قرار اليونسكو في مواجهة جنون العنصرية بقلم :د. مصطفى البرغوثي- الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

نسف قرار المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو بشأن المسجد الأقصى والحرم الشريف محاولات الحركة الصهيونية وحكومات اسرائيل تزييف التاريخ، ووجه ضربة موجعة لمحاولات تقسيم المسجد الأقصى وتهويده. وأدان اعتداءات اسرائيل المتواصلة على القوانين والمواثيق الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول المتحضرة، بما فيها قواعد لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة، واتفاقية حماية التراث العالمي.
ومنح ذلك القرار الذي جاء تحت عنوان “فلسطين المحتلة” الشعب الفلسطيني أداة هامة لتأكيد أن فلسطين “دولة تحت الاحتلال” وللمطالبة بمعاقبة اسرائيل على خروقاتها المتكررة للقانون الدولي، واعتداءات مستوطنيها وجيشها على المسجد الأقصى باقتحامه، وتطاولهم المتواصل على حرية العبادة للمسلمين والمسيحيين في مدينة القدس.
ولا تنبع قوة القرار فقط من الدول الأربع وعشرين التي صوتت الى جانبه ومن ضمنها روسيا والصين، بل أيضاً من حقيقة ان 26 دولة، بما فيها معظم الدول الأوروبية لم تعارضه بل امتنعت عن التصويت مؤكدة فعلياً عدم قدرتها على التصويت ضده رغم كل الضغط الاسرائيلي وذلك يمثل اعترافاً ضمنياً بصحة القرار.
ستة دول فقط وقفت ضده وهي الولايات المتحدة (وذلك أمر متوقع) وبريطانيا وألمانيا و هولندا وليتوانيا و استونيا.
أما الرد الإسرائيلي على القرار بمقاطعة اليونسكو، فلا يعني سوى أن إسرائيل تعمق عزلتها وعزلة سياستها العدوانية بيديها.
ويمثل ذلك الرد تجسيداً لنهج عزل النفس وتقمص دور الضحية، وبناء الجدران الواحد تلو الأخر.
ولن يفيد الحكومة الإسرائيلية مقترحات بعض أعضاء الكنيست المتطرفين مثل غليك بتصعيد الاعتداءات والاقتحامات للمسجد الأقصى.
رأينا في الأسبوع الماضي نموذجاً للعنصرية المقززة بما صدر عن نائب رئيس بلدية الاحتلال في القدس، ترجمان الذي وصف أهالي القدس الفلسطينيين بأنهم “حيوانات”. ولم نسمع دعوة واحدة من أركان الحكومة الإسرائيلية تدعو هذا العنصري الوقح للاستقالة او الاعتذار عما قاله بحق المواطنين العرب.
أما مقارنة نتنياهو لاسرائيل بالصين ومصر حين قال أن نفي علاقة اليهود بالمسجد الأقصى تشبه نفي علاقة المصريين بالأهرامات والصينيين بسور الصين العظيم، فذكرتنا بمستوى التبجح الذي يمثله نتنياهو. فما هو وجه المقارنة بين حضارتي مصر والصين العريقتين والتي تمتد لأكثر من خمسة الآف عام مع 69 عاماً مما بنته إسرائيل من نظام أبارتهايد وتمييز عنصري هو الأسوأ في تاريخ البشرية، من خلال استخدام التطهير العرقي لمعظم الشعب الفلسطيني ثم احتلال ما تبقى من أراضيه منذ حوالي خمسين عاماً.
لكن ما جرى في اليونسكو يذكرنا بأهمية مواصلة المقاومة السياسية والدبلوماسية للاحتلال، وذلك يعني الانضمام لكافة منظمات الأمم المتحدة، وخاصة ما يحرج اسرائيل وأنصارها كمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الغداء العالمي ومنظمة الملكية الفكرية، وهي منظمات لن تستطيع دول كالولايات المتحدة مقاطعتها أو وقف التمويل عنها، كما فعلت بمنظمة اليونسكو.
وهو يؤكد ضرورة مواصلة الجهد كي تبدأ محكمة الجنايات الدولية التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، بالاستيطان والعدوان المدمر على قطاع غزة، ومعاملة الأسرى والأسيرات، ولو تطلب الأمر اللجوء إلى الإحالة لتثبيت الحق الفلسطيني في مقاضاة اسرائيل.
كان هناك في يوم من الأيام نظام فصل وتمييز عنصري بشع في جنوب افريقيا، واقتضى الأمر نضالاً طويلاً بدأه غاندي واختتمه نيلسون مانديلا بعد حوالي مائة عام بالانتصار عليه واسقاطه.
وكلما زارنا صديق من جنوب افريقيا، يقول لنا أن الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب على يد اسرائيل أسوأ بكثير وكثير جداً مما كان عليه نظام الابارتهايد في جنوب افريقيا.
ألا يوجد من يتعظ من عبر التاريخ البعيد والقريب؟

Print Friendly