حررتوها؟ نعم… سنحررها

بقلم/ د. شارلي يعقوب أبو سعدى

         تلقيت قبل عدة أيام دعوة لحضور أعمال الجلسة الإفتتاحية للمجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في مدينة رام الله. وبعدها بيومين وبينما كنت عائداً إلى بيتي أوقفني أحدهم وسألني: “حررتوها؟” وما كان مني إلاّ أن أجبته: “نعم سنحررها يوماً ما بإذن الله”.

         سؤال صديقي هذا كان ساخراً نوعاً ما، وهذا يعكس حالة الإحباط الواضحة التي يمرّ بها شبابنا العربي. غير أن الخطر يكمن في تبني الشعب عامة ثقافة الانهزام والفشل وخيبة الأمل. فترى الناس مستسلمين للجبروت ومنكسرين أمام قوة الشر وخانعين للشيطان والعفريت المسيطر على أرضنا وما فوقها وما هو تحتها. فماذا نحن بفاعلين أمام هذا الطاغية المحتل؟

         يذكرنا التاريخ أن ما يحدث معنا كان قد حدث مراراً وتكراراً مع شعوب عدة غيرنا عاشوا مظلومين فسلبهم الغزاة أرضهم وعرضهم، فأصبحوا غرباء حتى داخل وطنهم. آخرون هجروا الديار ونسيوا لغتهم وفرّطوا في ثقافتهم. قسم منهم صاح في وجه الله فظنوه غافياً نائماً فصرخوا: “اين أنت يا الله، لماذا أنت نائم، لما لا تسمع صوت تأوه أمهات الشهداء وأنين الجرحى وعويل المعتقلين ونوح المهجرين والمهاجرين واللاجئين؟”.

نعم، خُضنا حروباً ومعارك عديدة، فكانت النكبة والنكسة علامتان سوداوان وفارقتان في تاريخنا الحديث. وأصبحت حياتنا تعاني قسوة الشتاء، بينما السماء أضحت مظلمة. وتغنّى الشيطان باستعمال القوة المدمرة سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية أم دينية فاغتصب هذا الشيطان كل شيء، ففقد الاحتلال انسانيته وأفقدنا انسانيتنا بالرغم عنّا.

عملنا وحاولنا وقاومنا وتحدينا الشيطان. فشلنا في بعض المرات ولكننا نجحنا في بعض المعارك الصغيرة. لكن يجب أن نكون شعبا لا يستسلم، ولا للتفكير السلبي الهدّام بالرغم من الحيرة والجهل في ما يمكن عمله. وبالرغم من الفساد لدى كثيرين، سيبقى فينا صالحون وفاسدون. ولكن الفاسدين في مواقع المسؤولية يجب أن يعوا ويدركوا أنهم يقتلون شعبا بأكمله. لقد حان الوقت لأن نكون فقط صالحين.

في ليلة صافية من ليالي صيف قدسنا الجميلة أرسل لي أحدهم رسالة وطلب مني الإجابة على السؤال الصريح هذا: “في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا وفي ظل استمرار الانقسام… من سيتغلب على الشيطان وكيف سنهزمه؟ إنه شيطان عنيد لن يتزحزح عن أرضنا. من الأفضل أن نتماشى مع الوضع الراهن ونعيش حياتنا يوماً بيوم وننسى”.

هذه تجربة وأسئلة تراود الكثيرين. ولكن التاريخ يعلمنا أن الدول تزول. والأخلاق تعلمنا أننا نقدر أن نكون وأن نعيش إذا أردنا مهما كانت القوى التي تظلمنا. كان البابليون محاربين أشداء امتازوا بالوحشية وسهولة الاستيلاء على المدن وممتلكات الغير. ويبدو أن شيطاننا تعلّم منهم، إذ كان هؤلاء البابليون يشيدون الأسوار الشامخة العالية حول مدنهم وذلك ليحصلوا على الأمن والأمان. لكن، ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً. انتهت مملكة بابل وجبروتها كما سقطت امبراطورية الرومان العتيدة. أمّا في عصرنا هذا فسقط نظام الفصل العنصري “الأبارتهايد” في جنوب إفريقيا.

انتصر الحق في جنوب إفريقيا في لحظة كان اليأس ما يزال مسيطراً على الإخوة الأفارقة. وكانت الغلبة على الشيطان مفاجأة للجميع جاءت في وقتها لينتهي مسلسل الحقد والغطرسة. وسيأتي اليوم الذي سنحتفل به بالنصر والحرية ذلك لأن الله سبحانه لن يدع الشيطان يفوز. وهو يستطيع أن يحقق مقاصدنا العادلة مهما طغى الشر والاحتلال والموت والألم، وهو الحي العادل الجبار والمسيطر على كل شيء مهما بلغ الشيطان من قوة وسلطان. ولكل شيء وقته وحَدُّه. ما ينقص شعبنا في هذه الظروف هو الوحدة الداخلية وقوة البصيرة لنرى ما يجري من حولنا بشكل أوضح لنتصرف وفق ذلك، وننتقل إلى حالة جديدة وخلاّقة من العمل السياسي والاجتماعي والدبلوماسي. إن ألم شعبنا الفلسطيني يجب أن يساعدنا في النمو كأفراد وكشعب. وبإذن الله سننجح يوما ما وسيكون لنا وطن ننعم بخيراته، نحترمه ونحافظ عليه. وطن نحميه من كل خلل أخلاقي وفكري ومن كل شائبة قد تأتي من الداخل أو من الخارج. وسنبقى هنا وسيبقى الوطن في قلوبنا ووجداننا، ولن يقوى عليه الشيطان أبداً.

Print Friendly, PDF & Email