قلم

مَن أيقظ الوحش؟

بقلم/ توفيق أبو شومر

أعرفُهُ، إنسانا مسالما، رافقته مغتربا، وكان باعث سلام، وكانتْ أفضلُ نشاطاتِهِ في الغُربةِ إصلاحَ ذات البين ، وهو من أنصار، الحكمة التي تقول:
إن جابي الحقوق جميعها هو الله.
فقد كان شيخا وواعظا، على الرغم من صغر سنه، وكان دائما يُردد هذا البيت :
ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبني فمضيتُ ثُمَّتَ قلت لا يعنيني
كنتُ أتمنى أن أكونَه لرأفته وحلمه الواسع!
ما الذي غيَّر صديقي المُسالم، عندما حطّ رحالَه وسط قومه وعشيرته، من عاشقٍ للوئام، إلى باحث عن الحرب والخصام؟ من المسؤول عن ميلاد الوحش في داخله، مما جعله يمزِّقُ لحم إخوته وأبناء عمومته، بسبب قطعةِ أرضٍ، وجدار بيت؟
هناك بالتأكيد أمرٌ خطير أدى إلى ذلك، هل هو الذي وصفَهُ طرفة بن العبد؟:
وظلمُ ذوي القُربَى أشدُّ مضاضةً… على المرءِ من وَقْعٍ الحسامِ المُهنَّدِ.
أم أنه الجو العام في أي مجتمع من المجتمعات القبلية، ومقولة: ” كن ذئبا وسط الذئاب”؟
العنف اليومَ هو لغة مجتمعنا، يمارسه الصغير والكبير، وليست هناك برامج لإزالة العنف من النفوس، فمعظمُ الفنون مُحرَّمةٌ، أو شبهُ محرمةٍ، وتحولت الرياضات البدنية، والنفسية إلى مجالس للنميمة، وأصبح السيدُ في مجتمعنا هو من يملك المال، وغاب أهلُ القيم والمكرمات، وصار الناسُ يسمون الواعين والمثقفين تارة ، مساكين، وطورا، مجانين، يعيشون في غير عالمهم، وفي رأي آخر، هم تافهون لا يفهمون الحياة ! من السهل أن يصبح الإنسان (وحشا) كاسرا ، ومن السهل أن يغدو الأطفال عنيفين ، ومن السهل أن تتحول الأسرُ الوديعةُ إلى كتائبَ حربيةٍ ، ولكن من الصعب أن يصير الإنسان مسالما، ودودا، عطوفا، رحيما، فمنذ الخليقة، وحتى اليوم، حاولت جميعُ الأديان السماوية أن تُغيِّر الإنسان من وحشٍ إلى كائن أليفٍ، أنيس، ولم تنجح حتى اليوم، بل وُظِّفتْ الأديانُ للإرهاب!
استعدتُ بيتَ الشاعر الفَكِه، دعبل الخزاعي، لكي أهربَ من صورة الوحش الكامن في داخلنا:
وفي الهيجاء ما جرَّبتُ نفسي ولكنْ في الهزيمة كالغزال
أكمل أحدُهم، يقال، إنه سوريٌ من حوران البيتَ السابق بأبيات أكثر فكاهة، قمتُ بتعديلِ بعضها، فقال:

(إذا هربوا سبقتهمو جميعا وإن هجموا فقد وفّرتُ حالــــــي
إذا جربتُ نفسي كنتُ شهما أصيحُ بملء صوتي لا أُبالـــــي
وقد شاهدتُ صرصارا صغيرا فلم أهرب ولا سلمتُ حالــــــــي
إلى أن جاءني مددٌ عظيمٌ من المولى الكريم بلا جـــــــدال
فألهمني بأن أُلقي بنفسي وأن أهرب على قمم الجبـــــال
ولي عزمٌ يشقُّ الماء شقّا ويمعسُ بيضتين على التوالي
ويقطع خيط قطن بعد شدٍّ إذا ما الخيط كان على انحلال
وأن أدخل على الصيصان يوما أدوسُ كبيرها تحت النِّعـــــال
ترى الفئران تهرب من أمامي إذا ما أبصَرَتْ يوما خيالــــي
وتلك مزية الشجعان مثلي يفرُّ عدوهم قبل النّـــــــزالِ)

Print Friendly