الرئيسية / أفكار / تاريخ ومعالم كنيسة القيامة( كنيسة القبر المقدس)
حنا عيسى

تاريخ ومعالم كنيسة القيامة( كنيسة القبر المقدس)

إعداد الباحث:د.حنا عيسى – أستاذ القانون الدولي

هي كنيسة داخل أسوار البلدة القديمة في القدس المحتلة ، بنيت فوق الجلجلة أو الجلجثة ، وهي مكان الصخرة التي “ان المسيح صلب عليها ، وتحتوي الكنيسة على المكان الذي انه دفن فيه المسيح واسمه القبر المقدس “، سميت كنيسة القيامة بهذا الاسم نسبة إلى قيامة المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث من موته على الصليب ، بحسب العقيدة المسيحية. ويطلق اسم القيامة على مجموع الكنائس التي شُيدت فوق القبر والجلجلة ومغارة الصليب.

وتستمد كنيسة القيامة – المعروفة عند الغربيين بالقبر المقدس – مكانتها الدينية من قصة المسيح عليه السلام مع كهنة اليهود الذين تآمروا عليه وقاموا بصلبه في مكان هذه الكنيسة ، كما يعتقد بذلك جميع المسيحيين في العالم، ويحج إليها كل سنة الالاف المسيحيين .

تاريخ كنيسة القيامة:

*الدور الأول

يبدأ من حادثة صلب المسيح ودفنه سنة 33 م كما وردت في الأنجيل وينتهي بإعتناق قسطنطين الكبير المسيحية وهدم المعبد الوثني المشيّد على القبر واكتشاف القبر والجلجلة والصليب من قبل أمه الملكة هيلانة سنة 326 م. ومدة هذا الدور 293 سنة.

*الدور الثاني

يبدأ من فراغ الملكة هيلانة من تشييد البناء البيزنطي الذي أقامته على القبر والجلجلة وكهف الصليب سنة 336 م، وينتهي بهجوم الفرس واستيلائهم على القدس وتدميرهم القيامة سنة 614م. ومدة هذا الدور 278 سنة.

*الدور الثالث

يبدأ من تاريخ إعادة بناء الكنيسة من قبل مودستس سنة 629م، واسترجاع هرقل خشبة الصليب من الفرس، ويستمر الى سنة 1009 م التي فيها دكّت القيامة بأمر من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. ومدة هذا الدور 380 سنة.

*الدور الرابع

يبدأ من تاريخ بناء الكنيسة ثانية من قبل الملك قسطنطين الملقب بمونوماخوس سنة 1048 ويستمر الى سنة 1130 م حين بدأ الصليبيون في تغيير هندسة بنائها. ومدة هذا الدور 82 سنة.

*الدور الخامس

يبدأ من البناء الصليبي الذي انتهى في سنة 1149 م وهو البناء الحالي ويستمر الى يومنا هذا.

وحول بناء كنيسة القيامة وتأسيسها فإن كتب التاريخ المسيحي تذكر أن الملكة هيلانه أم الملك قسطنطين حضرت الى القدس في الثلث الأول من القرن الرابع للميلاد – والتي كانت تعرف آنذاك بأورشليم- وقد تجاوز سنها الثمانين، وكانت القدس آنذاك خربة وكان الوثنيون قد أقاموا في الجلجلة-مكان الكنيسة اليوم- هيكلا للمشتري وتمثالا للزهرة، فأمرت الملكة بهدم هذه التماثيل، وأمرت بالتنقيب في المكان بحثا عن الصلبان، وبعد عناء تم العثور على ثلاثة صلبان، يعود اثنان منهما للصليبين اللذين” صلبا” مع السيد المسيح، أما الأخير فهو صليب المسيح، وتقرر الشروع في بناء كنيسة في هذا المكان، وقد عهد قسطنطين بالإشراف على بناء كنيسة القيامة إلى الوالي “دريشليانوس”، وأعطى إدارتها إلى كاهن من القسطنطينية يدعى “أوستاط”.

وبدء بناء الكنيسة سنة 326م، وانتهى سنة 335م، وقد تعرضت الكنيسة بعد ذلك لعدة حوادث وعمليات حرق وهدم وتخريب، حيث دمرها الفرس بتدمير القدس سنة 614م، وأحرقت قبتها سنة 965م، وهدمت بأمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله سنة 1009م، كما كانت ايضا ضحية الحريق الذي شب سنة 1808م، حيث سقطت القبة وتلفت أجزاء كبيرة منها.

ومنذ البداية كان البناء الأساسي لهذه الكنيسة يتكون من ثلاث كنائس متجاورة، وهي كنيسة الجلجلة في مكان الصلب- حسب المعتقد المسيحي-، وتقع اليوم على يمين الداخل إلى كنيسة القيامة، وكنيسة مجاورة شملت في وسطها القبر المقدس، وكنيسة فوق البئر التي وجدت فيها الصلبان الثلاثة، هكذا كانت صورة هذه البقعة إلى أن احتل الصليبيون القدس سنة 1099م، فقاموا بتوحيد هذه الكنائس الثلاث، على شكل صليب، وتحت سقف واحد، وأصبحت الكنائس المنفصلة كنيسة واحدة كبيرة، حيث اصبح القبر المقدس حرما مقدسا تحيط به الأعمدة الحجرية الضخمة على شكل دائري تتربع فوقها القبة، وأصبح سطح المبنى الكامل يضم قبتين واحدة سوداء وأخرى بيضاء.

القيامة في دورها الأول (العهد الروماني الوثني)

تأسّست أول كنيسة في العالم في اورشليم يوم حلول الروح القدس على التلاميذ، وكان عدد المؤمنين قبل الحادث قليلاً جداً، الا ان هذا الحادث العظيم الذي شهدته الألوف من الناس المختلفي اللغات والأجناس والأديان كان سبباً لإنتشار المسيحية إنتشاراً عجيباُ، وأول أسقف نصب على الكنيسة الاورشليمية كان يعقوب الذي استشهد سنة 62 م، وقد بقي المسيحيون مع إقامتهم الصلاة في بيت أم يوحنا مرقس وغيره من الكهوف يتردّدون الى الجلجلة والقبر للتبرّك بزيارته، حتى شقّ اليهود عصا الطاعة على الحكومة الرومانية، ولما دوت في آذان المسيحيين جلبة جيوش الرومان التي جاءت لإخضاع اليهود وإخماد نيران الثورة، علموا أن الوقت قد حان لإكتمال نبوّة السيد المسيح عن خراب المدينة والهيكل، فغادروا اورشليم هاربين الى مدينة ” بلا ” الواقعة في شرقي الاردن بالقرب من بيسان مع اسقفهم سمعان البار،. فجاء تيطس وحاصر اورشليم حصاراً شديداً وأفتتحها عنوة سنة 70م ودمّر المدينة تدميراً هائلاً، وقد سلم القبر والجلجلة من التدمير لأنهما لم يكونا في حالة تسترعي الانتباه .

لم يحل خراب المدينة دون عودة بعض المسيحيين الى اورشليم عندما خمدت نار الحرب، فرجعوا اليها ونزلوا في جبل صهيون حول العليّة، إذ كانت الجهة الوحيدة التي نجت من الدمار العام فظل موقع قبر المسيح معروفاً عندهم بعد الخراب أيضاً كما كان معروفاً قبله.

القيامة في دورها الثاني (ويعرف بالعهد الروماني المسيحي)

لم يكد خبر اكتشاف القبر والجلجلة ومغارة الصليب يبلغ مسامع قسطنطين حتى كتب الى مكاريوس اسقف اورشليم يأمره بإنشاء ثلاث كنائس الواحدة فوق القبر والثانية فوق مغارة الصليب والثالثة فوق الجلجلة، ولما باشروا البناء اقتضى تمهيد الأرض حتى أصبح على موازاة القبر ولم يبق قائماً على ارتفاعه الا محل الصليب الذي تُرك على حدته فنصب حول القبر على دائرة واسعة عشرون عموداً من الرخام تعلوها الحنايا الشامخة، ويحيط بها جدار مستدير ينعطف في جهاته الأربع الى محرابين عظيمين يمنة ويسرة ومحراب ثالث بينهما الى الوراء يقابله المدخل الكبير، ويكلّل المجموع قبّة شامخة عظمى وهذا البناء دّعي القيامة، ثم شيدت كنيستان على الجلجلة وعلى مغارة الصليب وكان يحيط بالكنائس الثلاث أروقة جميلة قائمة على أعمدة من الرخام، ولا شك في ان هذه الكنائس كانت على جانب عظيم من الجمال ودقّة الهندسة والبناء حتى أنها فاقت هياكل رومية في عظمتها، وأصبحت تحفة التحف في العالم كله. وقد استغرق بناؤها ست سنوات وأُكملت سنة 335 فجرى تكريسها بحفلة حضرها اوسابيوس اسقف قيصرية وغيره من الأساقفة والكهنة وعدد لا يحصى من المؤمنين.

القيامة في دورها الثالث (تشييد بناء مودستس على أنقاض البناء البيزنطي)

بقيت الكنائس التي شيدها قسطنطين على الطراز البيزنطي زهاء ثلاثمائة سنة تناطح السحاب بجلالها، وكان اليوم الرابع من شهر أيار سنة 614 م آخر يوم حيّت في صباحه شمس القدس ذلك الصليب القائم على قبة القبر، ففيه هجم الفرس على القدس تحت قيادة ساريوس فاستولوا على المدينة واعملوا السيف في رقاب الأهلين فقتلوا من المسيحيين على ما قيل تسعين ألفاً، وقد عاونهم اليهود في ذلك، وذبحوا الذين التجأوا الى الكنائس ذبح الأغنام وأحرقوا الكنائس والأديرة في القدس كما أحرقوا سائر كنائس فلسطين، ومن ثم مدوا أيديهم الى كنيسة القيامة فدمروها تدميراً، وهكذا دكّت أركان ذلك البناء الشامخ ومدت مشاعل التخريب الى الأماكن المقدسة، فنهبت كنوزها وسلبت نفائسها، وكسر الغزاة حجر الملاك الموجود في مغارة القبر ظناً منهم ان فيه كنزاً وأخذوا جزءاً كبيراً من عود الصليب، واقتادوا البطريرك زكريا وأعيان المسيحيين أسرى إلى بابل، وكانت هذه النكبة التي حلّت بالقيامة من أعظم النكبات.

وبعد ذهاب الفرس قام مودستس رئيس دير القديس ثيودوسيس واستدر حسنات المؤمنين في سورية وفلسطين، واستأنف اعمار القيامة وقد عاونه بطريرك الاسكندرية يوحنا الرحوم بالمال والرجال والذخائر، وإذ كان يستحيل عليه ارجاع البناء الى رونقه القديم اكتفى بتشييد الانستازيس ( الكنيسة فوق القبر) وبنى أيضاً معبد الجلجلة، وكانت العمارة التي شادها مودستس بسيطة جداً بالنسبة لما كانت عليه قبلاً، وقد بذل جهده في الباس البناء حلة من مسحة الجمال وساعده على ذلك ما بقي من آثار البناء البيزنطي لأن معاول الفرس وفؤوسهم لم تقو على ابادة أثرها واستغرق البناء اثني عشرة سنة وانتهى على الأرجح سنة 629.

لم يطب لهرقل الامبراطور الصبر على هذه الكسرة الهائلة، ونظراً لفراغ خزينته من النقود سك أواني كنيسة القسطنطينية نقوداً برضى بطريركها، وجدد الهمة فهاجم الفرس وغلبهم بقرب نينوى في 12 كانون الأول سنة 627 واسترجع خشبة الصليب وعاد بها الى اورشليم فدخلها حافياً متواضعاً فاستقبله الشعب بسرور، وقد أقام المسيحيون تذكاراً لهذا العيد ولم يزالوا كل سنة في عيد الصليب يجددونه بمظاهر التقوى واشعال نيران الفرح.

وظل الحكم الروماني في القدس زهاء 600 سنة انتهى بالفتح الاسلامي للمدينة المقدسة. فبعد تسلم عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس من البطريرك ” صفرونيوس ” خطب عمر في أهل بيت المقدس قائلا : “يا أهل ايلياء لكم ما لنا وعليكم ما علينا.” ثم دعاه البطريرك لتفقد كنيسة القيامة، فلبى دعوته، و أدركته الصلاة وهو فيها فتلفت إلى البطريرك وقال له أين أصلى، فقال “مكانك صل” فقال : ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا. وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى، وجاء المسلمون من بعده وبنوا على ذلك المكان مسجدا المسمى بمسجد عمر، وأعطى عمر أهل بيت المقدس عهداً مكتوباً “العهدة العمرية” وكان ذلك في عام 15 هـ.

القيامة في دورها الرابع

كانت كنيسة القيامة حتى سنة 1009تحتوي بعض آثار البناء البيزنطي رغم ما توالى عليها من النوائب والكوارث، ولكن الخراب الذي لحق بها جردها من جميع آثارها القديمة وأصبحت في حالة يتعذر معها على المهندسين ارجاعها الى هندستها الأصلية، وقد أرجع مونوماخوس مغارة القبر المقدس إلى حالتها الاولى، ثم شاد فوقها كنيسة جميلة قام حولها 12 عموداً، وأفرز كنيسة الجلجلة عن القبر المقدس، وشاد فوق صخرة الصليب معبداً نقشت جدرانه بالفسيفساء، وأما مغارة الصليب فاكتفى بترميمها مستخدماً لذلك أعمدة قديمة وعلى هذه الحال وجد الصليبيون القيامة يوم استولوا عليها. والجزء الأكبر من هذا البناء باق حتى الآن.

القيامة في دورها الخامس (وهو العهد الذي وحّد فيه الصليبيون جميع أبنيتها)

استولى الصليبيون على القدس في 15 تموز سنة 1099 فدخلوا كنيسة القيامة حفاة ناشدين الأناشيد والتراتيل، ورفض قائدهم ان يتوّج بتاج ذهبي حيث كلل المخلص باكليل الشوك، وعقب استيلائهم على المدينة أسسوا دولة لاتينية دامت 88 سنة لقّب حماتها بحماة القبر المقدس، وبقيت القيامة طيلة هذه المدة تحت النفوذ اللاتيني، وأما الطوائف الشرقية فأُبقي لها قسم ضئيل من حقوقها في القيامة واستمرت تمارس طقوسها تحت سقفها، وقد رأى الصليبيون ان يحافظوا على ما كان من البنايات في كنيسة القيامة، وبعد مضي تسع سنوات تمكنوا من توحيد جميع بنايات القيامة تحت سقف قبة شاهقة فرغوا من بنائها سنة 1149. فهيئة القيامة الحالية باقية من عهد الصليبيين، وظلت في عهد الصليبيين الى أن حرر القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس.

ومنذ الجيل الثالث عشر الى أيامنا رمّمت الكنيسة التي خلفها الصليبيون مراراً لما طرأ عليها من حوادث الزلازل والحريق واجتياح الأمم، ففي سنة 1244 غزا التتر الخوارزميون القدس فهدموا القيامة ونهبوا كنوزها ولكنها بنيت ثانية في أواخر ذلك القرن . وفي سنة 1719 تداعت قبة كنيسة القبر وكانت من عهد قسطنطين مونوماخوس فرمّمت وأصلح جانب كبير من أبنية القيامة ومعابدها.

وفي سنة 1808 حدث حريق في كنيسة الأرمن امتد لهيبه الى سائر جهات القيامة فالتهم الأبنية ولم يسلم الحريق الا قبة القبر وكنيسة اللاتين ومغارة الصليب، فنال الروم فرماناً من السلطان محمود بتجديد البناء وشادوا سنة 1810 فوق القبر البناء الحالي ثم رفعوا جدراناً حول كنيسة نصف الدنيا، وأقاموا فوق كنيسة القبر قبة لم يحكم المهندسون بناءها، فتداعت قبل مرور خمسين سنة عليها ويستدل من الكتابة الموجودة على القبر ان المهندس الذي قام بتجديد هذه الأبنية كان يدعى كونينوس من جزيرة مدلي.

وفي سنة 1869 اتفقت روسيا وفرنسا وتركيا على تجديد بناء القبة التي فوق كنيسة القبر، فأوفدت كل منها مهندساً لهذه الغاية وشادوا القبة الشاهقة الحالية ورسموا عليها صوراً أنيقة.

الستاتيكو قانون عثماني يحافظ على حقوق الطوائف…

في 2\8\1852م، اصدرت الدولة العثمانية التي كانت تحكم القدس والبلاد العربية، ما يسمى قانون الوضع الراهن (الستاتيكو)، وهو يقوم على تثبيت حقوق كل طائفة وجماعة دينية كانت موجودة في القدس، دون السماح بإحداث تغيير فيما كان عليه الوضع منذ ذلك التاريخ.

وهذا حفظ حقوق الطوائف والجماعات الدينية من مختلف الاديان، وعلى رأس ذلك الحقوق الطائفية في كنيسة القيامة، وما زال هذا القانون معمولا به الى حد كبير حتى اليوم.

– يوجد في كنيسة القيامة دير للرهبان الفرنسيسيين (اللاتين) الذين يخدمون في الكنيسة، ويقع الدير شمالا حيث كانت قديما الدار البطريركية، وكان الرهبان حتى سنة 1870م يعيشون في دير مظلم، فتوصل فرنسيس يوسف الأول امبراطور النمسا إلى الحصول على اذن لهم ببناء دير صغير، أضيفت إليه طبقة جديدة سنة 1967م. وينتسب الرهبان الفرنسيسيون الى القديس فرنسيس الأسيزي (1182-1226م)، الذي أنشأ وعاش في أمبريا من أعمال ايطاليا، وكان قد جاء الى القدس سنة 1219م.

– والكنيسة تحوي الدير الكاثوليكي الوحيد، وهناك إلى جانبه الأديار الأرثوذكسية، وأولها دير الروك الارثوذكس، وبعد فتح الأتراك للقسطنطينية (1453م) أخذ الإكليروس البيزنطي يتردد إلى الأراضي المقدسة، وبعد امتداد السيطرة العثمانية على القدس سنة (1516م) بقليل عين على القدس بطريرك يوناني يدعى (جرمانوس 1534-1579م)، وهو الذي أسس (أخوية القبر المقدس) التي يعد أعضاؤها حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الأرثوذكسي.

– ويوجد شرق ساحة القيامة دير القديس ابراهيم الذي اشتروه سنة 1660م من الأحباش، وعثروا تحته سنة 1690م على كنيسة قديمة تعرف بكنيسة الرسل.

– وبعد الروم الارثوذكس يأتي الأرمن الارثوذكس، ولهم بعض المساكن في كنيسة القيامة، ولكن ديرهم الرسمي يقع في حارة الأرمن حول كنيسة القديس يعقوب الكبير، وهو بناء صليبي يرتقي الى القرن الثاني عشر الميلادي، وقد بني نصف ذلك الدير في القرن السابع عشر الميلادي.

– وللأرمن الحصة الثالثة في كنيسة القيامة، ومنها قسم الرواق الذي يشرف على القبر المقدس وكنيسة القديسة هيلانة.

– أما الأقباط فلهم ديرهم وكنيستهم الكبرى المعروفان بكنيسة ودير القديس انطونيوس، حيث يقومان خارج كنيسة القيامة، ولهم معبد صغير ملاصق للقبر المقدس بنوه سنة 1808م وفيه يصلون.

– أما الأحباش فيقومون في دير السلطان المجاور على سطح كنيسة القديسة هيلانة.

– والسريان الأرثوذكس يقيمون الصلاة كل أحد في معبد للأرمن يقوم في حنية القبر المقدس يدعى بدير القديس مرقس.

معالم كنيسة القيامة:

*القبر المقدس: في مركز كنيسة القبر المقدس، ومباشرة تحت القبة الكبرى يقع “القبر المقدس” وتزينه الشمعدانات الضخمة، ينقسم البناء من الداخل إلى غرفتين: الغرفة الخارجية وهي عبارة عن دهليز لتجهيز الميت، ويقال لها كنيسة الملاك، أما المدخل الصغير المغطى بالرخام فهو الباب الحقيقي للقبر الأصلي، والذي تم إغلاقه بحجر إثر موت السيد المسيح كما يقول الإنجيل (متى28: 1-6)، وفي وسط الدهليز يوجد عمود قصير يحمي تحت الزجاج قطعة أصلية من الحجر، وإلى اليمين يوجد مقعداً من الرخام يغطي الصخرة الأصلية التي وضع عليها جسد يسوع من مساء الجمعة وحتى صباح الفصح.

وتؤدي كل من كنيسة الروم الأرثوذكس، اللاتين والأرمن خدمة الليتورجيا داخل القبر المقدس، وفي سبت النور تجرى هناك خدمة فيض النور والتي يترأسها بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس، وخدمة صلاه فيض النور هي فقط لكنيسة الروم الأرثوذكس، أما الأرمن فلهم إشتراك محدود وليس لهم الحق بالدخول إلي القبر المقدس ولكن فقط لهم الدخول إلي القسم الأول قبل باب القبر.

وتشهد كنيسة القبر المقدس كل سنه وقبل أحد الفصح المجيد حدثاً رائعاً وملهماً للغاية فعند ظهر سبت النور، يدخل بطريرك القدس للروم الأرثوذكس إلى القبر المقدس، وينتظره في الخارج الأساقفة وباقي الإكليروس وبعد الإنتهاء من الصلوات والأفاشين التي يتلوها البطريرك يظهر نور أعجوبي ويقوم البطريرك بإيضاء شمعتين ويخرج من القبر المقدس لتضاء باقي الشموع في الخارج، ويصل النور إلي معظم الكنائس الأرثوذكسية.

*حجر الطيب: وهو حجر من الجير الأحمر مزين بالشمعدانات والمصابيح، وهو الموضع الذي تم فيه تحضير جثمان يسوع للدفن ( يوحنا 19، 38 ) وإلي اليمين يوجد سلماً يصل إلى كنيسة الجلجة، وهو موضع صلب المسيح وتدير هذه المنطقة كنيسة الروم الأرثوذكس.

*الهيكل: يوجد في واجهة الكنيسة، وفوقه صورة ليسوع المسيح المصلوب، وعلى جانبية القديس يوحنا والعذراء أمه، وتحت الهيكل يوجد قرص مفتوح يشير إلي الموقع حيث رفع صليب يسوع، وفي القسم السفلي تحت الجلجلة وقرب مكتب رئيس القيامة للروم الأرثوذكس يوجد هيكل صغير حيث دفن فيها أدم الأول، وفي هذا المكان عند صلب المسيح تم إيجاد جمجمة آدم الذي سقط بالخطيئة فأتى المسيح (آدم الجديد) ليعيد الجبله من جديد عن طريق إماته الموت بالموت، لذلك نرى الجمجمة الموضوعة في أسفل الصليب والتي تشير إلي جمجمة آدم.

*سجن المسيح: هو مغارة اعتاد تقليد من القرن السابع تسميتها باسم حبس المسيح حيث يقول التقليد إنهم سجنوا يسوع هناك ريثما أحضروا الصلبان المعدة للصلب.

*كنيسة القديسة هيلانة: وتحتوي عناصر هندسية بيزنطية، حيث كرس الهيكل الرئيسي للقديسة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين وكرس الهيكل الذي إلى اليمين للقديس ديزما وهو اسم الذي صلب مع المسيح.

*دير مار إبراهيم للروم الأرثوذكس: وقد سمي بهذا الاسم تيمناً بالتقليد المسيحي الذي يقول بأن أبانا إبراهيم جاء إلى هذه الصخرة يقدّم ابنه ذبيحة. نجد في الكنيسة مذبحاً وشجرة زيتون علق الجدي بفروعها. وهناك إلى اليمين كنيسة مار يعقوب للأرمن والقديس ميخائيل للأقباط. إلى اليسار يوجد ثلاث كنائس مكرسة للقديس يعقوب والقديس يوحنا والشهداء الأربعين.

*الجلجلة: وتدعى الجلجثة في الآرمية، وتعني الجمجمة وتشير الى موقع صغير من صخر، وهو المكان الذي يعتقد المسيحيون ان المسيح صلب ومات فيه، وقد اصبح بذلك اعظم مشارف المسيحية وخصه المسيحيون بأعظم اكرام، وتحتل الجلجلة الزاوية الجنوبية الشرقية من ساحة القيامة وقد اقيم عليها صليب تعلوه قبة (428م)، وترتفع اربعة امتار ونصف عن مستوى الارض. وتنقسم إلى كنيستين صغيرتين: الأولى وتدعى كنيسة الصلب، نجد فيها المرحلتين العاشرة (تعرية يسوع من ثيابه) والحادية عشرة (صلب يسوع). وتعرضت الجلجلة لمصير كنيسة القيامة فدمرت وحرقت ورممت اكثر من مرة، إلى أن كان بناء الصليبيين للكنيسة الحالية، كما وتشتمل الجلجلة على مذبح لصلب المسيح، وآخر للعذراء المتألمة وثالث للمسيح المصلوب.

*الواجهة: يسيطر عليها برج الأجراس الصليبي وقد تهدم الجزء العلوي منه في القرن السادس عشر واستبدل في القرن التالي بغطاء من القرميد (الطوب) واستبدلت الأجراس الصليبية التي فككها صلاح الدين وذوبها بأجراس أخرى في القرن الماضي. تقدم الواجهة التي بناها الصليبيون مدخلين سدّ أحدهما في أيام صلاح الدين.

*حجر الثلاث مريمات: وهو قبّة صغيرة تغطي حجراً مستديراً يسمى حجر الثلاث مريمات الذي أقيم لذكرى المريمات اللواتي ساعدن يسوع المحتضر.

*كنيسة الإهانات: وهي المكان الذي يشير فيه التقليد إلى الإهانات التي وجهت ليسوع المصلوب.

*كنيسة الإفرنج: الدرج الذي إلى اليمين قبل الدخول إلى الكنيسة يؤدي إلى معبد «سيدة الأوجاع» ويقال له أيضاً كنيسة الإفرنج وهي للآباء الفرنسيسكان الذين يحتفلون فيها بالقداس الإلهي كل يوم. تحت هذه الكنيسة تقوم كنيسة أخرى مكرسة للقديسة مريم المصرية.

المسلمون حراس القيامة:

والمسلمون لم يكونوا بمنأى أو بمعزل عن كنيسة القيامة، حيث تولى المسلمون حراسة ابواب الكنيسة، ومسؤولية مفاتيحها، وهناك عائلتان مقدسيتان تقومان بهذه المهمة التاريخية، هما: آل جودة، وآل نسيبة. وقد اختلف المؤرخون في تحديد البداية التاريخية لهذه المسؤولية، فهناك قول يؤيد آل نسيبة يرى ان هذه الوظيفة بدأت منذ فتح عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) للقدس سنة 636م، وأن أول من تسلم مفاتيح الكنيسة كان هو جدهم عبد الله بن امرأة من الخزرج تدعى (نسيبة)، وكان لها ولدان، حامد وعبد الله، حيث يرى هؤلاء ان صفرونيوس بطريرك القدس سلم مفاتيح القيامة لعمر بن الخطاب، الذي قام بدوره بدفع المفاتيح الى عبد الله بن نسيبة، لزهده وأمانته، ومنذ ذلك الحين وهم يتوارثون هذه المهمة، …وهناك قول آخر يؤيده آل جودة، يرى أنهم أمناء مفاتيح القيامة منذ عهد صلاح الدين الأيوبي (1187م)، وأن آل نسيبة يقومون بمهمة الفتح منذ ذلك العهد أيضا، وهناك رأي آخر يعتقد أن هذه المهمة مناطة بهذه الأسر المسلمة منذ عهد المماليك.

ومهما يكن الأمر فإن مفاتيح كنيسة القيامة هي منذ قرون طويلة من الزمن في عهدة المسلمين المقدسيين، وهم الذين يتولون الإشراف عليها، حيث تقوم أسرة آل جودة بالاحتفاظ بالمفاتيح، في حين تقوم أسرة آل نسيبة بمهمة فتح الكنيسة في مواعيدها المقررة، وتعتبر هذه التجربة التاريخية نموذجا على التعاون والتسامح بين المسلمين والمسيحيين في القدس.