الدولية بالإشراف عليها.
وفي إطار لا يقل أهمية، لا يبدو الموقف الأميركي العلني، اليوم، داعماً للانتخابات الفلسطينية، على غرار ذلك الموقف المرحب والداعم والمساند الذي تبنته واشنطن لإجرائها خلال عامي 1996 و2006. لم تضغط واشنطن على إسرائيل في العام 2021، لإجراء الانتخابات في القدس، ويبدو موقفها أشد تعقيدا، اليوم، في ظل الوضع القائم في غزة. فهل تسمح المعطيات والتفاعلات القائمة بإجراء انتخابات في الأرض الفلسطينية المحتلة؟
تتمثل أبرز التحديات التي تواجه الفلسطينيين، اليوم، لإجراء انتخاباتهم التشريعية في القيود الإسرائيلية على الحركة والوصول، وتمكين طواقم التنظيم والإشراف الفلسطينية والدولية على الانتخابات من العمل في القدس وغزة، وضمان قدرة الناخبين والمرشحين على المشاركة في عملية انتخابية ديمقراطية ونزيهة تشمل كامل الأراضي الفلسطينية.
في مقارنة بين المعطيات التي سمحت بإجراء الانتخابات خلال عامي 1996 و2006، مع العام 2021 واليوم، يمكن التوصل إلى نتيجة قد تقدم إجابة عن السؤال المطروح. على رأس تلك المعطيات السماح الإسرائيلي بإجراء الانتخابات في القدس وغزة، وللجان الرقابة الدولية التواجد للإشراف عليها، والأهم المعطى المتعلق بإرادة واشنطن بإنجاز الانتخابات الفلسطينية، بضغط على حكومة الاحتلال لتيسير إجرائها.
جاءت الانتخابات الفلسطينية الأولى العام 1996 في ظل ترتيبات كانت قد حُسمت تفاوضياً بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قبل موعد الاقتراع. فقد نصّ الاتفاق الانتقالي (أوسلو II)، الموقع في 28 أيلول 1995، في بروتوكوله الخاص بالانتخابات، صراحةً على مشاركة الفلسطينيين في القدس في العملية الانتخابية، وحدد آلية خاصة تسمح لهم بالاقتراع عبر مكاتب البريد الإسرائيلية في المدينة، وهو ما حكم مشاركة القدس في الانتخابات التي أجريت في 20 كانون الثاني 1996، قبل نحو أربعة أشهر منها.
أما فيما يخص الرقابة الدولية على انتخابات العام 1996، فقد نص الاتفاق الانتقالي على إسناد مهمة تنسيق بعثات المراقبة الدولية إلى الاتحاد الأوروبي، والذي كان بدأ الاستعداد لهذه المهمة قبل ذلك. وانتشرت وحدة انتخابية أوروبية خاصة ميدانياً قبل الاقتراع بنحو شهرين. ولم يقتصر الدور الأوروبي على مراقبة يوم الاقتراع، بل شمل المساعدة في إعداد للعملية الانتخابية والتنسيق الدولي لها.
اختلف الوضع في الانتخابات التشريعية لعام 2006 عن انتخابات 1996 فيما يتعلق بالقدس. لم تكن إعادة تطبيق ترتيبات التصويت في المدينة محسومة من قبل إسرائيل بعد الإعلان عن العملية الانتخابية، حيث تذرعت بمشاركة حركة حماس في الانتخابات. وحسمت الحكومة الإسرائيلية موقفها رسمياً في 15 كانون الثاني 2006، ووافقت على السماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالمشاركة قبل عشرة أيام فقط من الانتخابات التي أجريت في 25 كانون الثاني وفق الترتيبات التي سبق تطبيقها.
أما الرقابة الدولية في انتخابات العام 2006، فلم تواجه حالة عدم اليقين نفسها التي أحاطت بمشاركة القدس. فعلى غرار انتخابات 1996، جرى التحضير للمراقبة الدولية مسبقاً وبصورة مؤسسية، وبدأ الاتحاد الأوروبي نشر بعثته منذ 12–13 كانون الأول 2005، أي قبل الانتخابات المقررة بأكثر من ستة أسابيع، وأقامت البعثة مكاتب لها في رام الله وغزة والقدس الشرقية ونشرت المراقبين. ورغم ذلك ظلت ترتيبات الاقتراع في القدس معلقة، إلى أن اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارها بالموافقة على مشاركة المقدسيين في الانتخابات، فسمحت صراحة بوجود المراقبين الدوليين وحرية حركتهم، ومكنتهم من مراقبة الاقتراع بما في ذلك مكاتب البريد الستة داخل القدس.
رغم اعتراض إسرائيل على مشاركة «حماس» في انتخابات العام 2006، جاءت الانتخابات في ظل بيئة دولية داعمة بقوة لإجرائها. أتى الدعم للانتخابات في إطار دولي راسخ سياسياً، في ظل عمل اللجنة الرباعية الدولية التي ضمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة. وكانت واشنطن من أكثر الأطراف وضوحاً في الدفع نحو إجرائها في موعدها، إذ اعتبرت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أن الانتخابات الحرة والنزيهة المقررة في 25 كانون الثاني تمثل خطوة أساس في بناء دولة فلسطينية ديمقراطية، ورحبت قبل الاقتراع باتجاه الحكومة الإسرائيلية للسماح بمشاركة فلسطينيي القدس وفق الترتيبات السابقة.
جرت انتخابات العام 2006، كما انتخابات العام 1996، في ظل دعم أميركي ودولي واسع لإجراء العملية الانتخابية الفلسطينية. في العام 1996، ارتبطت الانتخابات مباشرة بمسار أوسلو وبناء مؤسسات السلطة الفلسطينية، وحظيت بدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ودول عربية رئيسة، باعتبارها إحدى خطوات تنفيذ الاتفاقات الانتقالية؛ ورافق ذلك دعم سياسي ومالي دولي واسع.
بدت البيئة المحيطة بالدعوة إلى الانتخابات الفلسطينية العام 2021 مختلفة عن تجربتي 1996 و2006، رغم وجود دعم دولي واضح لاستئناف العملية الديمقراطية بعد خمسة عشر عاماً من آخر انتخابات تشريعية. فعلى صعيد القدس، طالب الفلسطينيون بإعادة تطبيق الترتيبات التي استندت إلى اتفاق (أوسلو II) ونُفذت في الانتخابات السابقة، إلا أن إسرائيل لم تعطِ جواباً نهائياً بشأن السماح بالاقتراع في القدس الشرقية قبل موعد الانتخابات التشريعية المقرر في 22 أيار. وظهر التعثر بصورة مماثلة في ملف الرقابة الدولية؛ إذ قدم الاتحاد الأوروبي في 8 شباط من ذلك العام طلباً رسمياً إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية للسماح بدخول بعثة استكشافية أوروبية تمهيداً لنشر مراقبي الانتخابات، إلا أن الطلب ظل بلا جواب حتى أواخر آذار، وذلك في تباين واضح مقارنة بعامي 1996 و2006 حين انتشرت بعثات المراقبة الأوروبية مسبقاً وبتنسيق مع إسرائيل.
قد يفسر الموقف الأميركي هذا التباين الذي تجلى بين محاولة إجراء انتخابات العام 2021 وبين الانتخابات التي سبقتها في عامي 1996 و2006، فإدارة جو بايدن التي أيدت ممارسة الفلسطينيين لحقهم الديمقراطي، تجنبت ممارسة ضغط علني على حكومة إسرائيل، حيث لم تطالب واشنطن صراحة إسرائيل بالسماح بالاقتراع في القدس.
ويبدو الموقف الأميركي من الانتخابات الفلسطينية الحالية أكثر غياباً عن المشهد مقارنة بما كان عليه خلال مراحل الدعوة للانتخابات الفلسطينية السابقة، فلم تخرج أي تصريحات رسمية أميركية حول الانتخابات الفلسطينية.
تقود إدارة ترامب في الوقت الحالي الترتيبات السياسية والأمنية الانتقالية الخاصة بغزة من خلال مجلس السلام. وبعد عام على دخول خطة ترامب لوقف حرب غزة حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025، نجحت المرحلة الأولى في تحقيق تبادل الأسرى، بينما بقي وقف إطلاق النار هشاً، وظلت عناصر أساسية غير مكتملة. رغم انسحاب القوات الإسرائيلية عند بدء الاتفاق إلى ما عرف بـ«الخط الأصفر»، الذي أبقى نحو 53% من مساحة القطاع تحت سيطرتها، عادت إلى التقدم تدريجياً إلى ما وراء ذلك الخط، لتتسع المنطقة الواقعة تحت سيطرتها إلى نحو ثلثي القطاع. وقدرت مجموعة الأزمات الدولية نطاقها في آب الماضي بنحو 65 إلى 70%. كما بقي دخول الاحتياجات الغذائية والإنسانية أدنى بكثير من المستوى الذي نصت عليه تلك الترتيبات. ولم يتوقف القتل أيضاً مع وقف إطلاق النار؛ فبحلول الذكرى السنوية للاتفاق تجاوز عدد من فقد حياته بنيران إسرائيل خلال تلك الفترة في غزة 1,400 فلسطيني.
أصبحت هذه الاختلالات جزءاً من المعضلة التي تعطل الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب وخريطة الطريق ذات النقاط الخمس عشرة التي أعلنها مجلس السلام في 30 تموز، حيث ربطت تفكيك البنية العسكرية لـ»حماس» بانسحاب إسرائيلي مرحلي، وانتقال الإدارة إلى لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، وانتشار قوة الاستقرار الدولية وقوة شرطة فلسطينية جديدة.
قبلت الفصائل الفلسطينية خريطة الطريق، كما حلت «حماس» في تموز لجنة الطوارئ الحكومية التي كانت تدير القطاع، وأعلن رئيسها استقالته واستعداد الموظفين المدنيين للعمل تحت سلطة اللجنة الجديدة؛ التي شكلها مجلس السلام. إلا أن أعضاء تلك اللجنة لم يتمكنوا حتى الآن من دخول غزة وتسلم مهامهم، بسبب رفض إسرائيل ذلك، وربط دخولهم للقطاع بسحب سلاح حركة حماس بالكامل ومن طرف واحد، أي بعدم ربط ذلك بانسحابها التدريجي من القطاع.
وفي المسار الأمني، لم تسمح إسرائيل بنشر قوة الاستقرار الدولية أيضاً في غزة. فبعد موافقتها في تموز الماضي بالسماح لنحو 200 عنصر الدخول للقطاع، والتي لها دور في المشاركة بجمع سلاح حركة حماس، تراجعت إسرائيل في آب الماضي، مؤكدة أنها لن تكون هناك إعادة إعمار أو خطوات جوهرية قبل نزع سلاح «حماس» بالكامل. ورغم أن تلك القوات تشكلت من دول تعتبرها إسرائيل «صديقة»، إلا أنها تحتفظ بحق الموافقة والاعتراض على مشاركتها والتنسيق معها، وفق تطورات واعتبارات سياسية.
تعتبر خريطة الطريق الأميركية نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي مسارين متدرجين ومترابطين، بينما رفضت إسرائيل الوثيقة ذات النقاط الخمس عشرة واشترطت نزعاً كاملاً للسلاح قبل أي انسحاب. وخلصت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن إسرائيل أبقت المرحلة الأولى غير مكتملة، ومنعت اللجنة الفلسطينية من مباشرة عملها، ووضعت شروطاً قصوى بشأن نزع السلاح لتعطل الانتقال إلى المرحلة التالية.
لم تستخدم واشنطن نفوذها لضمان دخول اللجنة الإدارية التي أنشأتها، أو تنفيذ الانسحاب المتفق عليه، أو نشر القوة الدولية بالصورة التي تصورتها الخطة، بل عدّل مجلس السلام الذي تقوده واشنطن موقفه بعد الاعتراض الإسرائيلي، فأعلن مسؤولوه لاحقاً أنه لن يطلب من إسرائيل الانسحاب قبل اتخاذ خطوات موثقة لنزع سلاح حركة حماس. وهنا يصبح السؤال حول مدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها لإزالة العوائق الإسرائيلية أمام إجراء الانتخابات الفلسطينية في غزة والقدس مجرد سؤال عبثي غير واقعي.
أعلن نتنياهو صراحة رفضه قيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن، سواء في الضفة أو غزة. وأقرت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع مطلع 2024 رفض الاعتراف الدولي الأحادي بالدولة الفلسطينية، وصوّت الكنيست في منتصف ذلك العام بالأغلبية ضد قيام دولة فلسطينية غرب الأردن. وقال نتنياهو في العام التالي، إن التصور الإسرائيلي لـ«اليوم التالي» هو إدارة مدنية لغزة «لا تديرها (حماس) ولا السلطة الفلسطينية»، مع احتفاظ إسرائيل بمسؤولية أمنية لفترة غير محددة. وقد حققت اللجنة الإدارية التي خلقتها خطة ترامب رغبة إسرائيل في ذلك.
يتناقض ذلك مع التصور الفلسطيني، فالانتخابات الفلسطينية الشاملة يمكن أن تصبح آلية لإعادة توحيد الفلسطينيين ودعم الشرعية الرسمية السياسية لبلدهم. ويبقى إجراء هذه الانتخابات مرهوناً بقرار وسلطة الاحتلال، لكن الشرعية الفلسطينية ترسخها وحدة الفلسطينيين وتفاهمهم، فليست الانتخابات، التي تتحكم بها إسرائيل هي الطريق الوحيد إلى ذلك.