صفقة القرن صفعة مرتدة على أقطابها بقلم المستشار نايف الهشلمون الأيوبي

“صفقة القرن” سوف يعلن عنها رسمياً الشهر المقبل، ولأهميتها القصوى نرى أن كثيرين يتحدثون عنها، فمنهم من يطبّل، ومنهم من يزمّر، ومنهم من يضرب كفاً بكف، حيث يرى هؤلاء أنها مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية، وتجسيد لمؤامرة وعد بلفور سنة 1917 الذي مثّل الدور الأوروبي في صناعة الكيان الصهيوني ثم الدور الأمريكي القائم بغطرسة على تغيير معالم المنطقة، والتطبيع بين دولها وكيان الإحتلال اسرائيل.

البعض يعتبر أن “صفقة القرن” غير واضحة، والبعض الآخر يرى ألوانها بالأسود والأبيض، ومنهم من يقول بأنها عرضت على علية القوم من المعنيين الكبار، وجرى الحديث فيها وتوزيع الأدوار، وما مؤتمر البحرين تلك المهزلة المسماة “مؤتمر السلام والازدهار” سوى خطوة على طريق تمويل وتسويق “صفقة القرن” وكأنها هبة السماء، وصفة اقتصادية ستكون ثمناً لحل سياسي. إن التسريبات تشير إلى أن الاقتراح الأمريكي للاتفاق، ينقسم إلى قسمين، في المرحلة الأولى “السلام الاقتصادي”، ثم “السلام السياسي”.

صفقة تسير وفق مراحل خطط لها جيداً، ربما يحصل بها 10-20% من التعديلات الجيوسياسية، والتي في حدها الأدنى توطين لاجئين فلسطينيين في بعض الدول العربية مقابل مساعدتها اقتصادياً، وتوطئة لضم إسرائيل لمعظم مناطق الضفة الغربية، رغم زيادة التناقضات بين المواقف الدولية، وثمة تحالفاً ثلاثياً أصبح واقعاً بين واشنطن وموسكو وتل أبيب، يعمل من أجل فرض تلك الصفقة، بالتعاون مع دولاً أوروبية وعربية واسلامية. اضافة إلى كسب تأييد ايران للصفقة، مقابل التنازل لها عن مناطق نفوذها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وبناء تفاهم أو تحالف مع الغرب، حيث يعتقد الأميركيون أن الإتفاق مع إيران قادر وبقوة على إنجاز “صفقة القرن”.

التاريخعلمنا بأنه خلال الأحداث المصيرية للقضية الفلسطينية، مثل أعوام 1922، 1937، 1947، 1967، 1978، 2000 لم يكن مجال للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، ولا حتى مكان للنقاش، ولا لسماع رأي المواطن، بل والمثقف الوطني، وكانت الأحداث والوقائع تفرض على الناس. نلمس ذلك بالمنهجية الأميركية التي تعتمد على العنجهية و(عقلية الكاوبوي) في تمرير سياساتها، والتي غالبا ما تخلو من المصداقية والواقعية في الطرح، عدا عن الظلم والقتل الذي تمارسه في الكثير من البلدان، بل ودفع (الخاوة) من دول خليجية.

الحقيقة، ربما نحن الآن أمام اختتام مخطط عمره أكثر من 100 عام، وبمشاركة قادة وأبناء وأحفاد العديد من دول العربان، وبتغطية مالية ومادية وسياسية منهم، وقد أصبحنا نسمع ونعيش ذلك في العلن، وبكل وقاحة ووفق ما يأمرهم به (الكاوبوي ترمب). يدعمون مستوطنات المحتل، ومؤسساته وسياساته، ومن جانب آخر يضيقون الخناق على الإقتصاد الفلسطيني، ويحاصرون اللاجئين ويمنعون المعونة عنهم رغم الدمار والقتل وتكرار ترحيل بعضهم.

الشعب الفلسطيني رغم همته وعزيمته وقدراته، أعتقد أنه قد لا يستطيع الصمود في وجه هذا المخطط اللعين، الذي يتحالف معه من يفترض أن يكون داعما وسنداً للقضية، عدا عن أن الشعب يفتقر إلى الدعم الحقيقي وعناصر المواجهة مع أقطاب الصفقة وخفافيشهم. السعب لن يستطيع الصمود الحقيقي فقد عجز عن حل الإنقسام، ومواجهة المفسدين، كما أن الشعوب العربية والإسلامية مغلوب على أمرها، مضلًلًة وملتهية بواقعها.

وأمام كل ذلك، يتوجب على القيادة الفلسطينية تحمل مسؤولياتها بالمصالحة الفلسطينية والوحدة الوطنية أولاً، وتضافر الجهود لإعداد برنامج وطني، وبالمشاركة الشعبية، لمواجهة التحديات باستراتيجية وطنية شاملة، تستند إلى حالة وطنية فلسطينية قوية ومتماسكة وآليات ميدانية فعّالة، تقوم على علاقات أساسها قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية الحقة، والانتقال من الرفض الكلامي لصفقة ترامب إلى التطبيق العملي والميداني بتطبيق قرارات المجلس المركزي في دورتيه (5/3/2015 – 15/1/2018) والمجلس الوطني (30/4/2018) في رسالة واضحة إلى دول العالم أجمع، عن وحدة موقف الشعب الفلسطيني، ورفضه كل الحلول البديلة لحقوقه الوطنية المشروعة، واستعداده الكفاحي لتقديم كل التضحيات الضرورية من أجل كل حقوقه، ومن أهمها حق العودة، ودحض كافة المشاريع البديلة.

ورغم كل ذلك، وباختصار.. أنا لست متشائماً مهما كانت التحديات، بل متفائل وإلهامي ينبع من هذا الشعب العظيم. أرى أن المستقبل سوف يبعث شباب يُحسن التعامل مع “صفقة القرن”، شباب قادر على رسم الأمل.

الكاتب: المستشار نايف الهشلمون الأيوبي رئيس مركز الوطـن/ فلسطين و سفير المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي- مملكة النرويج

Print Friendly, PDF & Email